الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا وبارومتر الموقف “الإسرائيلي”

سوريا وبارومتر الموقف “الإسرائيلي”

علي بدوان

”.. صعدت كلاً من الولايات المتحدة والدولة الصهيونية في الفترات الأخيرة من التسخين السياسي والإعلامي في الحرب ضد النظام والدولة السورية، عندما أعلنت واشنطن في بيان رسمي في 28/1/2014 أنها ستبدأ بتزويد (السلاح الخفيف، الذي يشمل قذائف مضادة للدبابات) إلى المجموعات المسلحة المعارضة للدولة والشرعية جنوب سوريا.”
ــــــــــــــــــــــ
ما زالت الأزمة السورية تُشكّلُ صدعاً كبيراً عند أصحاب القرار في الدولة العبرية الصهيونية، حيث سوء التقدير والارتباك والنتائج المخالفة لما هو متوقع، فالرياح لم تَكُن لتأتيٍ كما تشتهي السُفُنُ بالنسبة لـ “إسرائيل” التي ترى مكاسبها باستمرار النزف الداخلي في سوريا وتدمير الدولة السورية ومؤسساتها. وقد زادت تلك الحالة من الارتباك وسوء التقدير بعد نجاح الجيش السوري في تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض.
ومؤخراً باتت حالة التخبط “الإسرائيلية” بالنسبة لتقدير الموقف في سوريا صارخة وحادة من خلال تناقض التصريحات اليومية لقادة أذرع الأمن والجيش في “إسرائيل” بين من يدعو للدخول في مواجهات عسكرية مع سوريا حتى لوكانت واسعة نسبيًّا، وبين من يرفضها، وبين من يدعو لدعم المجموعات المسلحة المعارضة للشرعية والدولة السورية فقط دون الغرق في أتون الصراع.
وزير الحرب “الإسرائيلي” الجنرال موشيه يعلون، وخلال مؤتمر عقده “معهد فيشر للأبحاث الاستراتيجية” في مدينة هرتسيليا، بمناسبة مرور أربعين عاماً على حرب تشرين الأول/أكتوبر العام 1973، كان قد قال بأن الحرب مع سوريا ربما تكون قريبة. مُعتقداً بأن الواقع قد ينقلب فجأة، داعياً للاستعداد العام والجاهزية. فيما اعتبر قائد سلاح الجو “الإسرائيلي” الجنرال أمير إيشل، في المؤتمر نفسه، أن الاستعداد لحرب فجائية بات اليوم أكثر واقعية. معتقداً بأن الحرب قد تندلع اليوم بشكل مفاجئ وبعدة أشكال، بما في ذلك أحداث فردية تستوجب استخدام كافة أطياف سلاح الجو في غضون ساعات. وأردف بالقول وبالنص “في العام 2013 والعام 2014 وحتى ما بعده، يمكن الانتصار في الحرب بشكلٍ كبير، لكن لم يعد هناك انتصار بالضربة القاضية. والزخات الصاروخية الأخيرة سيطلقونها هم، فالجانب الآخر يركز جهوده من أجل تشويش قدراتنا”.
وقد أثارت تلك التهديدات التي انطلقت في حينها على لسان عددٍ من قادة “إسرائيل” تساؤلات عدة عند عددٍ كبير من الباحثين والمحللين “الإسرائيليين” ذاتهم، ومنهم المحلل العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أليكس فيشمان، الذي اعتبر أن أقوال الجنرال (امير إيشل) قائد سلاح الجو، تعني أنه “توجد خطة عسكرية، مُصادق عليها، وأن الجيش الإسرائيلي يتدرب عليها”. “والحديث لا يدور على عملية عسكرية ضد هدف معين وإنما هذا سيكون هجوماً ضد عشرات الأهداف على طول سوريا وعرضها”. لكن أليكس فيشمان أشار إلى أن “هذه الرسائل تلقتها سوريا من خلال كافة القنوات. والآن نحن، عمليًّا، إنما نسخن أنفسنا وحسب”. فيما وصف المحلل العسكري في صحيفة “معاريف”، عمير ربابورت، التهديدات “الإسرائيلية” بأنها (نوبة هلع) وأنها توجه رسالة إلى سوريا مفادها أنه توجد حالة ارتباك في “إسرائيل”.
