الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الكوليرا ومشتقاتها !

باختصار: الكوليرا ومشتقاتها !

زهير ماجد

مات الصحابي ابا عبيدة بن الجراح ومعه آلاف من المجاهدين المسلمين بعدما اصيب جميعهم بوباء الطاعون، كانت امراض من هذا النوع تفتك بالجملة وبأعداد لا تعد، ومثلها كانت الكوليرا وغيرها من الأمراض، كان انسان تلك الازمنة يعيش بالصدفة ويموت بالصدفة، اما بعد ان اخترع العقل البشري العلمي ادوية تفتك بتلك الأمراض الى حد انها انقرضت تقريبا، فإن ظهورها من جديد ينبئ بتحديات ليست سهلة، خصوصا في اليمن، الذي يتقلب على جمر حرب فتاكة لا تراعي ابدا وصله مع عالم متجاوز لتلك المحن الجماعية.
رغم الإعلام المستمر عن احوال اليمنيين وفتك الكوليرا بالآلاف مع موت العشرات، ورنين جرس الإنذار بالمزيد من تفشي هذا المرض الفتاك، الا ان العالم لا يريد الإصغاء ولا الاهتمام. هنالك شعب بأكمله مهدد بالموت الجماعي، والمطلوب ايقاف تلك الحرب عليه كي يتمكن من تجاوز محنته، ليس الكوليرا فقط، بل كل امراضه الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية وغيرها مما يوجع القلب والوجدان.
لقد قيل منذ سنوات ان هذا المرض لم يعد له أمل بالظهور والفتك، وان سببه المياه الملوثة بالدرجة الأولى، وكلنا يعلم الأوضاع الإنسانية والأمنية لليمنيين وحالهم الصعب في تأمينه نظيفا صالحا للشرب. ليس مهما بالنسبة لهذا العالم الذي تجمدت احاسيسه ان يفكر بخلاص هذا الشعب الفقير الذي مقتله فقره، بعدم الانتباه إليه وتركه عرضة لمختبرات شتى بدءا من الدواء وصولا إلى السلاح.
يا لنا من امة كيفما التفتنا إليها نرى جروحها التي باتت اعمق من ان توصف .. دفعة واحدة تم تفجيرها واخضاعها لحروب بأشكال مختلفة، وكل ذلك كان على حساب انسانها الواقف وسط النار ـ المتألم إلى ابعد الحدود، الحائر في مصيره، الباحث عن ملاذ مجهول .. كل عربي في تلك الدول التي تعيش ازماتها، بات مصابا بالتدمير الذاتي ويشعر انه كائن يعيش التهديد الكياني على مدار الساعة. وسواء فتكت الكوليرا، فإن مرض العذاب اليومي للعربي ذاك، فتاك ولا يبدو ان حله بات قريبا. هذا الإحساس هو المرض بعينه، ان تعيش انتظارا مجهول النهايات، وعلاماته قد يأتي ولا يأتي، فتلك هي المرض الذي قيل ان السواد الأعظم من الأشقاء السوريين والعراقيين والليبيين وحتى اليمنيين، منهم من يحصل على ادوية لهدوء الأعصاب ان تمكن، ومنهم من يعيش الهلع مجسدا في علامات وجهه، كما رأيت احد اصدقائي السوريين وهو حاصل على درجة دكتوراة غزته انواع من ادوية الأعصاب، وهو مرض عام لا يبدو ان احدا يتخلص منه.
ليست الكوليرا سوى المرض الظاهر على سطح الواقع الاجتماعي والإنساني، الا لأنها تحتاج لمستشفى وعيادات وكل انواع الأمصال ومشتقاتها، اما الأمراض العصبية الفتاكة فتختبئ داخل البيوت، لم يعتد العربي بعد ان يظهرها بالذهاب إلى الطبيب المختص، وهو امر اكثر من ضرورة في هذه الحالة الشاذة عن الحياة الانسانية الطبيعية.
تحتاج الحروب إلى صبر الناس، وخصوصا تلك المتلبسة في الداخل، لكن هذا الصبر بحاجة إلى عوامل مساعدة قد لا تكفي الحديث عن رباطة الجأش ولا القوة الداخلية .. كل التوترات النفسية المتكررة والدائمة، سيكون لها مفاعيل في جسد الإنسان الذي يختزنها ويحولها إلى امراض عضوية.

إلى الأعلى