الخميس 29 أكتوبر 2020 م - ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / مناطق التوتر الخافت والتصعيد الصامت

مناطق التوتر الخافت والتصعيد الصامت

علي عقلة عرسان

في سوريا المنكوبة، كل القوى غير السورية الموجودة فيها، تعزز قدراتها على أراضيها، وتستخدم أدواتها وأسلحتها ووسائلها الأخرى، للفتك بالدولة والشعب. الأميركيون الذين اختاروا أن يمثلوا دور المراقب في آستانا، يدخلون قوات جديدة بعد قوات في مناطق شرق الفرات، ويحشدون الآن بكثافة على امتداد واسع في مناطق الحدود السورية ـ التركية، تحت مسمّى مراقبة وقف إطلاق النار بين الأكراد والأتراك.. وحقيقة الأمر أنهم يمكّنون لوجود عسكري وسياسي، طويل الأمد..

هل يذكر أحد عدد الضحايا البشرية في سوريا، منذ أعلن عن وقف العمليات القتالية أو العدائية، بضمانات الدول الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، في اجتماع آستانا الأول؟! الأمر لا يتعلق بالعدد، فقد دخل السوريون سجلات القتل أرقامًا، لا تعني للقتلة ومن في حكمهم أكثر أو أقل من ذلك.. أرقام بلا أرواح وبلا معنى للأسماء، ولا قيمة لمن يعنيهم أمر تلك الأرواح والأسماء والجثث.. إنما يتعلق أمر التذكير بذلك، باستمرار القتل دون توقف. وهذا ما يجعلنا نقف في خضم الشك، من إيجابية نتائج الإعلان الجديد يوم الخميس ٤/٥/٢٠١٧ عن أربع أو خمس مناطق يتم “وقف التصعيد” فيها، تعزيزًا لوقف إطلاق النار المنشود المفقود المفقود.. ذلك الذي جعل شعبنا مفؤدًا ينتقل من غمَّة إلى غَمَّة، ولا تجعله أدواؤه يصدق جنيف وأخواتها، ولا آستانا وخطواتها، ولا هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها، ولا ولا المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات والتصريحات، التي تتالى من هنا وهناك، لأنها جميعًا لم توقف القتل، ولم تلجم فعل سفك الدم، ولم تقدم مجرد إشارة، إلى جدية الكلام عن حل سياسي للمسألة السوري، لا حل سواه كما قيل ويقال، لكل الكوارث التي جعلت من سوريا وشعبها ميدان صراع لقوى إقليمية ودولية، وحقل تجارب وتدريب لأسلحة حديثة وقوات. وأحالت الكلام السياسي، عن حل سياسي إلى نكتة مرة من جهة، وإلى ما يشبه الدريئة من جهة أخرى.. حيث يترافق ذلك مع تعزيز الوجود العسكري وتنويعه، ومع استمرا الاقتتال وتصاعد ترويعه، ومع مشاريع لتمزيق سوريا وإزالتها من الوجود، أو جعل وجودها غير ذي بال. حيث نجد أنفسنا، بعد كل مؤتمر وقرار ولقاء، عمليًّا وعلى أرض الواقع، في تصعيد للنبرة العدائية، وازدياد للمذابح والمآسي، وفي تهجير وتشريد، وتهديد ووعيد.. ومن ثم في بُحْران من تضخّم الشك، وانبعاث كل ما يؤكد سوء النوايا، وانعدام الثقة بين الأطراف المعنية: داخليًّا، وعربيًّا، وإقليميًّا، ودوليًّا.
في سوريا المنكوبة، كل القوى غير السورية الموجودة فيها، تعزز قدراتها على أراضيها، وتستخدم أدواتها وأسلحتها ووسائلها الأخرى، للفتك بالدولة والشعب. الأميركيون الذين اختاروا أن يمثلوا دور المراقب في آستانا، يدخلون قوات جديدة بعد قوات في مناطق شرق الفرات، ويحشدون الآن بكثافة على امتداد واسع في مناطق الحدود السورية ـ التركية، تحت مسمّى مراقبة وقف إطلاق النار بين الأكراد والأتراك.. وحقيقة الأمر أنهم يمكّنون لوجود عسكري وسياسي، طويل الأمد، ويسيطرون على أجزاء من سوريا ويقيمون فيها قواعد عسكرية، جوية وبرية، متذرعين بذرائع شتى، لكن من أهم أهدافهم، إقامة كيان كردي في شرق الفرات، يحمل راياتهم، ويشكل غطاء لاحتلالهم.. وهم يفعلون ذلك في سوريا مع حلفائهم، على غرار ما فعلوه في العراق، حيث أقاموا، من قبل، دولة البرزاني بحماية أميركية، وهي العازمة الآن على الانفصال عن العراق. ومن تحصيل الحاصل أن ذلك احتلال أميركي، لمناطق محددة من سوريا، وقد قامت إدارة ترامب قبل أيام معدودة بإعطاء تفويض ذي دلالة كبيرة جدًّا في هذا المجال، حيث “قالت دانا وايت المتحدثة باسم البنتاجون إن ترامب منح وزير الدفاع جيم ماتيس سلطة تحديد مستويات القوات في العراق وسوريا من الآن فصاعدا”./الأربعاء ٢٦/٤/٢٠١٧ وهذه الوقائع، لا يقاربها أحد، لا في آستانا ولا في غيرها، عند الحديث عن مناطق “آمنة”، أو مناطق “عدم تصعيد”.. ذلك ببساطة، لأن الضامنين وغير الضامنين، يبحثون ما يتعلق بمناطقهم التي يسيطرون عليها في سوريا، ولا يقتربون من حصص بعضهم بعضًا.
المناطق التي ذكر أنها “آمنة”، أو مناطق لـ”وقف التصعيد”، لا يقصفها الطيران ولا تجري فيها عمليات عسكرية، اعتبارًا من يوم السبت ٦ أيار/مايو ٢٠١٧، “أي منذ اليوم”، سوف تشتعل أكثر، لأن الضامنين محاربون وحازبون، وموجودون في ميادين قتال، وهم ليسوا أحبة، ولا بينهم اتفاق ظاهره هو باطنه، بل لكل ظاهر وباطن. هذا من جهة، ولأنهم ليسوا وحدهم على الأرض السورية التي تكرج فيها كرات النار، بين هذه الديار وتلك الديار. وكل من على أرض المعارك يعزز وجوده، ويحدد حدوده، حتى في المناطق المشار إليها، حيث سترسم خرائطها، وتتضح معالم حدودها، خلال ستة أشهر، من بدء سريان اتفاق آستانا الأخير، اتفاق الرابع من مايو/ أيار ٢٠١٧”.. وهذا يعني تصعيد الاقتتال لأسباب كثيرة، منها تحديد المناطق بين المتنازعين في سوريا على مناطق، ونفوذ، وهيمنة، و..
لقد سئمنا الكلام عن خطوات لوقف الأعمال العدائية، وتعزيز وقف إطلاق النار، “الهش دائمًا”.. ووضع حد للقتل، وصولًا إلى توجه فعلي نحو سلام، يقود إليه حل سياسي، هو في حقيقة الأمر، كما يتضح من معطيات الواقع المتتالية، شيء منعدم الوجود في النوايا والطوايا والحنايا الممتلئة بالخفايا، وهو من نوع التعذيب بوسائل منها الإغراق بالوهم والتوهم. إذ من المؤكد أنه لن يكون هناك ثقة متبادَلة بين من يسكنهم “ظاهر يناقض الباطن، أو باطن ينقض الظاهر”، حيث يشكلان وجهًا وقناعًا لكل من يختار ذلك المنهج، ويسلك ذلك المسلك.. ولا أحد يستطيع أن يمسك بملامح وجه ظاهر ينقضه باطن، أو العكس.. وعليه فإن الطبيعة السياسية للصراع، التي أغرقتنا بالدم، وأعمتنا بالوهم، وأرَتنا أبوابًا من الخداع والنفاق والمكر والغدر، لا حصر لها.. باعتمادها سياسات تقوم على انعدام الثقة، وعلى تغليب المصالح على المبادئ، وعلى نبذ الأخلاق والقيم في العمل السياسي، وعدم احترام القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والكيل بمكيالين وأكثر.. لا سيما في أوقات الصراع بأنواعه.. والرغبة في الإيقاع بالخصم.. كل ذلك جعلنا في وضع سقيم، وشك مقيم.. إذ الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، والسياسة معارك في حرب لا تترك أسلحة من أي نوع، دون أن تستخدمها.. وتستمر، ونستمر ضحايا؟!
إنهم لا يريدون حلًّا للمسألة السورية، يبقي سوريا، ويبقي لها من الدولة قدرات تحمي وتبني. وقد لا يكون ذلك تواطؤًا من الجميع، واتفاقًا على تدمير الوطن والشعب، ولكنه نتيجة لتضارب الرؤى، والمواقف، والمصالح، والسياسات.. تجعل هذا البلد المستهدَف، ضحية يساهم في إثم تدميره، ومعاناة شعبه، كلُّ من له يد في الحرب، وبالسياسة المتصلة بمصيره ومصير شعبه.. مع شعور كل طرف من الأطراف الوالغة في الدم والإثم، بأنها ليست المسؤولة، فنواياها حسنة، ونوايا الآخرين هي السيئة؟!، وهم مضطرون للعب في الساحة، لأن هناك من استدعاهم، أو سمح لهم، أو أخلى لهم مكانًا للرقص فوق الأشلاء. وتلك متعة من متع “المجرمين العظماء”؟!.. ومن ثم فإن الشعب السوري هو من يتحمل مسؤولية الخروج ببلده من هذا الوضع المنهِك المهلِك. هكذا ينامون مرتاحين، ولا يرون الكوابيس في منامهم، ولا ينظرون في المرايا عند الاستيقاظ.. وكل في فلك يسبحون!؟ هذه هي قمة الإفلاس الأخلاقي، ونتيجة انعدام الصلة بين السياسة والأخلاق، أو غياب الأخلاق والقيم عن مدار الحاكمية في السياسة الدولية.
لو أرادوا الحل لأخذوا بمرجعية للحل، توافقوا هم عليها، وأقروها.. وهي مرجعية للحل، كل يقول بها، ولا يعارضها، ويذكِّر بها.. إنها مرجعية جنيف، والقرارات الأممية ذات الصلة.. فإذا كان الكل يقول بذلك، فلماذا لا يُنفذون ما يقولون إنه المرجع والمخرج للحل في سوريا؟! وأنه القرار المقبول من الجميع، ولمصلحة الجميع؟! لماذا لا يرتاحون، ويرتاح السوريون، ويرتاح العالم، من مسألة كارثية، ما زالت تهز الضمائر الحية في العالم، وتلطخ جبين الإنسانية بالعار؟! إن قراءة الوضع تفضي إلى أن الحل المناسب، يكون وفق مرجعية جنيف والقرارات الأممية المبنية عليها والمتصلة بها.. كما يرددون صباح مساء. لكن قراءة الوقائع، منذ وثيقة جنيف الأولى التي وضعها كوفي أنان، وما بني عليها.. تلك القراءة تشير إلى أن الطبخة الدولية لم تنضج، ويُزاد عليها، ويُعاد فيها.. حتى أصبحت من التعقيد، والتداخل في الاستراتيجيات والمصالح والغايات، ما يجعلها مسمومة، ومرشحة للديمومة، ما دامت قد دُوِّلَت، وأصبحت تتعلق بقضايا وصراعات متداخلة، واستراتيجيات متضاربة، وبمواقف سياسية وعسكرية واقتصادية، تبدأ بأوكرانيا وبنشر حلف شمال الأطلسي للدرع الصاروخية في أوروبا، وتمر بالعقوبات على روسيا الاتحادية، وبالاستثمارات النفطية، ولا تنتهي بالنووي الكوري، ولا الصواريخ البالستية الكورية الشمالية؟!
فيا معشر الناس، في سوريا الحبيبة، الحزينة.. يا من تلهثون وراء أمن، ورغيف، وسلام، وسكينة.. تهيأوا لأيام صعبة، وربما لأيام أصعب مما مر عليكم، لا سيما في المناطق التي أعلنت مناطق “وقف التصعيد”، تعزيزًا لوقف “الأعمال العدائية”، وإطلاق النار، والقصف الجوي، والأعمال الحربية.. تهيأوا لما لا يرضيكم، ولما لا يحييكم.. إذ ستكون معارك، وسيكون قصف، وستكون خروقات تضيق على الراقعين.. فالذرائع لنقض ما أبرمه “الضامنون”، وليس من بينهم أحد من السوريين، أكثر من أن تحصى، حيث يقدم الوكلاءُ للأصلاءِ ما يرضيهم، وما يعفيهم من المسؤولية المباشرة عما يعملون على تحقيقه، وما يوحون بفعله.
لا أشكك ولا أحب التشكيك، ولكن لا أطيق أن تكون في أحشائنا جمرة تحرقنا، وأشعر بِعَسِّ نارها، ولا أقول بشأنها شيئًا.. إنني إنما أقرأ، من خلال ما جرى طوال سنوات ست تغص بالجثث والمكر والغدر، ومن خلال الشك الذي توطن في الأنفس والعقول والقلوب، وغمر أرض الواقع بالبؤس واليأس.. وأُفصح عمّا أرى.. وأسأل الله تعالى أن تكون شكوكي السلبية، من بعض الأوهام والأساطير، العربية وغير العربية.
