الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحب في الله (2)

الحب في الله (2)

جدير بالخلف أن يسلكوا مسلك السلف الصالح وأن نقيم مجتمعنا هذا على المحبة والوئام والسلام
من حق المسلم على أخيه في الله عزوجل الوفاء والإخلاص في محبته وصحبته

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
لقد أقام الإسلام المجتمع الإسلامي على المحب والوئام بعد أن كان الناس أعداء في شحناء وبغضاء وخصام، وقد ظهر هذا الحب العظيم في المحبة التي غرسها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين المهاجرين والأنصار، تلك المحبة التي عجزت الدنيا أن تأتي بمثلها إلا في الإسلام وبالإسلام، لقد وصلت المحبة بينهم أن يعرض الرجل التنازل عن إحدى زوجتيه بطلاقها حتى يتزوجها أخوه المهاجر.
المحبة والوئام
إنه الإيثار الذي وصف به القرآن هؤلاء الرجال ـ رضوان الله عليهم ـ وجدير بالخلف أن يسلكوا مسلك السلف الصالح، وأن نقيم مجتمعنا هذا على المحبة والوئام والسلام، وأن نخلع من نفوسنا بذور الشقاق والخصام، وليكن لنا في الحب في الله المسلك الأمثل لتحقيق هذه الغاية المباركة.
ألا هل من مشمر لهذا؟ اللهم نعم. اللهم اجعلنا متحابين متآلفين متزاورين متباذلين فيك يا أرحم الراحمين، ثم صلوا وسلموا على الشافع المشفع نبي الرحمة، فقد أمركم بذلك مولانا الرحمن، فقال عز من قائل:(إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) (الأحزاب ـ56).
إن التحابب في الله تعالى والأخوة في دينه من أعظم القربات، ولها شروط يلتحق بها المتصاحبون بالمتحابين في الله تعالى، وبالقيام بحقوقها يتقرب إلى الله زلفى، وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى، قال تعالى:(وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم و لكنّ الله ألّف بينهم) (الأنفال ـ 63).
حقوق الأخوة
من حق المسلم على أخيه في الله عزوجل الوفاء والإخلاص في محبته وصحبته، وعلامة ذلك أن تدوم المحبة، وأن يجزع من الفراق، ومن حقه أن تحسن به الظن، وأن تحمل كلامه وتصرفاته على أطيب ما يكون، ومن ذلك أن لا يكلف أخاه التواضع له، والتفقد لأحواله، والقيام بحقوقه
الوفاء والإخلاص: ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإنّ الحبّ في الله إنما يراد به ما عند الله عزّ وجلّ، فلا ينتهي بموت أخيه، قال بعضهم: قليل الوفاء بعد الوفاة، خير من كثيره في حال الحياة .. وقد جاء أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكرم عجوزاً أدخلت عليه فقيل له في ذلك، فقال:(إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان ومن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به ومن الوفاء: أن لا يتغيّر حاله مع أخيه، وإن ارتفع شأنه.
وأوصى بعض السلف ابنه فقال له: يا بنيّ لا تصحب من الناس، إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك، وإذا استغنيت عنه لم يطمع فيك، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك ومهما انقطع الوفاء بدوام المحبة، شمت به الشيطان، فإنه لا يحسد متعاونين على بر، كما يحسد متواخيين في الله و متحابين فيه، فإنه يجهد نفسه لإفساد ما بينهما، قال تعالى:(وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنّ الشيطان ينزغ بينهم) (الإسراء ـ 53) قال بعضهم: ما تواخى اثنان في الله فتفرّق بينهما، إلا بذنب يرتكبه أحدهما وكان بشر يقول: إذا قصر العبد في طاعة الله، سلبه الله من يؤنسه، وذلك لأنّ الإخوان مسلاة الهموم وعون على الدين ولذلك قال ابن المبارك: ألذّ الأشياء مجالسة الإخوان، والانقلاب إلى كفاية ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء، أن تكون شديد الجزع من المفارقة، نفور الطبع عن أسبابها.
حسن الظنّ: ومن حقوق الأخوة حسن الظنّ بأخيه: قال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظنّ فإنّ بعد الظنّ إثم) (الحجرات ـ 12)، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(إياكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث)، وإذا كان هذا مطلوب في المسلمين عامة، فيتأكّد ذلك بين المتآخين في الله عزّوجلّ ومن مناقب الإمام الشافعي ما قاله أحد تلامذته عنه الربيع بن سليمان قال:(دخلت على الشافعي وهو مريض فقلت له: قوى الله ضعفك، فقال: لو قوى ضعفي قتلني، فقلت: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير)، فينبغي أن يحمل كلام الإخوان على أحسن معانيه، وأن لا يظن بالإخوان إلا خيراً، فإن سوء الظن غيبة القلب.
التواضع: ومن حقوق الأخوة القلبية أن يتواضع لإخوانه، ويسيء الظن بنفسه فإذا رآهم خيراً من نفسه يكون هو خيراً منهم قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل وكيف ذلك؟ قال: كلهم يرى لي الفضل عليه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني قال الرسول (صلى الله عليه وسلم):(بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم).
هل من مشمّر منا لهذا الحب، ومبتغٍ إلى ذلك سبيلاً؟!، إن الحب لله أجره عظيم، فهلا أعلم بعضنا بعضاً إن كان يحبه لله حتى يحظى بهذا الأجر، إن بعضاً منا يحب أخاه في الله لكنه يتحرج من ذلك خشية أن يلقى صدوداً أو غير ذلك، لكن السلف ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا لا يتحرجون من ذلك، بل يعلمون من أحبوه بهذا الحب حتى ينالوا الأجر من الله.
وفي الآخرة، فإن الناس تغبطهم لهذا النعيم الذي هم فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أن من عباد الله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء والشهداء) قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال:(هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)، ثم قرأ:(أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس ـ 62).
واسلكوا نهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تفلحوا، وتسعدوا في الدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا ممن أحب فيك، اللهم اكتب لنا حبك وحب من يحبك، وألهمنا حبك وحب رسولك وحب المؤمنين .. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.

إلى الأعلى