الخميس 29 أكتوبر 2020 م - ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في “شيان” أسئلة الحضارة والإنسان

في “شيان” أسئلة الحضارة والإنسان

علي عقلة عرسان

” في “شيان” أثارتني مشاهدة مقبرة الملك تشينج الأول، مؤسس أسرة تشينج، وتقع مقبرته المسوَّرة على بعد ألف وخمسمئة من الأمتار، وقد كانت وقتذاك قيد التنقيب، حيث يوجد موقع الاكتشاف الأعظم، ربما، في تاريخ الصين..فقد اكتشف فلاحون ثلاثة، كانوا يحفرون بئراً في منطقة قريبة من العاصمة “شيان” عام 1974، اكتشفوا مقبرة الجنود الضَّخمة، التي وُجد فيها أكثر من ثمانية آلاف تمثال من الفخار، لرجال محاربين، وعدد من تماثيل الأحصنة والعربات الحربية، التي أعدت للدفاع عن الملك حين يدفن في قبره. ”

عشرات الآلاف من الناس قضوا على طريق بناء المنشآت الكبيرة، التي أصبحت معالم حضارية: الأهرامات، ومقابر الملوك في الأسر المصرية القديمة، على الضفة الغربية للنِّيل الخالد، سور الصين العظيم الذي يمتدّ مسافة عشرة آلاف “لَيْ” = 5000 كم، بين الحدود الشرقية والغربية للصين،أي من أعماق الداخل المنغولي إلى ساحل البحر الأصفر، وكلَّف الكثير من المعاناة والدم والتضحيات والمال والوقت – مقابر تشينج الأول في “شي آن”، برج بابل، تدمر، الأكروبول، المعابد، والقلاع، والحصون،والأسوار، وقصور الأباطرة والملوك.. قناة السويس.. الخ.. عشرات، بل مئات الآلاف من البشر، قضوا في تلك المواقع، التي نرى آثارها أو بقاياها أو معالمها اليوم، ونقف ذاهلين عن أنفسنا حيالها، معجبين بمن أمر بأن تشاد، وبمن أبدع فيما أشاد!؟ إنه جهد البشرية الخالد، وعظمتها، من جهة، وموت البشر المستمر، وانغماسهم في البؤس على نحو ما، من جهة أخرى.. وذلك لكي تبقى أسَر وشخصيات،وقيادات.. هانئة، وآمرة، وساطعة، “وخالدة؟”، تنعُم على بساط يمتد فوق الجماجم والأنين، والفقر المدقع، وسيول الدموع والدماء.. بساط عجيب تروي خيوطُه تاريخ الشقاء!؟. تلك معالم ظاهرة باهرة، تجعلك تقرأ تاريخاً وتلمسه على نحو ما، وترى رأياً فيه.. لكن في الجهة الأخرى، أو في الشطئ الآخر، من نهر الحياة المتدفق، أو من سجل الشقاء البشري المستتر، هناك عشرات وعشرات الملايين من البشر، قضوا في الحروب المجنونة، ودمروا ما دمروا من معالم الحضارة والحياة البشرية، وسببوا الشقاء والبؤس، وفقدان الأمل.. لمئات الملايين من البشر، من دون أن يتركوا أثراً ظاهراً باهراً، يمكن أن ينطوي على تمجيد للجهد البشري الخلاق.. بل حَبَّروا سجلات وتواريخ، كتبها “منتصرون”، وأخرى شذرات، وشبه نفثات مَخفيات، لمهزومين، قد يعثر عليها مُنقِّبون؟!
ولي مثل غيري، أن أسأل: من الذي يصنع ذلك، ويوحي به، ويزيّنه، يا ترى؟! أهم الأباطرة ومن هم في حكمهم، أم هم رجال الدين بتأثيرهم، أم الحاشية المتزلِّفة المُؤلِّهة للطغاة، وجموع الطائشين والمنافقين، أم أولئك الذين تتأكَّد لهم شهوة الأمر والنهي، والتسلط على الناس، أم الذين يتطلعون إلى موقع متقدّم في السلطة والمجتمع، على حساب القيم والدين والناس والحياة ذاتها!؟ وهل يدرك الأباطرة والملوك والقادة، ومن هم على شاكلتهم.. هل يدركون كلَّ ما يجري في عهودهم، وما يجرّونه على الناس من مآس ومظالم وكوارث، وموقع ذلك من الخير والشر، النَّفعِ والضَّر؟! هل يعلمون، أم أن ذلك مما تُغَيِّبه الأسوار، وتلفُّه الأسرار، ولا يٌرى أو يُسمَع في ليل أو نهار، كما أنه مما لا يجوز أن يصل إلى الأسماع المرهفة للعظماء، الذين يبنون مجدهم بالجماجم والجثث والدم،وبالمآقي المتجمدة موتاً وقهراً؟!
