الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لنفكر على نحو ملحمي

لنفكر على نحو ملحمي

أ.د. محمد الدعمي

”.. يبدو لمؤرخ الأفكار ان أثقل ما تنوء تحته ثقافتنا يتجسد في نزعة المحاكاة، وهي للأسف، تبعد هذه الثقافة وأساطينها كثيراً عن جادة الشفاء ومن ثم الحيوية. وللمرء أن يتلمس ما افترضه في أعلاه عبر الآداب والعلوم والفنون والإعلام: كل ما نفعله إنما يقع في سلة المحاكاة نريد أن نحاكي الأميركان والألمان واليابانيين والصينيين، ولكن لا نفكر بالتفوق عليهم جميعاً.”
ــــــــــــــــــــــــــ
كما هي حال الكائنات الحية، تنحو الثقافات مناحي متنوعة. فمنها ما ينمو ويكبر؛ ومنها ما يضمحل ويسبت ويشيخ، وقد يموت كذلك، كما حدث للثقافة اللاتينية التي كان يعتد بها وبلغتها اللاتينية قبل حركة الإصلاح الديني في أوروبا الذي دشنه القس الألماني الشجاع “مارتن لوثر”. وهكذا حرر لوثر أوروبا من تلك اللغة ومن أعباء ذلك المدخل الوحيد الجانب للحياة والدين عبر اعتماد اللغات القومية المحلية، كبديل.
وإذا ما تم اعتماد هذا المنظور فإنه يجهزنا ببصيرة تساعدنا على مراجعة ثقافتنا العربية الإسلامية، مقارنة بالثقافات العالمية الأخرى، على سبيل النقد الثقافي وتقييم الذات، ثم إصلاحها.
تنوء ثقافتنا تحت أعباء ثقيلة الآن، بدليل ميلها المتعامي إلى المحاكاة، وليس الإبداع والابتكار. عندما كانت الثقافة العربية الإسلامية في أوج حيويتها على عصر الخليفة العباسي المأمون (786-833م) الذي كان يرنو إلى قفل التفوق في ثقافته ودولته حينذاك، فإنه عمد إلى تأسيس “بيت الحكمة” ببغداد، ليس فقط لتعريب علوم الأقوام الأعجمية، ولكن كذلك للإطلاع على أحوال الأمم المنافسة، من الهند إلى الصين ومن بلاد الإغريق إلى بيزنطة. حقبة ذاك، كانت مبادرة الخليفة العباسي الذكية تعكس حيوية ثقافتنا لأنها كانت تتشبث بالنمو والتطور والانفتاح والعنفوان، الأمر الذي يفسر ما أنجز في دولة الخلافة في حقول العلوم والطب والفلسفة، من بين سواها.
أما اليوم، فقدت ثقافتنا ذلك العنفوان الوسيط لتسبت، مترهلة أمام ثقافات استفزازية أجنبية تهاجمها من كل حدب وصوب وهذه هي دورة التقدم والتراجع المتكررة في تواريخ الثقافات والأمم.
ويبدو لمؤرخ الأفكار ان أثقل ما تنوء تحته ثقافتنا يتجسد في نزعة المحاكاة، وهي للأسف، تبعد هذه الثقافة وأساطينها كثيراً عن جادة الشفاء ومن ثم الحيوية. وللمرء أن يتلمس ما افترضه في أعلاه عبر الآداب والعلوم والفنون والإعلام: كل ما نفعله إنما يقع في سلة المحاكاة نريد أن نحاكي الأميركان والألمان واليابانيين والصينيين، ولكن لا نفكر بالتفوق عليهم جميعاً. المحاكاة التي تبتلي بها ثقافتنا تنقسم، هي الأخرى، إلى نوعين، هما: محاكاة القدماء التي تضعنا في غياهب “سجن مؤبد”؛ ومحاكاة الأجانب التي تنتزع منا روح المبادرة الحضارية والإبداع والتشبث بالأصيل، وليس المستعار.
شعراؤنا الشباب يتأملون أن يكتبوا قصائد تحاكي قصائد المتنبي أو الفرزدق. هم لا يحاولون أن يبزوا الإثنين عن طريق التجديد. بل حتى المجددين لم يفلتوا من لعنة المحاكاة، إذ يؤكد النقاد على أن اشهرهم في أدبنا المعاصر، وأعني بدر شاكر السياب، لم يفعل شيئاً سوى محاكاة الشاعرة الإنكليزية أديث سيتويل Edith Sitwell. وعلى هذا النحو ينحو رواد الفنون والعلوم الأخرى: محاكاة، محاكاة، محاكاة.
أقول هذا وأنا أتفرس شعاراً رفعه مجموعة من الشبان الأميركان العاملين في حقل الإلكترونيات الدقيقة والمعقدة بأن: “فكر بكبار الأشياء”، وعلى ذاك الجدار خطت لوحة كبيرة، منطوقها “فكر على نحو ملحمي”. والسؤال المهم هنا، هو: من منا يفكر بمعايير ملحمية؟

إلى الأعلى