الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / للعسكريين فقط

للعسكريين فقط

أ.د. محمد الدعمي

أطلقت ذكرى تأسيس الجيش العراقي يوم الـ6 من يناير 1921، في ذهني نوعًا استذكاريًّا من “تيار الوعي” الشخصي المستوحى من خدمتي العسكرية الإلزامية منذ التحاقي بكلية الضباط الاحتياط عام 1979 حتى نهايتها، حيث التقطت من تلك الخدمة بضعة مسائل طريفة تستحق إطلاع الضباط والجنود في العالم العربي.
من هذه الذكريات تبرز الأسماء الغريبة التي اعتادها العسكر، ومنها اسم “البسطال” أي حذاء التدريب العسكري الذي يكون، بالنسبة للجنود، أسود صلبًا جدًّا وثقيلًا جدًّا، لذا أطلق عليه الجنود اسم غريب، بينما أطلق الجنود على أنفسهم اسم “أبو خليل”، بمعنى جندي، معاكسًا لـ”ابي إسماعيل” بمعنى شرطي، وهكذا تجد الكثير من المفردات ذات التوظيف الاصطلاحي العسكري فقط من نوع “يطغ” بمعنى فراش، و”سر الليل” بمعنى كلمة المرور السرية، و”بيجن”، الذي يذكرنا بحكومة مناحيم بيجن، بمعنى إناء خاص للماء ومثل هذه الكلمات كثير.
بيد أن الأكثر إثارة للاستغراب، هو ولع العراقيين، ليس بالحديث عن الجيش العراقي”، ولكن عن تصنيف هذا الجيش العتيد، حسب أسماء قادته، مثل: (1) جيش نوري السعيد، و(2) جيش الزعيم، و(3) جيش صدام، وهكذا. أما أطرف الأسماء التي لا بد من التعرف عليها والحذر منها إبان الخدمة العسكرية فهو اسم “جيش محمد العاقول”. وإذا كان عنوان “جيش نوري السعيد” يتردد كناية عن صعوبة الخدمة العسكرية أثناء حكم “الباشا” ودقة الانضباط العسكري المرافقة لذلك، فإن المعاكس لهذه الحال هو عنوان “جيش محمد العاقول”، كناية عن تردي الانضباط العسكري وغياب القيادة العسكرية الحقة، خاصة عندما يفرض أحد “الفتوة” من الجنود إرادته على الضباط الآمرين بالقوة! لذا لا يتردد الضباط العراقيون آنذاك باستذكار هذا الصنف الرديء للعسكرية عندما يلاحظون ثمة تراخيا أو ضعفا بين جنودهم وضباط الصف، فتجدهم يقولون “هل نحن في جيش محمد العاقول”؟
ومحمد العاقول هذا كان عسكريًّا يخدم في الجيش العراقي المتجحفل في الأردن بعد إحدى الحروب العربية الإسرائيلية، إلا أنه كان من الفتوة (“الأشقياء” باللهجة العراقية) درجة أنه تمكن من فرض سيطرته على آمر وضباط الوحدة العسكرية التي كان يخدم بها، حد أنه راح هو الذي يأمر وينهي ويوقع على إجازات “النزول” أي إجازات الجنود وضباط الصف والضباط لمدد محددة للذهاب إلى عوائلهم في العراق! وبطبيعة الحال فإن البون شاسع بين انضباط “جيش نوري السعيد” من ناحية، وفوضى أو انفلات “جيش محمد العاقول”، من الناحية الثانية!
أما “جيش الزعيم”، فقد اقترن بالراحل الزعيم عبدالكريم قاسم واشتهر بعدد من الضباط النزقين وأفعالهم الطريفة، ومنها يوم صرخ الزعيم بصوت عال، أمام رئيس تحرير إحدى المجلات المصرية أثناء مقابلة صحفية، يطلب بالاسم رئيس أركانه، بلا رتبة، وكأنه يطلب مراسلا أو جنديا بسيطا، وما أن دخل رئيس الأركان وأدى تحية مدوية لسيادة الزعيم حتى تفاجأ الأول بأمر الزعيم أن يملأ له قلمه الحبر! لقد عمد الزعيم إلى “استعراض” السيطرة هذا استجابة لتلميح الصحفي المصري عن انتشار إشاعات بأن هناك من الضباط من يتآمر عليه!

إلى الأعلى