لي أن أسأل، ولك أن تسأل.. ولكن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً، فالبشرية تعاني بسبب من يحكُم ومن يملك، ومن يظلم..وتعاني من أجل أمنه واطمئنانه وسعادته و”خلوده المضحك؟!”، أمَّا هو/هم، فلا يكف عن أن يحول نزواته وشهواته وطيشه، وحتى جنونه وفجوره، إلى أفعال مقدسة، يكسِبها التطبيل والتزييف والتجميل، مع الزمن، هيبة، ويرفعها حقيقة.. ومن ثم يسوّغها طول الخضوع لها طبيعة،لدى أولئك الذين يزعزع أركانهم الرعب، وتسحقهم القوة، أو يسحقهم موت الروح والكرامة في كياناتهم التي تدب على الأرض، وتُصَعِّر خدها للقوة، خوفاً من البطش، أو رغبة في “النَّفْش”!!
أثارت فيَّ هذه المشاعر والأفكار والأسئلة، زيارتي لمدينة “شيان”في 18- 21/10/1999، وقد كانت زيارتي تلك، للمدينة التاريخية، التي كانت تدعى تشانجآن قديماً، مؤثْرة، ومثيرة، وضرورية ، فتلك المدينة التي تمثل البعد التاريخي والحضاري لشمال غرب الصين، وهي أول عاصمة في تاريخ الصين لأسرة تشينج القديمة، وقد أسس تشينج الأول مملكته على أرضها، التي تشكل الآن مقاطعة شانشي، التي يبلغ عدد سكانها 36 مليوناً، ونسبة السهل في هضابها، التي تكون الهضبة الصينية الصفراء، خُمس المساحة العامة للمقاطعة. وسهل “شانسي”غني وخصب، وفيه الكثير من الآثار لممالك متعددة، تربوا عدداً على الاثنتين والثلاثين مملكة، توجد آثارها في واحدة وثلاثين “مقبرة”، منتشرة في مساحات من الأرض. ويتدفق فيها أحد روافد النهر الأصفر، من عُنق أو شلال يدعى “فم الأسد”، حيث يجتاز السهلَ الغنيَّ بالمعطيات الحضارية والتاريخية، ويزيده خصوبة تربة على ما فيه من خصوبة، بما يحمله إليه من الطَّمي. وتمتاز المنطقة اليوم بزراعة الحبوب، وتربية المواشي، وبوجود الحيوانات البرية بكثرة فيها، ومنها الغزال البري.. لكن أكثر ما يميزها، انتشار الجامعات والمعاهد العليا فيها، لأن المنطقة تحاول أن تأخذ دوراً مهما في نهضة الصين المعاصرة. وتركز جمهورية الصين الشعبية بعض جهودها، لتقوم هذه المقاطعة بدور في هذا المجال، إلى جانب المواقع والمقاطعات الأخرى.
في “شيان”أثارتني مشاهدة مقبرة الملك تشينغ الأول، مؤسس أسرة تشينج، وتقع مقبرته المسوَّرة على بعد ألف وخمسمئة من الأمتار، وقد كانت وقتذاك قيد التنقيب، حيث يوجد موقع الاكتشاف الأعظم، ربما، في تاريخ الصين..فقد اكتشف فلاحون ثلاثة، كانوا يحفرون بئراً في منطقة قريبة من العاصمة “شيان” عام 1974، اكتشفوا مقبرة الجنود الضَّخمة، التي وُجد فيها أكثر من ثمانية آلاف تمثال من الفخار، لرجال محاربين، وعدد من تماثيل الأحصنة والعربات الحربية، التي أعدت للدفاع عن الملك حين يدفن في قبره.
وقد كانت فكرة “طيبة جداً” من بعض الوزراء في عهده، أن تقام تلك الصفوف من التماثيل الفخَّارية، لمقاتلين بأسلحتهم وأزيائهم وترتيباتهم القتالية ومؤنهم، بدلاً من دفن الجنود أنفسهم أحياء مع عتادهم، لأن الملك أراد أن يدفن الجنود والضباط وهم أحياء في تلك المواقع، لكي يحموه ميتاً، ويحموا كنوزه التي ستُدفن معه، ولكي يكون آمناً آمراً في حياته الثانية التي تبدأ بعد الموت.!؟.. فتصوروا هذا الفعل.؟!
