الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الطريق إلى طهران

الطريق إلى طهران

”ليس الطريق الخليجي إلى إيران، ولا الإيراني إلى الخليج، مفروشا بالورود طبعا، ولا يمكن أن تكون دعامته الوحيدة العلاقات التجارية والاقتصادية ـ وإلا غلب عليه التنافس مثلا بين قطر وغيران وكلتاهما مصدر رئيسي للغاز يسعى لحصة أكبر من سوقه العالمية. وفي السياسة والعلاقات بين الدول لا يمكن الاعتماد أيضا بشكل أساسي على النوايا الطيبة ومشاعر الود.”
ـــــــــــــــــ
لا يمكن النظر إلى زيارة أمير الكويت إلى إيران في إطار العلاقات الثنائية فحسب، ولا حتى الخليجية الإيرانية، بل هي خطوة على طريق عودة طهران إلى الخارج وعودة الخارج إلى طهران. ومع أن العلاقات الثنائية مهمة، ووفد رجال الأعمال المصاحب لأمير الكويت ووزراء حكومته ذهبوا للانتهاء من اتفاقات جرى البحث بشأنها من قبل وكذلك هناك أمور استراتيجية بين البلدين المتشاركين في مياه الخليج وما تحتها من ثروات، إلا أن الدور الذي يقوم به امير الكويت في علاقات المنطقة يتجاوز ذلك الهم الثنائي. وإذ تلعب الكويت دور وساطة ضمن أطراف ليست على وفاق داخل مجلس التعاون الخليجي، وتسعى حتى للمساهمة في تسوية قضايا اقليمية ساخنة ـ من بينها الصراع في سوريا ـ ليست إيران ببعيدة عنها، فمن المنطقي أن تكون كل تلك الملفات محور بحث القيادتين الكويتية والإيرانية. وربما لا يكون صحيحا تماما الحديث عن “وساطة” كويتية بين إيران والسعودية، فالبلدان يتجهان نحو الحوار المباشر بعد دعوة وزير الخارجية السعودي نظيره الإيراني لزيارة المملكة.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية البعد الاقتصادي للزيارة، فالاتفاقات التي وقعت بين الكويت وإيران تعزز التعاون بين البلدين وتفتح باب الطريق الخليجي إلى طهران. وليس غريبا أن تزامن زيارة أمير الكويت لطهران مع زيارة وفد كبير من رجال الأعمال الإماراتيين إلى طهران في محاولة لإعادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى سابق عهده بل وزيادته أيضا. ولأن الإمارات شريك تجاري رئيسي لإيران فقد تأثرت التجارة بين البلدين بمضاعفة العقوبات على طهران لتتراجع ببضع مليارات الدولارات سنويا. ومع بوادر الانفراج بين إيران والغرب وقرب التوصل إلى اتفاق شامل مع القوى الكبرى بشأن البرنامج النووي الإيراني تخف وطأة العقوبات باتجاه نهايتها تماما. وبالتأكيد ترغب الإمارات في الحفاظ على مكانتها كشريك تجاري واقتصادي رئيسي لإيران. ورغم وجود خلافات بين البلدين، في مقدمتها الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران في الخليج، إلا أن الإمارات تعد من الدول الخليجية التي تتبع سياسة متزنة في علاقتها بجارتها عبر الخليج.
هذا النهج الإماراتي يعد نموذجا للطريق الخليجي نحو طهران، فبدون التفريط في حقوق ولا التغطية على خلافات لا يجوز ان يصل الأمر إلى صراع تلعب فيه الدول المطلة على الخليج من ضفتيه أدوارا لصالح قوى خارجية لا يهمها سوى مصلحتها. وفي النهاية تلك القوى ليست معنية كثيرا بمصالح الأطراف التي تلعب لصالحها، ولا يبقى لدول الخليج إلا حقائق الجغرافيا والتاريخ: إيران جارة مهمة وهي باقية فلا بد من التعامل معها. ويسحب ذلك النقاش غلى القضايا التي تعتبر إيران طرفا فيها، من البحرين إلى العراق وسوريا ولبنان، وهي إما قضايا خليجية مباشرة أو هناك مصالح خليجية فيها. لا شك أن الاتفاق بين اميركا والغرب من ناحية وإيران من ناحية أخرى لتسوية قضية البرنامج النووي والعقوبات سلميا ضمن اتفاق شامل ساهم إلى حد كبير في تغيير وجهة الطريق الخليجية إلى طهران. والباقي فقط هو أن يفتح الطريق بين الرياض وطهران بشكل مباشر (حتى لو مر عبر الجسر الرابط بين السعودية والبحرين ـ مجازا طبعا) ويبدو أن هذا قريب وستسهم زيارة أمير الكويت إلى إيران في تقريبه.
ليس الطريق الخليجي إلى إيران، ولا الإيراني إلى الخليج، مفروشا بالورود طبعا، ولا يمكن أن تكون دعامته الوحيدة العلاقات التجارية والاقتصادية ـ وإلا غلب عليه التنافس مثلا بين قطر وإيران وكلتاهما مصدر رئيسي للغاز يسعى لحصة أكبر من سوقه العالمية. وفي السياسة والعلاقات بين الدول لا يمكن الاعتماد أيضا بشكل أساسي على النوايا الطيبة ومشاعر الود. وليس بالضرورة أيضا ان تتطابق المصالح أو تتقاطع بنسبة مئة في المئة، لكن الأطراف تبحث عما هو مشترك وتحاول تعظيمه والتقليل مما يسبب خلافا إن لم يمكن حله مباشرة فيتم العمل على الوصول إلى توافقات وحلول وسط ـ هذا طبعا إذا كان الهدف هو الاستقرار عبر التسويات السياسية وليس الصراع العمدي الذي لا يجلب سوى الدمار والنتائج السلبية لطرفيه. وهنا تأتي أهمية التحرك الكويتي والإماراتي، وكذلك حسن العلاقات الإيرانية مع أغلب دول المنطقة.
ربما لا تكون هناك وساطة خليجية إيرانية بالمعنى الدقيق للكلمة تقوم بها الكويت، لكن تعزيز العلاقات بين طهران والكويت يسهم في توجه السياسة العقلانية نحو إيران. وليكن البحث في الشأن البحريني وحتى الصراع في سوريا ومشاكل العراق وتبعاتها الإقليمية بين دول الخليج وإيران مباشرة، دون انتظار لأن يكون ذلك ضمن تسويات دولية بين طهران والقوى الغربية الكبرى. وببساطة، لو أن فرنسا تبحث عن مصالحها وتسارع شركاتها إلى دخول السوق الإيرانية حتى قبل رفع العقوبات نهائيا ـ وهو ما حدث فعلا مؤخرا ـ فهل يتصور أن تهتم بمصالح دول الخليج في علاقتها بإيران؟ هذا مجرد نموذج، وفرنسا لا تخالف عن بقية القوى الغربية التي تنظر للمنطقة فقط من منظور مصالها فحسب، أفليس الأجدى أن ينظر أهل المنطقة لمصالحهم بالطريقة ذاتها؟

د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى