الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / خالد العبري يعتمد المنهج الوصفي التحليلي في “الظواهر الصوتية والصرفية في لهجة الحمراء “

خالد العبري يعتمد المنهج الوصفي التحليلي في “الظواهر الصوتية والصرفية في لهجة الحمراء “

يرى أن دراستها تعد مدخلا لدراسة العادات والتقاليد والأمثال الشعبية والشعر العربي والأساطير

الحمراء ـ العمانية :
تعدّ اللغة من أعرق مظاهر الحياة الإنسانية، بل هي أصل الحضارة وصانعة الرقي والتقدم، فهي التي تجمع التخاطب بين شعب وآخر، وهي قد تكون في الوقت نفسه مصدر تفريق بين الذين لا يتكلمون لغة واحدة.
يرى الدكتور خالد بن عبد الله بن محمد العبري، أن اللغة ـ شأنها شأن كل حيّ ـ تعيش وتخلَّد بقدر مرونتها واستيعابها متطلبات العصر الذي تعيش فيه، ويضيف أن عناصر اللغة ليست بالمستوى نفسه من حيث سرعة قبول التطور، فهناك فروق في تطور اللغة بين الفونيمات والصرف والمفردات، وليس هذا بأمر قاصر على لغة دون أخرى، فكل لغات العالم تتغير بمرور الزمن وتبعاً لما يستجد على أحوال أبنائها اجتماعياً ودينياً وثقافيا وسياسيا، إلا أن حجم التغير يختلف من لغة إلى أخرى بحسب تأثير عوامل التغير ضعفا وقوة.
ويؤكد العبري في كتابه “الظواهر الصوتية والصرفية في لهجة الحمراء بسلطنة عُمان” أن اللغة العربية استطاعت أن تعيش قرونا قبل نزول القرآن الكريم، وعندما نزل الوحي الإلهي كانت خير معبر عن مقاصده، وخير وعاء لمعانيه وأغراضه.
ويوضح في هذه الدراسة الوصفية والتحليلية التي أعدّها لنيل درجة الدكتوراه، وجاءت في ثلاثمائة وتسع وأربعين صفحة، أن اللغة النفعية قد تقف زمنا دون تغيير، ولكنها ـ بوصفها كائنا حيا ـ لا بد أن يعتريها تغيير ولو كان بطيئا، مشيرا إلى أن النثر الفني يكون أقدر استيعابا من اللغة النفعية لبواعث الحياة في اللغة عموماً، ثم تأتي لغة الشعر التي تتسم بالحيوية وإيجاد تعبيرات مبتكرة، أساسها الانحراف عما هو متوقع لدى القارئ، ذلك المتوقع الذي يقصر عن نقل المحتوى الفكري والعاطفي الذي يريد المبدع نقله، ولذلك يلجأ إلى عملية الهدم والبناء، هدم النمط الشائع البعيد عن دائرة الإبداع، وبناء جديد متطور يلج عالم الفن، وهذا يعني أن روح البلاغة تكمن في هذا الوعي بالفارق بين اللغة الواقعية الماثلة في الشعر واللغة الممكنة التي كان من المحتمل أن تستخدَم بشكل شائع وبسيط.
وبحسب ما يورده العبري في كتابه ـ الذي يعد من الكتب المعدودة التي تختص باللغات على مستوى الولايات ـ لم تقف اللهجات العربية عند استيعاب معاني القرآن الكريم موقف المتفرج، بل كانت مرنة متطورة، فواكبت النهضة العلمية التي شهدتها الدولة الإسلامية أيام نهضتها، ولما اتسعت الأمصار وتفرعت الشعوب وانتقل المسلمون العرب وخالطوا أهل البلدان الأخرى من ذوي اللغات المختلفة، لم تقف اللهجات العربية عاجزة أمام هذه اللهجات، فأثرت فيها وتأثرت بها، بل إنها استطاعت أن تحل محل لغات تلك البلاد التي دخلها الإسلام في عصر الفتوحات الإسلامية، ولكنها ـ كعادتها ـ سمحت بدخول ألفاظ غير عربية إليها، ولانت وتنازلت عن بعض قواعدها القديمة لتحيا، واعتراها الكثير من التغيير في نحوها وصرفها ومعجمها اللغوي إلى أن تفرعت منها لهجات عامية لاءمت نطق أهل تلك البلاد، فالعاميات بلهجاتها “ظاهرة طبيعية في كل زمان ومكان ولا سبيل إلى إنكار وجودها”.