وقد شيد الصينيون المعاصرون أبنية ضخمة رائعة وأنيقة ولائقة، ذات تصميم رصين، فوق الحفر الثلاث، التي تمت فيها الاكتشافات، ليحفظوها من تأثير عوامل الطبيعة، كما شيدوا قاعة ضخمة من الرخام بأعمدة الجرانيت، للعربتين اللتين تمثلان: عربة الملك، وعربة الجنرال القائد للجيش، وأقاموا في الموقع متحفاً للمكتشفات التي أُخرجت من هذه المقبرة.
سور المدينة القديمة، الذي يمتد خمسة عشر كيلو متراً، بعرض يتراوح بين 18- 22 متراً، وعليه برج للقيادة، وأبراج أخرى للدفاع، من “طَلَّاقيَّات”حجَرية، على ارتفاع متر ونصف المتر من سطح السور، الماثل باتجاه المدينة، لكي يذهب الماء إلى الأهل في الداخل..سور المدينة ذاك، يدل على القوة والقدرة والجهد المبذول، وعلى الخوف الكامن في النفوس.. الخوف على الحياة، وعلى الممتلكات، والسلطة، والعرش!؟.. والسور قيمة معمارية، تحيط به قناة مائية تشكل نطاق حماية خارجية؛ وقد أقيمت حول السور حديقة، هي الأطول من نوعها بين الحدائق في الصين.
من فوق السور، الذي يعتبر الجد الأقدم والأصغر لسور الصين العظيم، وعن بعد، شاهدت برج الجرس يتوسط شارعاً عصرياً رئيساً عريضاً في مدينة “شيان”، وهو أحد أجزاء أحياء المدينة القديمة الباقية؛ وعلى مقربة من السور كانت تنتصب باجودا بوذية صغيرة، على الطراز ذاته تقريباً، الذي بُنيَت عليه “باجودا”– المعبد البوذي-السنونو الكبيرة في المدينة. وهي الوحيدة التي بُنيت على الطراز المعماري الهندي الصميم، حيث رافقت انتقال البوذية من الهند إلى الصين.
لم تطل زيارتي للسور، فقد سيطرت علي الرغبة في زيارة الجامع الكبير في شيان، بعد أن شاهدت باجودا السنونو الكبيرة، ومتحف النقوش لتعاليم كونفشيوس، ذلك الذي غاد الاهتمام به وبعقيدته.
الجامع الكبير في “شيان”هو جامع التوعية “هواجيويه”، وقد بُني، حسبما قال لي الشيخ يوسف، القيّم في المسجد، عام 742م وهو من أكبر المساجد في شيان،المدينة التي يوجد فيها ستة عشر مسجداً، وربما كان هو الأكبر، من حيث السَّعَة، في الصين.. فهو يتسع لألف من المصلين في الداخل، عدا أولئك الذين يمكن أن يتجمعوا في الساحات، والممرات، وتحت الجواسق المنتشرة في المكان، الذي يشكل قاعات أو أبنية في أقسام متلاحقة، قبل الوصول إلى المسجد، الواقع إلى الغرب من شارع برج الطبول.
في الطريق إلى المسجد مررت بحي برج الطبول، ثم في شارع البرج القديم، وهو شارع يقطنه المسلمون، الذين شعرت بحضورهم على جانبي الشارع الرئيس، والشارع الآخر الفرعي، حيث يبيعون التحف والمأكولات وما يذكٍّرك “ببسطات”شارع “البزوريّة” في دمشق، قرب الجامع الأموي، أو بمقاطع من المنطقة المحيطة بجامع الزيتونة في تونس، أو بحي الحسين قرب الأزهر الشريف، على نحوٍ ما، وبخان الخليلي في القاهرة.
كنت أحيي الناس ويحيونني بتحية الإسلام “السلام عليكم”.. هناك شعرت بانتماء لهؤلاء البشر الذين يقتربون مني أكثر من سواهم، بحكم شراكة ثقافية ودينية وإنسانية عريقة وقديمة ـ فقد دخل الإسلام الصين عام 651 م قبل، أن يفتح قتيبة بن مُسْلِم الباهلي، مدينة كاشغر عام 711 م بسنوات ـ وبفضل ما تقدمه العقيدة المشتركة، لكل فرد منا، من تعاليم واحدة بفهم متقارب.
إن المسلمين في الصين عشرون مليوناً، حسب الإحصائيات التي قدمها الشيخ يوسف، وكنت قد سمعت ثلاثة أرقام لعدد المسلمين في الصين، هي: اثنا عشر مليوناً، وثمانية عشر مليوناً، وعشرون مليوناً. ويبدو أن الرقم الحقيقي أكثر من ذلك، وهو غير معروف، فلا توجد إحصائية دقيقة في هذا المجال. قال لي الشيخ يوسف إن عدد المسلمين كان أكثر من مئتين وعشرين مليوناً من البشر، في القرن الماضي”التاسع عشر”، ولكن حرب الفلاحين، التي كان المسلمون عمادٌها في ريف شانشي، قضت على معظمهم عام 1842م، وهي الحرب التي كلفت مناطقهم بالذات، الكثير من الدم والتضحيات والكوارث والمعاناة.
بدا لي المسلمون الصينيون، في أحيائهم، مثل كثيرين من المسلمين في أنحاء مختلفة من العالم: من بين الأكثر فقراً، والأكثر خوفاً، والأكثر تخلّفاً، والأكثر ثورة على أوضاعهم.. لكن بصمت فتَّكٍ قتّال!؟ وعجبت لذلك أشد العجب، إذ كيف تكون أمة، دُعيَت للقراءة، والعلم،والتأمل، والعمل، والاجتهاد، والجهاد..وإلى أن يأخذ أتباعها نصيبَهم من الدنيا، ولا ينسون نصيبهم من الآخرة، وأن يحسِنوا كما أحسن الله إليهم، وأن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض.. لا ينفذون إلا بسلطان ـ أراه العلم والتجربة والعقل والبرهان على أرضية الإيمان – كيف تكون في مثل هذه الأوضاع ؟! ورجَّحت أنني أقرب إلى الخطأ، في التشخيص والتقدير والحكم، وشدّني إلى ذلك الترجيح، ما قرأته لروائية صينية معاصرة، من المسلمين الذين عانوا من الثورة الثقافية في الصين، تلك الثورة التي تُذكَر فلا تشكر، هي الروائية هودا / أي هدى / صاحبة رواية “عاشق اليَشْم”، فقد أشارت إلى تميّز المسلمين في مواقع وأعمال وأحوال، على الرغم من التفرقة أو التمييز الذي يشعرون به.
ومن أيدي أولئك الأخوة، في شارع البرج القديم، أو شارع الجَرَس، كما يقول عنه البعض، ذُقت خبزَهم، وفي أثناء تجوالنا كنت أشعر بأنني منهم وأنهم مني.
في المسجد انشرح صدري قليلاً، وبينما كنت أدلف إلى قاعته الكبرى، ماراً ببوابة إثر أخرى، أو بقسم من البناء الصيني إثر آخر، وقفت عند بوابة كتب عليها ما يشير إلى أن وزير الدفاع المُسلم، من أسرة تانغ/ 618 ـ 907 / هو الذي ساعد على إقامة هذا المسجد الكبير.
جميلة هي الجواسق والنقوش والكتابات، في الدُّور الأربع التي تقطعها في طريقك إلى المسجد. وهزتني من الأعماق آيات القرآن الكريم، المنقوشة على الواجهات العالية بخط عربي جميل، ولسان عربي مُبين؛ وتذكرت قتيبة بن مسلم الباهلي، وفتحه لمدينة كاشجر 711 م ودخول الإسلام إلى هذه البلدان، منذ أن أرسل الخليفة عثمان بن عفَّان، رضي الله عنه، رسوله الأول إلى الصين عام 651م ليدعو للدين الحنيف بالحسنى والموعظة الحَسَنَة.
وصلنا إلى مدخل الجامع الكبير، ففُتِح لنا باب السياج الخشبي الذي يقف عنده الزوار عادة، فخلعت حذائي ودخلت – بدأت السكينة تتسلل إلى نفسي… منذ أيام بدأت رحلتي الرابعة إلى الصين، ولم أشعر بشيء من الراحة الداخلية أو الانتعاش الروحي.. كان شيء من الفتور يشلني، ليُسْلِم الجسد وحده لرياضة، تنال منه تعباً، ولا يكاد يطمئن إلى مكان، حتى يفكر بالارتخاء والنوم.
شيء ما كان في أيامي القريبة الماضية مرهقاً إلى أبعد الحدود، وجعل جسدي بحاجة إلى الراحة، وزادتني متاعب رحلة طويلة شاقة، حاجة إلى تلك الراحة. لله در هذه الآلة “الجسد”، التي تستخدمها الروح من دون كلل، كم تبذل من جهد خلاق، وكم تعوق الجهد الخلاق!؟!.
كان بهو المسجد ينقسم إلى قسمين، يبدو أنهما تمَّا بأكثر من توسعة، تمت للمسجد في تاريخه القديم. السقوف الخشبية المزخرفة تعيدك إلى جمال مساجد المسلمين الأوائل.. خطَر ببالي الجامع الأموي، ولكن ظهور المنبر إلى يمين الداخل باتجاه المحراب، جعلني أتساءل: لماذا يفصله جدار خشبي ومسافة، عن المحراب يا ترى؟!
تابعت السير إلى النقطة المقابلة للمحراب.. ووضعت من يدي نسختين من القرآن الكريم، كنت قد حملتهما معي من دمشق، لأقدمهما للمسجد في هذه الزيارة. صلّيت ركعتين، متيقناً من اتجاه القبلة، للمرة الأولى في رحلتي هذه.
ارتاحت روحي قليلاً، وبدأت أتلمس ذاتي التي غابت عني منذ أيام.. لا أعرف أين اختفيت في هذا العالم المكتظ من حولي بالمشاهد والكلام والمجاملات، وبالتحديات الداخلية الصامتة.
لقد خدم العربُ المسلمون، أعني العربَ السابقين، خدموا العروبة، والثقافة العربية، والإسلام.. وخدموا اللغة والحرف العربيين، بما أثَّل صروحهما، ورسّخَ وجودهما في أقاصي الأرض، وجعل من تلك اللغة، لغة علم وثقافة وحضارة، ولغة عالمية راقية المكانة، من خَوارِزم إلى الأندلس.. وجاء عرب اليوم، ببعض حكّامهم وأحزابهم وأزلامهم وأحكامهم، ليقزّموا الوجود العربي كله، وليخنقوا نفَس الحضارة العربية وحضورها، وليجعلوا من أنفسهم تبعاً للمركزية الثقافية الغربية، وأبواباً لها ولغيرها على الأمّة، وليتابعوا ما بدأه الاستعمار من تدمير لهويتهم الشخصية، وعقيدتهم الدينية، وانتمائهم القومي، وشعورهم الوطني. غمرني ذلك الشعور، فغام الأفق أمامي، وجال الدمع في مآقيّ، وتذكرت فتك الإمبريالية، والشيوعية، والرأسمالية والصهيونية، بالقومية العربية والإسلام معاً، وأن تلك الأدواء ذات الأرزاء، ما زالت تعشش في أركان وعقول ومكاتب ومراكز ومنابر من ديارنا،بصورة أفكار وآراء وثقافات، وتبعيات للمركزية الثقافية الغربية، بعيداً كل البعد، عما هو أصلي وأصيل في تكويننا، وعمّا هو في مصلحتنا..فازددت يقيناً بأنه ما لم نتخلص من داء التبعية هذا، وما لم نتحصَّن بالوعي المعرفي، من الضخ الإعلامي والثقافي الذي يرمي إلى تكريس الشعور بالدّونية، فينا، ويؤسس لتيارات وممارسات وتصرفات سلبية تفتك ببنيتنا الداخلية كلها.. فلن تسلم صفوفنا ولا أفكارنا من السوس الذي ينخر بنية أعماقنا الروحية والوجدانية، ومرجعيتنا الدينية والعقلانية، وبنيتنا الاجتماعية.
وحين خرجت من المسجد، ومن حي المسلمين في شارع البرج القديم، وجدت أنني أكثر قرباً من الناس،لا سيما وأنا أشرح لزين، المترجمة الصينية من قومية الهان، معنى السُّورتين اللتين وجدتْهما منقوشتين على أحد أبواب الجَواسق، وهما قوله تعالى: قل هو الله أحد، الله الصمد. و سورة الحَمد. وقد شعَرت أن هذه السيدة أقرب إلى روح الإيمان، منها إلى الحزب الشيوعي الذي تنتسب إليه.
بعد خروجي من هذه المواقع التي زرتها، وعودتي إلى ذاتي، لم يفارقني السؤال حول بشر يظلمون ويقتلون ويُفسِدون، ولا يعملون بما يؤمنون به، وآخرين يظلَمون ويفتكون بالناس، ولا يعملون بما يؤمرون به !؟ وخيِّل إليّ أن التاريخ يمتد أمامي، لاحباً وشاحباً وقاتماً، كأنه لم يمر بأرض البشر أنبياء ومصلحون، ولم تنزل عليهم كتب مقدسة.

إلى الأعلى