الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: على من تدور الدوائر؟

باختصار: على من تدور الدوائر؟

زهير ماجد

اليوم داعش كما قد تدور الدوائر، وغدا فصيل آخر وما بعده أيضا .. سلسلة التصفيات ستتواصل، من يمنع من، ومن يقدر على منع القرار إذا ما صدر. نحن في لعبة قرارات وفي لعبة أمم، وكل يوم في شأن .. مرة يكونون إلى جانب داعش، ومرة ضدها، وكذلك إلى جانب الآخرين وضدهم.
من يعي أنه يفهم هذا العالم فهو لا يفهمه .. هو السر الكامن في لعبة الكبار الذي لا يعطون أسرارهم لأحد، وعندما يتحركون تقوم الدنيا ولا تقعد. لا شك أن العالم صغير، فكيف بعالمنا العربي المستنفر في كل جزئياته بحثا عن ثوابت.
عندما سئلت عن القتال الجاري في سوريا بين التنظيمات التي كانت متحابة لفظيا لكنها مشغولة بتدبير بقائها وحدها دون أي آخر، لم أجد بدا من التساؤل حول مستقبل تلك التنظيمات على الأرض السورية التي أدعو العالم بأسره إلى قراءة تاريخها، ولكثرة ما مر عليها فكلهم رحلوا ولم يبق إلا هي. منهم من أخرجتهم بالقوة، ومنهم من طحنهم الزمن، ومنهم من انساقوا مع المتغيرات. لم يبق على الأرض السورية غير السوري المجبول قلبه بتراب وطن، المغسول عقله بهوائه، المكتوب على جبينه أنه حر إلى يوم الدين.
القتال الشرس الجاري بين رفاق الأمس، حوّل أمكنتهم إلى مقبرة .. لن يتمكن أي منهم بعد اليوم من النوم ملء جفونه .. سبق الدم وصارت الفتنة سيده، لم يعد هنالك خلاف فيما بينهم، صاروا ألد أعداء، كتبوا في تاريخ سوريا أنهم مروا، ثم اندحروا أو انتحروا، لفظهم المكان، بعدما سقطوا بالضربة القاضية إنسانيا حيث أقاموا، ودينيا حيث وزعوا مهماتهم. لم تكن سوريا وطنهم كي يدافعوا عنها، كانت ملجأ مؤقتا، وكانوا يعرفون أنهم غرباء عنها وسيظلون غرباء. لا أرض ترغب بهم، ولا الشعب شعبهم، ولا الماء والهواء لهم منه نصيب. إنهم حالة طارئة، جاؤوا في توقيت الجسد العليل، فإذا بهم فيروسات تنمو لا بد عند عودة الصحة والعافية أن يتم الخلاص منهم.
هذا الموت الجاري على الأرض السورية بين تكفيريين ليست حالة تصادم عسكري فقط، بل هي صراع أفكار من النجاسة، صغار يموتون من أجل كبار يقودون لحظة هي أيام أو شهور. مرحلة عاشها شعب لبنان حين كانت تتقاتل الفصائل، كان هنالك من يرمي الشرارة، فإذا بها خلال لحظة تحرق السهل كله، وإذا بالموت ينتصر في وجوه العشرات والمئات، ثم يأتي من يوقف المذبحة بعدما أضعف الصراع الفرقاء جميعا ليحيي عزيمتهم ويفرض عليهم بالتالي ما هي أفكاره الجديدة.
عالم صغير فقير المعنويات إذا ما ربح مترا من الأرض ظن أنها مملكته، وهو لا يدري أنها قبره القادم. والعالم الصغير لا يكبر، بل هو يصغر حتى إذا بدأ كبيرا كما حصل لـ”داعش” وغيرها ..
غدا يقرأ السوريون تفاصيل قد لا يصدقون حصولها في بلادهم، تماما مثلما كتبت آلاف الصفحات بيد الأسبانيين عن حربهم الأهلية التي دمرت بلادهم سنوات. وغدا يتساءل السوري عن كل ما وقع على أرضه، وكيف تم دحره، وكيفية الطريقة، وبأية أساليب. غدا تقول الروايات ما لا يصدقه عقل، لكنه كان عين الحقيقة والواقع.

إلى الأعلى