ويقول العبري إن هدف هذه الدراسة التي تضمنها كتابه، ليس تشجيع اللهجات المحلية، سعيا إلى إظهارها وإحلالها محل اللغة الفصحى، وإنما الكشف عن أصول هذه اللهجات وبيان خصائصها وردّها إلى جذورها العربية القديمة، وإلى القبائل التي كانت تتكلم بها.
ويلفت إلى أن اللهجة تعدّ ظاهرة اجتماعية تتأثر بالمجتمع ونظمه وعاداته وتقاليده وعلاقاته المختلفة، ولذلك تعدّ دراسة اللهجة مدخلا لدراسة العادات والتقاليد والأمثال الشعبية والشعر العربي والأساطير، كما تساعد علماء الأنساب في التحقق من صلات النسب وعلاقات الجوار والولاء بين القبائل، كما تمثل اللهجة تطوراً تاريخياً للغة الأم، ولذلك لا بد من تسجيله ودراسته قبل أن يصيبه تطور آخر.
ويؤكد أن الكشف عن أسرار اللهجات الحديثة يستدعي دراستها دراسة علمية صحيحة، وتسجيل نماذج منها تسجيلا صوتيا، لنعرف ما تتصف به كل لهجة من خصائص، وهذا يعني أن دراستها يجب أن تبدأ وصفية عن طريق تسجيل أصواتها وكلماتها وتحليلها قبل اللجوء إلى أيّ نوع من المقارنات أو الحكم على أيّ صلة بلهجة قديمة.
ويوضح المؤلف في كتابه أن دراسة لهجة الحمراء عَمِدَتْ إلى المنهج الوصفي، حيث قام بتسجيلها على عدد لا بأس به من الأشرطة تمثلت في مقابلة بعض الشخصيات والحوار معهم، أو قيام بعضهم بسرد بعض القصص والروايات القديمة من التراث، وأحياناً أخرى كانت على شكل حوار مشترك يجمع كبار السن في كل قرية زارها المؤلف من قرى الولاية.
ويستعرض العبري مكونات اللهجات، حيث يشير إلى أنها تتكون وتتشكل نتيجة عوامل مختلفة، منها العوامل الجغرافية، حيث تُعدّ الرقعة الجغرافية -التي تعيش فيها مجموعة من الناس- بيئة التخاطب بين الجماعة الواحدة، فتجمعهم طبيعة جغرافية واحدة تتمثل في طبيعة الطقس وعوامل بيئية قد توجّه اللسان إلى نطق بعض الفونيمات بأصوات مختلفة.
وكنتيجة طبيعية لوجود فواصل بين أجزاء القرية الواحدة، كالجبال والأودية، أو المسافات البعيدة أحيانا، تظهر استعمالات لغوية وعادات نطقية لدى كل جماعة من هذه الجماعات مع مرور الزمن، فتنشأ لهجة مستقلة لها سماتها وخصائصها، وهو ما حدث للّغة العربية من قبل كما يرى المؤلف، فقد عاش العرب في شبه جزيرتهم في قبائل متفرقة يصعب الاتصال بينها أحياناً لصعوبة السفر، وظروف البيئة، وكان منهم البدو، وكان منهم الحضر، فأثّر كل ذلك في لغة بعض القبائل إلى أن صارت لها سمات تميزها عن القبائل الأخرى.
