الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / إرهاصات تأصيل المسرح العماني .. عرض “عصف” نموذجا

إرهاصات تأصيل المسرح العماني .. عرض “عصف” نموذجا

في مسابقة إبداعات شبابية

تدور فكرة العرض حول ستة مسافرين بمحطة قطار، وبسبب ما تم تأجيل الرحلة لموعد لاحق، ترتب عليه افتراش الركاب الستة ارضية محطة القطار وتناوبوا سرد مأساتهم وهمومهم من خلال طرح ما تحويه حقيبة كل واحد منهم من صراعات واحباطات، وقد احتوى العرض على العديد من الاسقطات والرموز السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية لتعبر عن كافة هموم واحوال المسافرين الستة، ومن جهة اخرى اثراء تاويلات العرض لتحقيق كم كبير من التأويلات والتفسيرات والتنظيرات الخاصة بكل متفرج ومشاهد بحسب تحليلاته ورؤاه لما يشاهده.
واستكمالا لهموم المواطنين الستة يلتحق بهم المتسول المتحضر وينهج نهجهم حيث، فتح حقيبته واستعراض همومه المتجسدة في آلة العزف التي يستخدمها في التسول الغنائي او التسول بالغناء ان صح التعبير، اي استخدام الغناء كوسيلة للاسترزاق، ويعرض حقيبته وما تحويه من هموم الفن والفنانين، كما برع المخرج في تنويع عرض كل مسافر لهمومه باستخدام موسيقي وغناء الممثل السابع الموسيقي المتسول .
وقد تميزت بنية النص بالمزج بين الرمز والواقع من خلال حلقة الدراماتورج بين المخرج والممثلين لتعويض الحلقة المفقودة بين خيوط النص الدائرية عبر حقائب المسافرين الخاصة بهم، فهي الزاد والزواد، هي وعاء الافكار والهموم، هي ذكريات ومحن، معادلا موضوعيا للفكر الانساني، انطلاقا من تفكيك النص واعادة ترتيبه من جديد لتحقيق تراتب وتسلسل الخطاب الدرامي ومدلولاته غير المباشرة التي عبر عنها النص بأمتعة السفر، وكذلك رحلة القطار التي يعبر بها عن رحلة العمر ومشوار الحياة، وأيضا كرسي الانتظار في منتصف خشبة المسرح لتأكيد سيادة الانتظار الطويل بلا نهاية . الامر الذي يبدو فى تأثر المخرج باسلوب على الراعى فى تقليص الإيهام ووجهة الحكمة فى استخدامه أنه يضفى على العرض المسرحى جوا من الانتعاش وجر المشاهدين الى مزيد من الاهتمام بتناول المفردات التعبيرية.
إن مثل هذه المفردات التعبيرية تستخدم فى المسرحيات التى تحمل تحذيراً من خطر موجه للمتفرجين وحملهم على الاندماج فى الخيال بحيث ينسون الواقع طوال العرض بدلاً من أن يتذكروه كما ينبغى، وكما ينبغى أن يدفعهم اليه عرض واع، أى أن التعبير هو اسلوب تحفيز ضد الفرجة النائمة، كما يقول بريخت فهناك ضرورة لتفكير المتفرج، لأن يندمج وينسى نفسه فى غمرة الانفعال بالأحداث والشخصيات والكثير من مفردات العرض المسرحي.
اما الرؤية الاخراجية في العرض تجسدت فى تصوير المخرج حالة مكثفة من الحكي أو السرد طارحا الفعل المسرحى جانباً فى أوقات عديدة من العرض، ليعطينا حالة مسرحية من خلال صورة مرئية مصحوبة لموسيقى مؤثرة ومعبرة بشدة عن مأساة شخوص الرحلة، كذلك كان للغناء أثر واضح فى الحالة التى يعانى منها المغني المتسول وقد دعمه المخرج بصورة مرئية على خلفية سلويت لتكثيف الحالة التى وصل إليها من كآبة وحزن من جراء ما وصل إليه حاله.
وانطلاقا من الشكل العام للعرض المسرحى جاء المنظر المسرحى معبرا عن جغرافية المكان مفسرا للأحداث فالعرض ابتعد عن التقليدية، كما ابتعد عن الواقعية واتجه نحو التعبيرية والملحمية مستلهما أدواتها ووسائلها فى خلق عرض مسرحى . فكان من الطبيعى أن يكون المنظر المسرحى أحد هذه الوسائط المستمدة من تلك الاتجاهات فالمنظر المسرحى فى عرض عصف عبارة عن قطع مجزأة، تتركب تبعا لمقتضيات ومتطلبات الحدث الزماني والمكاني.
فجاء الديكور وكانه نقلنا الى محطة القطار بمكوناتها فقد فتحت خشبة المسرح على الصالة، وامتدت ارضية المحطة لتلاصق مقاعد المتفرجين وتحوطهم جاءت خشبة المسرح منحدرة نحو الصالة بحيث تبدو صاعدة نحو العمق وامتد بروز بعرض المسرح فى الخلفية ليوحى بالحد القائم بين رواد المحطة الذين التحقوا بالقطار، والركاب المنتظرين قيام رحلتهم . تميز اخراج عبد الملك الغداني بتشكيلاته الرائعة المعبرة التى تتناغم فيها حركة الأشخاص مع مواقع الديكور وتلاعب الإضاءة وحققت هذه التشكيلات الجمالية غاية إبهارها فى مشهد نهاية سرد كل الشخوص مأساتهم الذى قدم صامتا لا يبدو منه الا صوت موسيقي المتسول مجسما بينما هو يتقدم من العمق وسط المسرح الى مقدمة الصالة، فجاء خير معبر عن أفكاره البعيدة التى سحقتها عجلة الحياة.
وقد استغل مصمم الديكور فى هذا العرض مساحات خشبة المسرح مقيما علاقات شديدة الدقة بين الكتلة والفراغ مستخدما أبسط الخامات بشكل مرن حيث تتحول الحقائب الى مقاعد وتتحول المقاعد الى مرتفعات فى افق المجهول .
وقد كان لدلالات الألوان فى ملابس الشخصيات تأثير مباشر على تقنية الأداء التمثيلى فى هذا العرض، حيث تراوحت بين الأبيض والرمادى والأسود تعبيرا عما بداخل الشخصيات الرئيسية فى المسرحية، الأمر الذى كان منهجا للممثلين لأسلوب الأداء فى العرض، فمن خلال اللون الأبيض بنيت شخصية المسافر الذى لا يعى الشر الكامن من حوله ولايدرك الشر الكامن فى أعماق مرتادي المحطة وبالتالى فهو غير قادر على حماية نفسه وغيره من المنتظرين.
وقد قدم المخرج ايقاعاً لاهثا للعرض المسرحى ساعده فى ذلك اختياره لمجموعة من الممثلين المتفهمين لطبيعة عرضه وخاصة المغني المتسول فى مشهد سرد مأساته ومدى إحساسه بالمهانة عند استخدام فنه في سؤال رواد المحطة حيث ابدع فى تلوين إحساس الحركة والصوت الأمر الذى نال استحسان الجمهور .
لقد كان المخرج من خلال رؤيته الإخراجية ينظر إلى محاكمة الواقع العربي بكل تناقضاته وممارساته السلبية من خلال استحضاره لواقع يشكل مضمونًا مع ما هو قائم بشكل ترتيبي وانعكاسي.
كما انتقل المخرج في دلالته الإخراجية إلى الواقعية والرمزية ليقدم لنا شيئًا ما عن الواقع المعاش مع تبيان الفارق الشديد في الحياة الطبقية عن باقي أفراد الشعب الذين لمسنا واقعهم المرير منذ اللوحة الأولى، وعند المواجهة وسرد محتويات الحقائب تزداد التعرية أكثر للمواقع النفسية والسياسية والاقتصادية، وفي هذا الإطار يقدم عبد الملك جرعات من الرمزية في رؤيته الإخراجية عندما يكشف لنا عن المفارقات في العلاقات بين الشخصيات .
كما حاول المخرج تجسيد النص المكتوب حركيًا وجماليًا ولفظيًا، ولكنه ارتكب عدة أخطاء منها:
1- اختناق الحركة المسرحية في معظم المشاهد وبالذات في المعركة، وأصبحت الحركة المسرحية في بعض المشاهد مجرد تحريك للممثلين في خط واحد في مقدمة المنصة.
2- كان ينبغي على المخرج تحريك جموع الممثلين على المسرح حيث إن أعداد الممثلين والكورس يتطلب منه استغلال الأدوات الإبداعية بدلاً من زيادة عدد الممثلين، مما قد يشتت المتفرج أثناء متابعة الحدث.
3- عدم استغلال الفراغ المبدئي فوق المنصة بشكل مناسب واستعان بديكور متميز شكليًا متواضع وظيفيًا ساهم في إفساد الشكل العام للعرض المبدئي ( الشجرة المجردة ).
4- ليس هناك ما يبرر تجميد كتلة الممثلين في معظم مشاهد السرد في مقدمة منصة العرض.
5- الستارة الضوئية التي استخدمها المخرج أثناء تغير المشاهد اختراع لا مبرر له حيث قام المخرج بتسليط كشافات ضوء قوية في وجوه المشاهدين حتى لا يتابعوا تغيير المناظر رغم أن العرض يعتمد على الفرجة .
وفيما يتعلق بالأداء التمثيلي حاول المخرج أن يتغلب علي الازدواجية في الأداء حتى يتسم مع الطبيعة العامة للعرض المسرحي، فالتركيبة الازدواجية مكونة من الأداء الواقعي، الأداء التعبيري الرمزي، وهذا بطبيعة الحال متصل بتفسير المخرج للواقع ولكن في النهاية شاهدنا توحدا وتشابها في طريقة سرد وحكي المسافرين الستة.
من جهة اخرى قدم الموسيقي المتسول مستويين في الأداء، ففي الجزء الأول حيث التحاقه بصحبة الرحلة انتظارا لقيامها، الأمر الذي اختلف تمامًا في الجزء الثاني وهو يمثل شكلا طبيعيا كما في مسرح بريخت، أما المنتظر على كرسي منتصف المسرح، فقد كان موفقًا إلى حد كبير حيث الإحساس بالكلمة والمعنى وكذا بالمعاناة، ولكن من المآخذ الهامة على أدائه طغيان الشخصية على الموضوع في بعض الأحيان.
كما ساعد المكياج على توضيح أبعاد الشخصيات بقصد إضفاء الطابع المأساوي على الشخصية وإبراز سماتها العامة التي يتبينها المشاهد بوضوح، مع خلق نوع من التعايش مع الأدوار بصدق بالنسبة لأداء الممثل، وأخيرًا تمازج البعد الشكلي مع النفسي للشخوص.

د.عبدالله شنون
ممثل وناقد مسرحي

إلى الأعلى