لقد جاءت تصريحات التسخين “الإسرائيلية” الصادرة عن بعض المصادر الأمنية بعد وقوع عدة تحولات على جبهة الجولان كان منها قيام “سلاح الجو الإسرائيلي” يوم الأربعاء 19/3/2014 قبل الفجر، بالهجوم على مجموعة من المواقع، والقيادات وبطاريات المدفعية للجيش العربي السوري في منطقة القنيطرة، رداً على زرع عبوة جانبية تم تفجيرها يوم الثلاثاء 18/4/2014 ضد سيارة جيب مدرعة تابعة لكتيبة “المظليين الإسرائيلية”. وقد أصيب خلال هذه العملية أربعة جنود حيث يسعى الأطباء لإنقاذ حياة واحد منهم أصيب بشكل بالغ. “الجيش الإسرائيلي” يعتقد بأن (حزب الله) اللبناني هو من يقف وراء العملية العسكرية المذكورة.
وقد روجت تلك المصادر لوجود قرار مُتخذ من قبل المجلس الوزاري “الإسرائيلي المصغر” المعروف بـ (الكابينيت) للقيام بعمليات عسكرية ضد سوريا في الوقت المناسب، واعتقد المراقبون بأن القرار يحمل في طياته الكثير من الخلفيات والمعلومات التي تم اتخاذها على أساسها وانطلاقاً منها، حيث عرض رجال “الاستخبارات الإسرائيلية” على حكومتهم والمجلس المصغر معلومات جديدة من المفترض أنها قد وصلت إليهم، والحديث يدور هنا حول وصول شحنة جديدة من الصواريخ المضادة للطائرات الحديثة (اس300 أو أس . إي17 أو أس . إي22) أو صواريخ ساحل ـ بحر من طراز “ياخونت” لسوريا، وهو ما يضع الملاحة “الإسرائيلية” والبنى التحتية الحيوية والتي تشمل كل من مخازن الغاز البحرية ومحطة توليد الطاقة في الخضيرة للخطر. كما تحدث الاستراتيجيون في تقدير الوضع أن الأخطر من هذا كله هو أن تقرر سوريا نقل تلك الصواريخ إلى حزب الله اللبناني أو أن تُسلم نماذج منها لشركائها الإيرانيين لحل ألغاز تقنية روسية يصعب على عناصر الحزب حلها. فالمهم هنا لدى “الإسرائيليين” سواء السياسيين منهم أو العسكريين هو منع تغيير المعادلة العسكرية في الشمال بواسطة أسلحة من شأنها تغيير معادلة القوى، موضحاً أنه لا يمكن التقليل من تلك التهديدات.
وفي الواقع العملي، صعدت كلاً من الولايات المتحدة والدولة الصهيونية في الفترات الأخيرة من التسخين السياسي والإعلامي في الحرب ضد النظام والدولة السورية، عندما أعلنت واشنطن في بيان رسمي في 28/1/2014 أنها ستبدأ بتزويد (السلاح الخفيف، الذي يشمل قذائف مضادة للدبابات) إلى المجموعات المسلحة المعارضة للدولة والشرعية جنوب سوريا. واستتبعت ذلك بعد أيام قليلة، وتحديداً في آذار/مارس 2014 حين قررت الحد من تحركات المندوب السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، وهي خطوة تطرح الكثير من التساؤلات حول مغزاها الرمزي والدبلوماسي، خصوصاً أن الجعفري تولى مهمة التفاوض الرئيسية خلال جلسات مؤتمر (جنيف2) بحثاً عن التسوية السياسية. وبات التدخل “الإسرائيلي” صارخاً وواضحاً من خلال إخلاء جرحى مجموعات المسلحين إلى داخل الأراضي المحتلة، وهذا هو الجانب البارز للجبل الجليدي للعمليات “الإسرائيلية” جنوب سوريا. فيما قامت قوات الاحتلال “الإسرائيلي” بإطلاق النار على مواقع سورية على خط التماس في الجولان المحتل. ومع هذا فإن التسخين المذكور تراجع قليلاً خلال الأسبوعين الأخيرين مع التغييرات التي حصلت على الأرض في سوريا.
وخلاصة القول، إن بارومتر الموقف “الإسرائيلي” من الوضع السوري يتغير تبعاً للواقع على الأرض، مع أن الرغبة “الإسرائيلية” الجامحة تنتعش مع استمرار نزف الدم والدمار، حيث ترى “إسرائيل” في ذلك مكسبها الاستراتيجي الأساسي من كل ما يدور فوق الأرض السورية.

إلى الأعلى