ويؤكد المؤلف أن العوامل السياسية (الفتوحات، والتعرض للغزو، واتساع رقعة الدولة) تساهم إلى جانب التفاعل مع لغات البلاد المفتوحة، في تشكيل لهجات جديدة محلية إلى جانب اللغة الرسمية، وهذا ما حدث بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية إثر الفتوحات الإسلامية، إذ تشكلت لهجات متعددة إلى جانب اللغة العربية الرسمية. كما أن العوامل الاجتماعية (كاختلاف الطبقات وتباينها، واختلاف المهن والحرف، واختلاف الأجناس) تسهم في تشكيل لهجات جديدة إلى جانب اللغة الرسمية، ونتيجة لهذه العوامل المختلفة نلاحظ الآن لهجات مختلفة ومتعددة في الوطن العربي، كما نلاحظ لهجات مختلفة داخل القطْر العربي الواحد، وهذا ما نلاحظه في سلطنة عُمان، إذ يوجد لهجات متعددة، تشترك في بعض العناصر، وتختلف في عناصر أخرى.
المتصفّح لهذا الكتاب القيم ومن خلال فصوله السبعة، يجد نفسه في تطواف جديد مع مفهوم اللغة الفصحى واللغة العامية، حيث ارتكز الفصل الأول على نظرة تاريخية عن اللسانيات وما يتصل بعلم اللغة من علوم، للتعريف بأهمية هذا العلم، ويُختَتم الحديث في هذا الفصل عن الصوتيات والفنولوجيا وعلم اللهجات ثم دراسة اللهجات.
ويتحدث المؤلف في الفصل الثاني عن النظام الصوتي في لهجة الحمراء (الصوامت والصوائت)، ثم عن نبر الكلمة، فالمماثلة الصوتية، وظواهر أخرى، وذلك ليبيّن مدى تقيد أهل المنطقة باللغة العربية الفصحى ودرجة هذا التوافق ومن ثم مقدار بُعد لهجة الحمراء عن الإعراب اللغوي.
وفي الفصل الثالث يتحدث عن مظاهر التغيير الصوتي في الأبنية الصرفية التركيبية بداية بالإدغام في اللهجة، موضحا ذلك بظاهرة المماثلة الصوتية ومتعقبا إياه بالمخالفة الصوتية منهيا هذا الفصل بالقلب المكاني.
وجاء الفصل الرابع مبينًا مظاهر التغيير في البنية الصرفية للأسماء، والصيغ التي جاءت سواءً الصحيح والمزيد، ثم الضمائر في اللهجة المنفصلة والمتصلة وأبنية الأسماء الثلاثية والرباعية والخماسية والمستعمَل من أسماء الزمان والمكان واسم التفضيل واسم الآلة وما جاء في النسبة وكذلك تصغير بعض الأسماء وأدوات النفي والاستفهام وأسماء الإشارة وأسماء الأفعال وأسماء الأصوات.
ويتناول الفصل الخامس مظاهر التغيير في البنية الصرفية للأفعال (الماضي والمضارع والأمر)، والصيغ التي جاءت في اللهجة وتصريف الأفعال ثم الضمائر بشقيها. كما يتناول الأبنية الصرفية في الأفعال والمصادر قبل الحديث عن المشتقات كالصفة المشبهة واسم الفاعل واسم المفعول.
وفي الفصل السادس يتحدث المؤلف عن إبدال الهمزة في الفصحى وفي لهجة الحمراء في مواقعها الثلاثة، كما يتحدث عن التبدلات الصوتية، وبعض الظواهر الصوتية الأخرى في اللهجة، واستخدام المقطع الصوتي المرفوض في العربية الفصحى.
ويناقش الفصل السابع تأثر اللهجة وتأثيرها في اللهجات المجاورة، ويشمل هذا أثر اللهجات المجاورة في لهجة الحمراء، في الأسماء والأفعال والحذف والإبدال، كما يتم الحديث عن كيفية نطق بعض الأصوات في لهجتي الحمراء والرستاق.
ويلخّص الدكتور خالد العبري مضامين كتابه، بقوله إن هذه الدراسة وضحت أهمية علم اللغة عند الرعيل الأول من العلماء ومن كان بعدهم من بني جنسهم، وتطور هذا العلم لدى اللغات الأخرى، وما قام به العلماء العرب من تطوير لعلم اللغة وتصحيح للمصطلحات وفقاً للتطور التاريخي لها ووفقاً لما أطلق عليه علماء الغرب من مصطلحات كادت لترجمتها ألّا تكون إلا بالنطق نفسه الذي لفظه علماء علم اللغة من دي سوسير وحتى يومنا هذا.
وفي خضم اللهجة المدروسة توصلت الدراسة في الفصل الثاني، إلى أن لهجة الحمراء تضم سبعة وعشرين صوتاً صامتاً، منها ستة وعشرون صامتا عربيا، انقرض منها صوتان هما: /ض: ḍ/ ، /ق: q /، واقترضت صوتا واحدا من اللهجات المحلية هو: /چ: ϛ /، وكررت صوتا واحدا من العربية، ووضعته في موضع نطق صوت آخر هو: /ك:k /.. كما أن اللهجة تحتوي على ثمانية مقاطع، بإضافة مقطعين عما ورد في العربية، وهذان المقطعان هما: /ص ص ح ص، ص ص ح ح ص/. كما تعرض في الفصل نفسه إلى الأصوات الصائتة، حيث احتفظت اللهجة بالصوائت العربية الستة مع ما اعتراها من تغيير، فكانت اثني عشر صوتا هي /i – e – a – a – o – u/ وما يقابلها من نظائرها الطويلة.
وتبيّن للمؤلف أن الفرق في كمية الزمن الذي يستغرقه كل صوت صائت، هو الذي يحدد قصر الصوت وطوله. ثم أتت الدراسة على قواعد النبر في اللهجة، وهي لا تختلف كثيرا عن العربية، إلا في الحالات التي اقتضتها طبيعة التطور الصوتي الذي حدث في اللهجة.
ويتحدث الفصل الثالث عن الإدغام وكيفية حصول إدغام المثلين في اللهجة بين الصوتين المتماثلين سواءً أكان الأول منهما ساكناً في الأصل، أو متحركاً، فالمظاهر الصوتية لا تتحقق إلا حين يتم نطق الصوامت. ويركز المؤلف هنا على التوافق والانسجام لا على التلاشي والتنافر، فالأصوات اللغوية تتأثر بعضها ببعض داخل بنية الكلمة لتحقيق الانسجام الصوتي بين هذه الأصوات ولتخفيف الجهد المبذول في نطق هذه الألفاظ، وقد يحدث هذا التأثر بين الأصوات الصامتة أو بين الأصوات الصائتة، حيث إن الأصوات الصامتة حينما تتجاور في التركيب تتوافق بالجهر، أو الهمس، أو أيّ صفة أخرى، كما تتوافق في الصفة مع أن هذه الصفة تفرق بين صوت وآخر.
ويوضح المؤلف أنه حين يتم تجاور صوت مجهور لصوت مهموس دون فاصل بينهما، يتأثر الصوت المجهور بالمهموس في صفة الهمس، فالصوامت المهموسة، إذا ولِيها بعض الصوامت المجهورة دون فاصل، تتأثر بما جاورها في صفة الجهر وتقلب إلى نظائرها المجهورة، والتفخيم ناتج عن التماثل في الأصوات لقربها من صوت مفخم، حيث سبق صوت السين هنا صوت الخاء، وهو صوت مفخم، وبالتالي تقلب السين إلى صاد، وكلاهما من مخرج واحد، وهما احتكاكيان مهموسان، فإذا رأينا صوت الراء على سبيل المثال حين يقع مفخمًا فإنه يفخم الصوت السابق أو اللاحق، بحسب قوة التأثير وتكون المماثلة في كلمة “ظراع”، مثلًا، مماثلة رجعية جزئية لتأثر الصوت السابق باللاحق، كذلك فإن الصوت الاحتكاكي يصبح صوتاً احتكاكياً مثل الصوت الانفجاري المجاور له ويتحدان في صفة الاحتكاك، ثم يُدغمان في بعضهما بعضاً بعد انتقال الصوت الانفجاري إلى مخرج الاحتكاكي.
ومن خلال محتوى هذا الفصل يوضح المؤلف المماثلة وكيفية حدوثها، حيث تتحول الفتحة القصيرة إلى ضمة قصيرة في هذه اللهجة وذلك في الفعل المضارع (يفعل)، حيث يصاغ بضم ياء المضارعة، والمماثلة الجزئية في الصوائت هي التي لا يكون التماثل بين الصوتين كاملاً، أي في المخرج والصفة. ولعل الإمالة تعد من هذا القبيل. فالصائت إذا جاور صوتا صائتا يصيران صوتاً صائتا ممالاً.
كما يوضح البحث أن لهجة الحمراء تتبع الإمالة بغية التماثل في النطق، فتتأثر الأصوات اللغوية بعضها البعض عند تجاورها في كلمة واحدة، أو في كلمتين متجاورتين.
ويلخص العبري في الفصل الرابع مظاهر التغيير في البنية الصرفية للأسماء، ويخلص إلى أن غالبية الأسماء التي على وزن فَعَل في العربية تظل في اللهجة على الوزن نفسه في الكلام المتصل، على أن يكون اللفظ الذي يلي هذه الصيغة مبدوءا بصامت لا يليه حركة، أما فيما عدا ذلك فإن هذه الصيغة يكون بناؤها في اللهجة على وزن (فِعِل)، وتأتي في اللهجة المدروسة على صيغة (فعِل) للتخلص من التقاء الساكنين وذلك في الكلام المنقطع، أو إذا وقع بعد هذه الصيغة كلمة مبدوءة بصامت يتلوه حركة، والقلة القليلة من الأسماء التي على وزن (فَعَل) تأتي في اللهجة على وزن (فِعَل) إذا كانت عين الكلمة حرف حلق وذلك في الكلام المنقطع أو إن وقع بعد الاسم كلمة شريطة أن يكون الصامت الأول فيها يتلوه حركة.
وتشير الدراسة في هذا الفصل إلى ندرة الأسماء التي في الفصحى على وزن (فعل) التي تأتي في اللهجة على صيغة (فَعل)، وهي تلك التي تنتهي بالواو، أما الأسماء الثلاثية التي على بناء (فُعْل) فتأتي في اللهجة على بناء (فُعُل) وذلك ليتم الانسجام بين الحركات، فيما تأتي الأسماء الثلاثية التي على بناء (فعِل) في اللهجة على بناء (فِعِل) بتحريك عين الاسم بالكسرة القصيرة، أما الأسماء التي على بناء (فِعْل) فتأتي في اللهجة على بناء (فَعُل) ولا يكون هذا البناء في اللهجة إلا في الأسماء الثلاثية المنتهية بواو، أما التي على وزن (فَعُل) أو (فُعْل) فتأتي على بناء (فعِل)، وبالتالي يتغير تركيبها المقطعي (ص ص ح ص).
وتبين الدراسة في هذا الفصل أن صيغ الاسم الرباعي في اللهجـة للرباعي المجرد تأتي على خمس صيغ، في حين أن صيغ أوزان الثلاثي المزيد بحرف واحد في اللهجة هي تسعة عشر وزناً، أما صيغ الاسم الثلاثي المزيد بحرفين في اللهجة فعلى ستة وعشرين وزناً، وتأتي صيغ الرباعي المزيد في اللهجـة على ثلاثة أنواع: المزيد بحرف واحد على وزن، والرباعي المزيد بحرفين، والمزيد بثلاثة أحرف.
وتوضح الدراسة أن للهجة عشرة ضمائر رفع منفصلة، وهذا يعني أن اللهجة حافظت على بعض الضمائر التي انقرضت من اللهجات العربية المعاصرة، ويخلو منها ضميران هما: (أنتما، هما)، وتكون ضمائر الرفع المتصلة في جمع المتكلمين ممدودة، وتقتصر في جمع الغائبين والغائبات والمفرد الغائب والمفردة الغائبة على الفتحة القصيرة، ولا تأتي قبل نون النسوة في جمع المخاطبات إلا مفتوح ما قبلها، أما في جمع الغائبات فيكون ما قبل نون النسوة مكسوراً.
وتحدد الدراسة نوعين من الاستفهام في اللهجة: نوع يخلو من الأدوات، وتُستثنى من ذلك الهمزة، ويفهم المراد من هذا النوع عن طريق التنغيم؛ ونوع آخر يشتمل على أداة يفهم من خلالها أن القصد منه طلب الفهم، أما أسماء الأصوات في اللهجة فعلى نوعين: نوع يخاطَب به ما لا يعقل من الحيوانات أو صغار الإنسان، ونوع يحاكى به صوت من الأصوات المسموعة.
وجاء الفصل الخامس ليقدم صوراً أخرى من الوصف التحليلي عن مظاهر التغيير في البنية الصرفية للأفعال وليؤكد أن اللهجة لم تكن بمنأى عن الفصحى، فالفعل في اللهجة مثلما كان في الفصحى، جاء على صيغ عدة، ولكل صيغة معنى وللمعنى دلالات عدة.
في حين جاءت صيغ الماضي المجرد مع مضارعه على عشرة أوزان، وخلت اللهجة من ست صيغ في العربية فاستعاضت عن بعضها بصيغ مثل: (فِعِل: يِفْعَل، فِعِل: يِفْعَل)، كما خلت من الألفاظ التي على وزن (فعلو، افعوعل، وأفعال) وسبب ذلك يعود إلى قلتها في الفصحى من جهة وأنها تحتاج إلى جهد عضلي من جهة أخرى، أما صيغ الثلاثي المزيد فجاءت في اللهجة على ثمانية أوزان لها معانٍ عدة، ولكل معنى دلالته.
أما الرباعي المجرد في اللهجة والذي يكون على وزن (فَعْلَل) فهو إما أن يكون من أصول غير مضعفة أو من أصول مضعفة، وأما أهم الأوزان الملحقة بالوزن الأصلي فهو على وزن (فعلل) في اللهجة.
وفي الأفعال الصحيحة والمعتلة جاءت اللهجة لتؤكد أنها لم تكن بمعزل عن الفصحى في فاء الفعل مثلاً، إلا إذا كان الفعل صحيح الوسط والآخر حيث يكسر في معظمه، في حين تأتي فاء ولام المضعف الرباعي ومزيده الأولى من جنس ولامه الثانية من جنس آخر، وأما المهموز الذي يكون أحد أصوله همزة، فتقلب الهمزة إلى صوت آخر أو تسهلها، وأحياناً تحافظ اللهجة على بعض الأفعال المهموزة الفاء والمعتلة، وحرصت اللهجة أيضاً على كسر فاء الفعل المعتل الآخر، وتخلصت اللهجة من الفتحة الطويلة إذا وقعت لاماً للفعل.
أما إذا اتصل الفعل الماضي الصحيح السالم في اللهجة بضمائر الرفع المتصلة، فإن الصامت الأخير في الفعل لا يتلوه حركة إذا لم يتصل به ضمير، وأن الصامت الأخير في الفعل تلحقه الكسرة القصيرة، وعند الإسناد إلى ضمير الغائبة المفردة المؤنثة في اللهجة تختفي حركة عين الفعل الماضي بسبب النبر ونظام المقاطع، كذلك فإن ضمير المخاطب المؤنث تلحقه الكسرة الطويلة بدلاً من الكسرة القصيرة.
أما التغيرات التي تطرأ على الفعل الصحيح السالم عند اتصاله بضمائر الرفع المتصلة، فهي التغيرات نفسها التي تطرأ على الفعل المهموز عند اتصاله بتلك الضمائر، مع التأكيد أن الفعل الماضي الثلاثي المضعف لا يفكّ إدغامه في هذه الحالة.
ولقد وجد المؤلف خلال الدراسة أن ما يطرأ على الفعل الصحيح السالم مع تلك الضمائر يطرأ على الأفعال الماضية المعتلة، فينطبق على الصوت الأول فيه ما ينطبق على المثال، وينطبق على لامه ما ينطبق على المعتل الآخر عند اتصال كلٍ بضمائر الرفع المتحركة، وأما اللفيف المقرون فلا تكون عينه إلا حرف علة، فيعامَل معاملة الأجوف، ولا تكون لامه إلا حرف علة أيضاً، فتعامَل هذه اللام معاملة الفعل الناقص.
وبشأن تصريف الفعل الماضي المعتل مع ضمائر الرفع المتصلة، فإن ما يطرأ على الفعل الصحيح السالم مع تلك الضمائر يطرأ على الأفعال الماضية المعتلة، إضافة إلى أن عين الفعل إن كانت واوًا أو ألفاً يتلوها فتحة في الفصحى فإن الفتحة هذه تمال إلى الكسر في هذه اللهجة لتناسب الياء المنقلبة عن فتحة طويلة في اللهجة.
وتبرهن الدراسة على أن أحرف المضارعة في الفعل المضارع السالم الصحيح والمهموز والمضعف، تقترن في اللهجة المدروسة بالتاء بوجود ضمائر الرفع المتصلة، وتحذف ياء المضارعة في الفعل المضارع الصحيح السالم والمهموز والمضعف بوجود ضمائر المتكلم المفرد، وجمع المتكلمين، في حين تخلو اللهجة من الهمزة علامة المضارعة.
ونجد في تصريف الفعل المضارع المعتل (المثال والناقص واللفيف) مع ضمائر الرفع المتصلة، أن همزة المضارعة في جميع هذه الأفعال تبقى مع ضمير المتكلم المفرد، وتحذف ياء المضارعة مع جميع هذه الأفعال، ويتشابه الفعل المضارع في اللهجة عند إسناده إلى ضمير المفرد المخاطب مع الفعل المضارع عند إسناده إلى ضمير المفرد الغائبة.
وتوضح الدراسة أن تصريف فعل الأمر مع ضمائر الرفع المتصلة لا تسقط فيه عين الثلاثي الأجوف مع ضمير المفرد المخاطب، وهمزة الوصل في فعل الأمر لا تنطق أبداً، وأن ما يطرأ على أفعال المضارعة عند إسنادها إلى ضمائر الخطاب يطرأ على أفعال الأمر مع ضمائر الخطاب.
وتؤكد دراسة البنية الصرفية للأفعال في لهجة الحمراء أن الصيغتَين (فَعَل، فَعِل)، ناتجتان عن المماثلة الصوتية التي يحدث مماثلة في حركة فائها، وجاءت الأوزان على: (فعلل، فوعل، يفعل، تفعلي، وتفعلت)، والباقي غير مستعمل. ويستعمل في لهجة الحمراء ستة أوزان أخرى متطورة عن الأوزان السابقة وهي (تفعلل، تفيعل، تفوعل، تفاعل، تفعل، تمفعل)، وكان المستعمل من الأوزان للرباعي غير المزيد هو: (فعلل، تفعلل)، ففي الأولى حيث يكسر الحرف الأول من الفعل الماضي المزيد قياساً على ظاهرة التلتلة، وفي الثانية يستعينون بهمزة الوصل للنطق بالصوت الساكن، أما أبنية الفعل المضارع من الثلاثي المجرد وأبنية أخرى للفعل المضارع من الثلاثي المجرد فتأتي عن طريق ظاهرة التلتلة، والمستعمل من هذه الأبنية في لهجة الحمراء (يفعلل، يتفعلل).
