الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن في الـدعـاء وشـروطه وآدابه (158)

شـذرات مـن هـدي القـرآن في الـدعـاء وشـروطه وآدابه (158)

- الله تعـالى عـلـّمـنا الـدعـاء وفـتح باب الـقـبـول فنـدعـوه ونحـن مـوقـنـون بإجـابته لـدعـائـنا
- الـدعـاء إحساس مستـمـر بعـجـز العـبـد أمام قــدرات الله، وهـذا الإحساس أساس الإيمان

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالمين والصـلاة والسـلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين، وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد .. فـلا زال الـحـديث عـن الـدعـاء: والـذي يحـصل أن كـثـيراً مـن الناس قـد يمـرون عـلى تلـك الآيـات وأمـثالهـا التي وردت في الحـلـقة السـابقة، ويـقــفـون عـلى تـلك الـوعـود التي ألــزم الله عـزوجـل ذاته بـها لـعـباده الـذين طـبـقـوا أوامـره، وينـظـر فـيجـد أن هـذه الـوعـود أو أكـثـرها غـير مـنجـزة الـيـوم.
الحياة الطـيبة
فالـمسلـمـون لـيسـوا منصـورين كـما قـد وعـدهـم الله، والـظالـمـون يسـرحـون ويمـرحـون ويسـتلـبـون الحـقـوق، ولـم يهـلكهـم الله كـما قـد وعـد، وتـوعــد والـمسـلـمـون فـيهـم الكـثير ممـن لـم تـتـحـقـق لهـم الحياة الطـيبة كـما قـد وعــدهـم الله عـز وجـل كـما وعـد.
أيـها الـمـؤمـن الـتقـي لا يشـكـكـنـك في الـوعــد عـدم وقـوع الـمـوعــود وأن تعـين زمـنـه، لـئـلا يـكـون ذلك قـدحـاً في بـصيرتـك وإخـماداً لـنـور سـريـرتـك، غـير أن لأحـدنا أن يسـأل قـائـلاً: كـيـف لا أشــك في الــوعـد، وأنا أرى أمـامي الـواقـع الـمخـالـف له؟.
والجـواب هـو أن الـذي تـداخـله الــريبة في صـدق وعــود الله عـزوجـل هـو ذاك الـذي يـلاحـق دائـماً ماله مـن حـقـوق عـنـد الله، ولا يــلاحـق نـفـسه بشيء مـن الـواجـبات الـثـابـتة لله عـليه.
إنـه يـقـول مـثـلاً: هـا نحـن مـؤمنـون مسـلـمـون، مساجـدنا عـامـرة بالـمصلـين، نسـتقـبـل شـهـر رمضان بالصـيام، ونـهـرع إلى الحـج في أيامـه إذن: فـنحـن نـنـتـصـر لـدين الله، فـاين هـو نصـرالله لــنـا؟، ماله يـسـلـط عـلـينا الأعــداء مـن كل جهـة يسـتلـبـون حـقـوقـنا ويحـتـلـون أوطـاننا؟.
يـقـول هـذا مـن خـلال الـمناظــير الـمـكـبرة التي يـضـعهـا عـلى حـقـوقـه وحـقـوق الأمـة جـمـعـاء، دون أن يـتـتـبع الـواجـبات التي كلفه الله بها فـضـيعهـا مـن خـلال مـنظـار ضـعـيف واحـد.
باب الـقـبـول
واعـلـم أن الله سـبحانه وتعـالى عـلـمـنا الـدعـاء، وفـتح لعـباده باب الـقـبـول وأن نـدعـوه ونحـن مـوقـنـون بإجـابة الله لـدعـائـنا، ولـدعـاء مـن دعـاه شـريـطة أن يـكـون الـدعـاء في مـرضـاة الله، وعـلى العـبـد أن لا يقـنـط مـن اسـتـبـطاء إجـابة الـدعـاء، فالله هـو الـذين يـخـتار لعـبـده ما يصلحه مـن الإجـابة لـدعـائـه، وقـد يـكـون عـدم الإجـابة عـلى دعـائـه هـو الإجـابة، فالله هـو الــذي يـعـلـم فـائـدة الاجـابة في الـدنيا أو في الآخـرة.
فـما عـلـمـنا الله طـريقة الـدعـاء إلا وهـو يحـب مـن عـبـده أن يـدعـوه ويـتضرع إلـيه، لـمـا في الـدعـاء مـن الخـير والـبـركـة، قـال الله في كـتـابه العـزيـز:(.. ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..) وقال:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (الـبقـرة ـ 186).
وقـد فـتح الله باب الـدعـاء لعـباده، ومــدح الـذين يـدعـونه رغـباً ورهـباً, والله عـالـم بكل الأصـوات التي تجـأر إلـيه بالـدعـاء فـيجـيـب مـن دعـاه مالـم يكـن فـيه معـصية الله، وبما أن الـدعـاء يـعـتبر مـخ العـبادة، فـهـو محـتـاج إلى إبـراز بعـض الجـوانب لـما لهـذا الـمـوضـوع مـن الأهـمية العـظـيمـة، في مجال العـبـادات، وشـعـور العـبـد الـمـؤمـن بعــز الـربـوبـية لله، وذل الـعـبـودية لـه سـبحانه وحـده، وافــتـقـار العـبـد إلى الله في جـمـيع أحـوالـه، وشـعـوره بـذل العـبـودية لله هـو العـز للـعـبـد ، وحـسبه أن يـنسب إلى خـالـق السـمـوات والأرض، فـيقـال له: عـبـد الله.
قال الله سبحانه وتعالى في كـتابه العـزيـز:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقـرة ـ 186)، وقـال أيضـا:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غـافــر ـ 60) ما معـنى الـدعـاء؟، الـدعـاء في معـنـاه أن تـعـيـش مع الله دائـماً، لا تــتـرك ذلـك لحـظة واحـدة، كلـما أخـذتـك الغـفـلة ارجـع إلـيه واذكـره، وكلـما بعـدت عـنه فـزعــت إلـيه، وكلـما عـلا شأنـك في هـذا الكـون أحـسست بضآلـة كل ما يمكـن أن تعـطـيه هـذه الـدنيا الـفـانية للإنسان، بجانب ما يمكـن أن يعـطـيه الله سبحانه وتعالى بـدعـوة واحـدة تخـرج بكلـمة تخـرج مـن قـلـب مـؤمـن بالله مـوقـن بالإجـابة يا رب يا غـني يا مـنـعـم.
وقال أحـد العــلـمـاء، ومما حـفـظـت مـن دعـاء والـدي مـن الأدعـية، التي تـنـفـع في الحـجـب عـن الأعـداء:(اللهـم بـسر الـذات، وبـذات السـر وهـو أنـت، أنـت، هـو لا إلـه إلا أنـت، احتـجـبـت بـنـور الله، وبـنـور عـرش الله، وبـكل اسـم لله مـن عـدوي وعـدوي الله، بألـف ألـف لا حـول ولا قـوة إلا بالله، وخـتمـت عـلى نـفـسي وديـني وأهـلي وولـدي ومالي، وجـميع ما أعـطاني ربي بخـاتـم الله الـقـدوس الـمـنـيع الـذي خـتـم به أقـطـار السـماوات والأرض، حسـبنا الله ونـعـم الـوكـيـل، حسـبنا الله ونـعـم الـوكـيـل، حسـبنا الله ونـعـم الـوكـيـل) ـ (إعـلام الناس لـما وقـع للـبرامكـة مـن بني العـباس، ص: 403)، وعـن أبي جـعـفـر الخـالـدي قال: ودعـت أبا الحسن الـصغـير الـمـدني فـقـلـت له: زودني شـيئا؟، فـقال: إذا ضـاع مـنـك شيء، وأردت أن يجـمـع الله بـينـك وبـين ذلك الشيء أو ذلك الإنـسان، فـقـل:(يا جـامـع الـنـاس لـيـوم لا ريب فـيه، إن الله لا يخـلـف الـمـيـعـاد، اجـمـع بـيني وبـين كـذا وكـذا، فإن الله يجـمـع بـينـك وبـين ذلك الشيء أو ذلك الإنسـان) ـ (إعـلام الناس لما وقـع للـبرامكـة مـن بني العـباس، ص: 399).
الـدعـاء عـلاج للغـرور
إذن: فالـدعـاء هـو إحساس مستـمـر، بعـجـز العـبـد أمام قــدرات الله سبحانه وتعالى، وهـذا الإحساس هـو أساس الإيمان، وأساس قــدرات الله فـيخـرج مـن الـنفـس، الـكـبر والغـرور الـبـشـري، الـذي ابـتـلي به كـثـير مـن الـناس، ويـدخـل إلـيها الإحساس بالـقـدرة الحـقـيـقـية، والـقـيم الحـقـيقـية للإنسان، التي هي لا شيء بجانب الكـون وقــدرات الله سبحانه وتعالى، ذلك لأن الـغـرور أول مـراتـب الـمعـصية، ومـدخـل الشيـطـان إلى الـنـفـس الـبـشرية.
ولا غـرو أن هـذا الغـرور، يجعـل الـنـفـس تحـس بقـدراتها، وأنها قـادرة أن تعـمـل مـا تـريـد بـغـير عـون مـن الله وتـوفـيقه، وتعـتـمـد عـلى الـثـقـة بالـنـفـس، ولــو أن العـبــد رجـع إلى نـفـسه الأمـارة بالـسوء، وتـفـكـر في قـدراته وامـكاناته ومـن أيـن جـاءته ، لـوجـد أن كل شـيء مصـدره وأساسه مـن الله وحـده.
قال الله تعالى:(يا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانـفـطار 6 ــ 8)، بـعـد ما ظهـر لـك الحـق ووضـحـت مـعـالـه، أتـتـكـل عـلى تـلك الـقــدرات التي هـي مـوهـبة مـن الله، فالإنسان ما اغــتر إلا عـنـدما حسب أنه يستـطـيع أن يستغـني عـن الله سبحانه وتعالى، وأن يصنع قــدراته بنفـسه، وأنه يملـك مـن الـقـدرات والـقـوة، ما يجعـله في غـنى عـن عــون الله.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى