السبت 20 يوليو 2019 م - ١٧ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لمحات من قصة الشرق الأوسط (1)

لمحات من قصة الشرق الأوسط (1)

أ.د. محمد الدعمي

عندما ذوت قدرة العرب على الإبداع والابتكار، وجدوا أنفسهم ضحايا سهلة الاستغلال: من قبل قبائل المغول والتركمان البدوية الجوالة التي اكتسحت الإقليم بحثًا عن الغنائم والنهب، أولًا؛ ثم من قبل الانتهاكات العسكرية التي راحت تنطلق من الامبراطوريتين الناشئتين آنذاك، العثمانية والفارسية، وهما الامبراطورتيان اللتان لم ترقيا إلى نفس درجة سابقتهم، دولة الخلافة العربية، في حقل العناية بتشجيع الابتكار، ثانيًا.

أشرت سنة 1258 نقطة تحول مفصلية في تاريخ إقليمنا الذي نطلق عليه اليوم العنوان التحجيمي الجارف، “الشرق الأوسط”، تعسفًا. عندما عصف هولاكو خان ببغداد العباسية مع جموع المغول الملتصقين على ظهور خيولهم في تلك السنة، لم يكن هولاكو وجمعه، اللاهث وراء الغنائم وسفك الدماء، يعي أن هذه هي لحظة السقوط المدوي لأكبر حاضرة “كوزموبوليتانية” في العصر الوسيط، بغداد. لم تؤشر هذه المأساة نهاية الهيمنة العربية على عالم الإسلام ودولة الخلافة، لأنها أشرت كذلك لجم الملكات الإبداعية لشعوب الشرق الأوسط بعد أن كانت وراء إطلاق المبادرات الثقافية التي ازدهرت لعشرات الأعوام إبان الحقبة الذهبية المفترضة لإنشاء (ألف ليلة وليلة)، تلك الحكايات التي انتشرت تلبية لحاجات مجتمعات متحضرة درجة توفر الوقت الكافي للتمتع بقراءة هذا النوع من ملاهي العواطف والتشويق المعتمدة الحكاية المثيرة، بغض النظر عن مسألتي غموض تأليف وتأصيل حكايات (الليالي العربية)، كما يسميه الغربيون، وما يتضمنه من مغامرات طريفة وحكايات مضحكة، منظمة بمجملها على نحو متسلسل بضمن القصة التأطيرية لملك افتراضي، شهريار، يستدرج لسحر حسناء بارعة الجمال، شهرزاد، تبقيه عالقًا بالترقب من حكاية لحكاية كي تنجو بحياتها.
إن حقيقة التنافس بين الأقوام المتنوعة على عائدية أصول جوهرة الأدب الشعبي أعلاه، بين العرب والهنود والفرس والصينيين واليهود، من بين سواهم من الأقوام، إنما تشير إلى وجود تواصل ثقافي متداخل جغرافيًّا وسكانيًّا عبر إقليم واسع ومتنوع أشبه ما يكون بفكرتنا المعاصرة عن العولمة، إذ ينبغي أن لا ينسينا هذا الأمر حقيقة مفادها أن العرب في هذا العصر لم يعودوا أولئك الفاتحين الصحراويين الأشداء، كما كانوا في عصر الفتوحات المبكرة عندما استخلصوا تفوقهم العسكري من بيئتهم الصحراوية الصعبة، ومن حماسة الإيمان الروحي الذي قاموا بنشره مذاك، إيمان روحي اعتمد اللغة العربية، كما اعتمدت اللاتينية في أوروبا حقبة ذاك، لاحتواء الأثمار الثقافية والعلمية الثمينة للشعوب أعلاه وأكثر، عبر حملة تعريب كبيرة رعاها خلفاء بنو العباس في بغداد تأسيسًا على رؤيا امبراطورية كونية يعولمها الإسلام بمعاونة اللغة العربية. من هنا جاءت إشارات العرب إلى الفترة العباسية “العالية” كعصر ذهبي لتاريخهم. لقد مزج الدين، زيادة على اللسان جماعات إثنية متنوعة سوية في بوتقة ثقافة العصر الوسيط. وكما لاحظنا وسنرى فيما بعد، تجاوز التفاخر العربي بالثقافة الوسيطة اليوم الدين واللغة، على سبيل التمدد الشوفيني التمحور نحو العرق، وهي حال أنتجت الكثير من الآثار السلبية بطريقة أسقطت العرب في غياهب صومعة عصبية إثنية بلا مرآة لمعاينة الذات ولا نافذة لمشاهدة الآخرين باحترام كاف وعلى نحو موضوعي.
فقد العرب، الذين لم يعودوا ينحدرون من دماء عربية نقية كما كانوا يقولون قبلئذ، المبادرة الثقافية بسبب فراغ القوة الذي تلا سقوط السلالة العباسية، حيث راحت قبائل بربرية شرسة حديثة الظهور، كالأيلخانيون والجلائريون وقبائل القره قوينلو والآق قوينلو آنذاك، تمزق الإقليم بغاراتها. وقد مهدت هذه المرحلة المظلمة الطويلة الطريق للقبائل التركمانية البدوية الأخرى لتأسيس إمارة صغيرة في الشرق الجبلي للأناضول، مطلقة حملات توسع وضم عسكرية نحو الاتجاهات، مع عين ثابتة ترنو إلى القسطنطينية، أي إسطنبول العثمانية فيما بعد.
عندما ذوت قدرة العرب على الإبداع والابتكار، وجدوا أنفسهم ضحايا سهلة الاستغلال: من قبل قبائل المغول والتركمان البدوية الجوالة التي اكتسحت الإقليم بحثًا عن الغنائم والنهب، أولًا؛ ثم من قبل الانتهاكات العسكرية التي راحت تنطلق من الامبراطوريتين الناشئتين آنذاك، العثمانية والفارسية، وهما الامبراطورتيان اللتان لم ترقيا إلى نفس درجة سابقتهم، دولة الخلافة العربية، في حقل العناية بتشجيع الابتكار، ثانيًا. يلاحظ الكاردينال نيومان تلك الفجوة في سياق محاولته قياس النقلة التاريخية من عناية الخلافة العربية بالإبداعي إلى لا مبالاة الترك بهذا النوع من الأنشطة الذهنية المتحضرة والذكية، خاصة في المراحل المبكرة من تاريخ امبراطوريتهم التي أطلقوا عليها لفظ “خلافة” فيما بعد، تعسفًا. لذا يعمد نيومان إلى قياس زاوية الهبوط الحاد من بغداد العباسية العربية إلى إسطنبول العثمانية التركية، حيث يكتب أن “الإسلام العربي…يمنحني تجسيدًا معاكسًا لما أعنيه، بشعب ذي عمق داخلي”. كان مبعث هذا القول هو حملته التعبوية المضادة للعثمانيين على سنوات حرب القرم (1853-1856). لذا، فإن موقفه المنحاز للعرب ضد الأتراك لم يكن سوى موقف سياسي مؤقت.

إلى الأعلى