ويخالف نظام اللهجة نظامَ الفصحى في إسنادها الأفعال الماضية صحيحة الآخر إلى تاء الفاعل، إذ تميل إلى تسكين الحرف الأخير من الفعل، الضمير المتصل به، ويستعمل أهل المنطقة واو الجماعة (ضمير الجمع) للدلالة على المثنى، ويتحول حرف العلة في الأفعال الماضية المعتلة الآخر إلى كسرة طويلة ممالة عند إسناد هذه الأفعال إلى تاء الفاعل و(نا) الفاعلية، ويحذف حرف العلة من آخر الفعل.
وتأتي الصفة المشبهة في هذه اللهجة على أوزان عدة هي: (افعل، فعلان، فعال، فعل، فعيل، فعل، فعل، فاعل)، كما يصاغ اسم الفاعل من الفعل الثلاثي في هذه اللهجة على وزن فاعل، ويصاغ من غير الثلاثي على وزن مضارعه مع إبدال حرف المضارعة ميماً وكسر ما قبل الآخر مع كسر الميم أو تسكينها، وتأتي صيغة المبالغة من اسم الفاعل على وزن (فعال، فعول، فعيل)، كما يصاغ اسم المفعول في هذه اللهجة من الفعل الثلاثي على وزن مفعول، ولا تفرق هذه اللهجة بين الصحيح والأجوف في اشتقاق هذا البناء، في حين يصاغ من غير الثلاثي على وزن مضارعه مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر.
لقد جمعت لهجة الحمراء كثيراً من الخصائص الصوتية التي خصص لها المؤلف الفصل السادس، ومنها شيوع ظاهرة الكشكشة في هذه اللهجة بشكل واضح، وكثرة التبدلات الصوتية بين الأصوات والتي يمكن قبول معظمها من الناحية الصوتية، وشيوع ظاهرة التخلص من الهمز في هذه اللهجة عن طريق إبدال أحد أصوات اللين بالهمزة، أو بحذفها. كما تكثر ظاهرة الإمالة، خاصة إمالة الفتحة قبل هاء التأنيث، كما يكثر وجود بعض الظواهر، مثل كسر الحرف الأول من الفعل المضارع، وكذلك كسر الحرف الأول من الفعل الماضي وبعض أفعال الأمر، وكسر الحرف الأول في الأسماء التي ثانيها حرف مكسور، وتحريك الحرف الثاني في الكلمات الثلاثية ساكنة الوسط والمقطع الصوتي المرفوض في هذه اللهجة، واستخدام الكسر أكثر من الحركات الأخرى. ويتبين لنا أن اللهجة أثبتت بوجود هذه الظواهر أنها تعدّ امتداداً لبعض اللهجات العربية القديمة.
ويعكس الميلان الذي خرج به الفصل السابع من هذه الدراسة، مدى التأثر والتأثير في اللهجات المجاورة واللهجات القديمة كأصل لذلك المنبع الذي تغطي ساحاته أقطار الدول العربية قاطبة، فتشترك لهجتا الحمراء والرستاق في حذف الهمزة في بداية الكلمة ووسطها ونهايتها في بعض المفردات، في حين تحذف ولاية الرستاق صوت الذال في بعض الألفاظ، وتتفق اللهجتان على نطق الكاف بالجيم المهموسة على المذكر المخاطب وبالشين على المخاطبة المؤنثة دون وجود إشكال بينهما، كذلك فلا وجود لصوتي (القاف والضاد) في كلتا اللهجتين، وهو أمر نجده عند معظم اللهجات القديمة واللهجات الحالية في بعض دول الخليج إضافة إلى ما ورد ذكره آنفاً.
ويختتم الدكتور خالد العبري كتابه بتأكيده على أن هذه الدراسة قد حققت أمرين: الأول البحث فكرة مبتكرة عن دراسة لهجة الحمراء، استندت إلى أمهات الكتب العربية القديمة، وإلى البحوث المماثلة التي أُجريت في منطقة الخليج وإفريقيا، وتخضع أصواتها لأساسيات علم الأصوات. والثاني أن الدراسة أسهمت في إعداد تصور جزئي من التراث اللغوي في منطقة الحمراء.

إلى الأعلى