في آستانا اعترضت المعارضة على الضامن “الإيراني”، لأنها ترى فيه محاربًا مباشرًا، ومن خلال “ميليشياته ومواقفه وسياساته وأهدافه البعيدة”.. وهناك في آستانا من لم يعلن موقفًا، في الإعلام، عمَّا يراه على العكس من ذلك، إذ يرى أن الضامن الإيراني مقبول، و”التركي”، لا يستحق أن يكون ضامنًا، فهو على الأرض، ويدعم مسلحين.. وهناك أطراف أخرى ترى في الضامن “المبادر”، الضامن الروسي، الذي قدم مشروع “المناطق الخمس”، مثابرًا على تنفيذ مخططه، الذي يستهدف الآخرين، لا سيما المعارضين، في المناطق المُراد لها أن تكون “منعدمة التصعيد”، أو المشار إلى أنها “آمنة”، إذ يلتزم باستهداف المسلحين بوصفهم إرهابيين، حسب ما أعلن عن ذلك الموقف مرارًا وتكرارًا، كما يستهدف غيرهم من الموجودين على الأرض السورية الساخنة، لا سيما في سوريا “المفيدة؟!”، سواء أكانوا ضامنين، أم معترضين على الضامنين، وعلى مشروع “المناطق الخمس” ذاته.. وقد أعلن المراقب الأميركي في آستانا، عن عدم قبولهم بذلك، وعن تشكيكهم فيه، وعن رفضهم لضامنين مشاركين؟! والمشروع يغص بالمحاذير والتناقضات، وهناك من يرى فيه مقدمة لتقسيم سوريا. ولكن هناك رغبة في استكماله، ولكل غاية في نفسه، وخطة يراها الوحيدة لتحقيق سلام “ما بعده سلام”، إذ يكمن فيه طمر العلّة في الأحشاء، وجعل الداء يتفجر من الداخل، ليقضي على الظاهر والباطن.
في لقاء الرئيس بوتين مع الرئيس أردوغان، ذلك الذي تم في مدينة سوتشي قبل أيام قليلة، وهو اللقاء الذي سمح بالتوافق، ومن ثم بالتوقيع على اتفاق المناطق “الخافتة التصعيد”، قال الرئيس بوتين إنه يوافق على وقف القصف الجوي في تلك المناطق بشرط، والشرط هو عدم وجود نشاط فيها.. أي نشاط عسكري بطبيعة الحال، وفق منطق الحدث السياسي ـ العسكري القائم، ومجرياته.. فما هي تلك الحدود التي تجعل من تحرك ما نشاطًا عسكريًّا يا تُرى؟!، في غياب مراقبي محايدين، وحدود مرسومة، ومعايير وضوابط واضحة؟! إن الرياضة الصباحية للجيش، أو للميليشيات، أو للمسلحين، أو للضامنين، أو.. قد تدخل في الاستعداد، والجاهزية، والتهيؤ لنشاط عسكري.. من منظور كل طرف من الأطراف، التي لا تقوم كل طرف منها والطرف الآخر، أدنى درجة من درجات الثقة المتبادلة!! هكذا تنظر الأطراف الموجودة في كل منطقة من المناطق المرشحة “لتخفيف التصعيد” فيها، إلى الأطراف الأخرى، ويضاف إلى ذلك المكون للمناخ السلبي، دور المحرضين، والحلفاء الخارجيين، ومن يصبون الزيت على النار؟!.. وحين يكون هناك ظاهر وباطن، وجه وقناع، فإن التفسيرات تصبح حبلى بالذرائع والسلبيات، وفي هذا فرص تنقض كل اتفاق، وتحميل الآخر المسؤولية عن التدهور، لا سيما عندما تكون هناك استراتيجيات حاكمة، وأهداف لا يمكن التنازل عنها لأطراف. وعندما يكون لدى كل طرف من الأطراف الداخلة في الحرب الدائرة في سوريا وعليها، مشاريعه الخاصة، التي يضعها فوق الوطن “سوريا”، وفوق الشعب، والقيم، وفوق قيم الإنسان وحياته؟!
نسأل الله تعالى، أن يكون في عوننا، على ما تبقى لنا في هذه الحياة من أيام.. إنه سميعٌ مجيب.

إلى الأعلى