الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / التشكيلية اللبنانية غادة جمال تحول حكايات الموسيقى الموغلة في الحنين وتشظي الذات إلى مشاهد بصرية حالمة

التشكيلية اللبنانية غادة جمال تحول حكايات الموسيقى الموغلة في الحنين وتشظي الذات إلى مشاهد بصرية حالمة

كتب ـ خميس السلطي:
“تشكيل ومقامات” حكاية فنية تتقاطع مع الواقع التشكيلي والموسيقى للفنانة اللبنانية غادة جمال التي زارت السلطنة مؤخرا وقدمت أعمالها في معرض فني أقيم بمقر النادي بالقرم.
غادة جمال التي اكتظت حكايات فنها بالسفر والغربة والموسيقى أوجدت نمطا مغايرا من الفن في شكل بهي مختلف، وعندما سئلت لماذا هذا المعرض في السلطنة؟ قالت بثقة: هذا ينبع من كون أن عُمان بلد عريق وضارب في التاريخ ، محب للفن والموسيقى والجمال، ولعل دار الأوبرا السلطانية مسقط وما تحويه من أناقة فكرية فنية خير دليل مباشر على ذلك، علاوة على ذلك وجود جمعية هواة العود وما يقدمه الامتزاج التاريخي للسلطنة من أقصاها لأقصاها في تشكل لروح الموسيقى والفن ونبض الطرب الأصيل، هذا التشكل بدأ ظاهرا للعيان في الإنسان ومجتمعه وعلاقته أيضا بأرضه الطيبة.
الأعمال الفنية التي احتضنها النادي تجسدت في مجموعات متعددة صاحب كل مجموعة نوع معين من الموسيقى، كمقام حجاز كاركرد بأداء الفنان منير بشير ضمن 15 لوحة على قماش معلقة بجانب بعضها البعض في 3 صفوف، ولوحات أخرى مستوحاة من مقطوعات ألفها جميل بك الطنبوري في نهاية القرن الـ 19، صاحب تلك اللوحات حكايات لموسيقى خالدة تتصاعد تدريجيا لتعود بالمستمع المتأمل إلى نهاية ذاك القرن. أضف إلى مجموعة “خدني الهوى” هي حكاية متألقة أخرى ألفها محمد عثمان في نهاية القرن الـ19 أيضا ومن أداء مجموعة الكندي الموسيقية، وهنا أوجدتها غادة جمال ضمن 36 لوحة. كما تتشكل لوحات المعرض أيضا في عازف الكمان “أبو مراد” الذي كرّس حياته لعزف المقامات الموسيقية العربية على نسق شيوخ النهضة الأوائل مثل “عبده الحمولي (1842 ـ 1901) مستوحيا أسلوبهم ومبتكرا أشكالا جديدة للتعبير المقامي.
حول هذا الفن الذي وصل إلى السلطنة بهذا القدر الملموس والمشاهد تتحدث غادة جمال وعلاقتها به: العلاقة تتغير وهي متدرجة بشكل واضح في حياتي الفنية، بدأت بمرحلة القلق والخوف من الفن مع الإصرار على تقديم الأفضل، إضافة إلى البحث عن المعرفة والتعرف على الآخر، هكذا كانت العلاقة في طور تكوّنها وهي بلا شك غير مستقرة بتاتا، وذلك لتحقيق الذات الفنية وتكوينها، ثم انتقلت العلاقة إلى الاستقرار، وعمل ما يرضي ذات الفنان على سبيل القول، وإيجاد مساحة خاصة به، فقد تم تجاوز كل تلك المخاوف حتى أصبح النقد غير مجدٍ ولا يؤثر، علما بأنه في السابق أسس مساحة خاصة بي، ثم تصبح العلاقة لتكوّن ما يسمى بالتأصل بين الفنان وفنه وتقديم أساليب الابتكار والبحث عن عوالم أخرى في هذا العالم المليء بالمفاجآت والتناقضات، مرورا وعلاقة ذلك كله بالمادة والبحث عما يأخذه نظير ما يقدم من فن وإبداع.
علاقة الفنانة غادة جمال بالموسيقى بدأت مع الرحلة إلى الولايات المتحدة الأميركية، في عام 1987م، لإكمال الدراسات العليا وهنا تشير: في عام 2000م التحقت بفرقة موسيقية تضم عددا من الفنانين العرب المغتربين بالولايات المتحدة الأميركية ومن خلال هذه الفرقة كنا نجتمع ونغني وأيضا نعزف الموسيقى القديمة مع وجود الرغبة الفعلية من قبلي في إخراج هذا الفن الموسيقي ليكون ضمن لوحات فنية ملموسة، وهذا آت كله مما قد تخلفه الغربة في ذات الإنسان ودواخله، فهي بلا شك مرهقة وتوجد للحنين متسعا يوجع القلب والذات معا، فالموسيقى القديمة خصوصا بها تواصل إنساني بين (الأب وإبنه والأحفاد) وهكذا، ومن هنا يبدأ الحنين، وهنا لابد أن أشير إلى أن هذا الفن كان يمارس في الدول الغربية منذ فترات قد تمتد من القرن الثامن وحتى التاسع عشر، ولكن قد يكون قليلا جدا في عالمنا العربي.
في هذا المعرض تشير الفنانة غادة جمال أن مجموعة (شقائق النعمان) تعرض فظاعة التحريف والتشويه التي بدأت تظهر ما بعد الربيع العربي، التي أوجدت هي الأخرى تفاصيل مظلمة حيث الظلم والقهر والطغيان، فالمجموعة الفنية تشير إلى جمال حقول “شقائق النعمان” الرائعة للفنان الفرنسي موني، والتي تظهر كل ربيع في أرجاء لبنان، هذه المجموعة التي تتحول إلى رموز خيالية من الماضي والمستقبل وعند النظر إليها بإمعان تتحول إلى لون النار ورائحة الرصاص.
ولم تغفل الفنانة غادة جمال هذا الواقع بل جسدته سابقا في معرض حول الربيع العربي في 13 لوحة رُسمت بالزيت والفحم على القماش والورق وحملت عناوين متعددة كـ”الفوضى السائدة” في المنطقة العربية و”مطالب الشعب بالتغيير” مع تقديم واضح في بعض اللوحات لفسحة أمل لإحداث تغيير للوصول الى السلام والأمان.
هنا يأتي الألم في صور متعددة وناطقة في أحيان كثيرة ولكن بصمت، من خلال تلك اللوحات التي تتحدث للمتلقي وما يعانيه المواطن العربي في أرضه التي مزقتها الحروب والويلات الدخيلة من دول شقيقة عربية وأخرى تقول إنها صديقة غربية. فأصبح المواطن العربي تحت وطأة صوت الرصاص ورائحة الدم المتناثرة في الأرجاء، هكذا بكل عمق تقدمه الفنانة غادة جمال وتشير متحدثة إلينا بأن هذه المشاهد المؤلمة أخذت الكثير والكثير الإنسان وضميره (الحي ـ الميت) ولكن بكل أسف الفنان العربي لم يستفد منها كثيرا ولم تعط حقها رغم تعدد أوجه الفنون ناطقة أم صامتة، لكن يبقى أن ندرك أن هناك أملا يلوح في الأفق أن الغد المشرق سيأتي وربما ستشرق تلك اللوحات والفنية والأفئدة الراغبة بشدة في الصفاء والنقاء والعيش الكريم.

إلى الأعلى