السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: أَبـــْوَابُ السَّعَادَةِ
خطبة الجمعة: أَبـــْوَابُ السَّعَادَةِ

خطبة الجمعة: أَبـــْوَابُ السَّعَادَةِ

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ آثَارِ الإِيمَانِ السَّعَادَةَ وَالحُبُورَ، وَوَعَدَ مَنْ تَمَسَّكَ بِتَعَالِيمِ الإِسْلامِ الرَّاحَةَ وَالسُّرُورَ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لِلمُوَفِّينَ المُتَّقِينَ الأُنْسَ وَالاطمِئْنَانَ، وَلِلمُبْـتَعِدِينَ عَنْ هَدْيِهِ الشَّقَاءَ وَالخُسْرَانَ، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ دَاعٍ إِلَى الخَيْرِ، وَأَكْـثَرُ مُنَفِّرٍ مِنَ الشَّرِّ وَالضَّرِّ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ لَيْلاً وَنَهَارًا، وَرَاقِبُوهُ سِرًّا وَجِهَارًا؛ تَأْتِكُمُ المَسَرَّاتُ مُتَوَالِيَةً، وَتَنْزِلْ عَلَيْكُمُ الخَيْرَاتُ مُتَتَالِيَةً، ” وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ” وَاعلَمُوا – وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ – أَنَّهُ مَا مِنْ عَاقِلٍ إِلاَّ وَهُوَ يَبْحَثُ عَنِ السَّعَادَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوَفَّقُ فِي سُلُوكِ طَرِيقِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظَلُّ عُمُرَهُ بَاحِثًا عَنْهَا فِي غَيْرِ مَظَانِّهَا، وَلَيْسَتِ السَّعَادَةُ دَوَاءً نَأْخُذُهُ مِنْ صَيْدَلِيَّةٍ فَنَشْرَبُهُ ثُمَّ يَكُونُ الشِّفَاءُ، بَلْ لَهَا أُسُسٌ وَأَسْبَابٌ مَتَى مَا سَلَكَهَا الإِنْسَانُ بَلَغَهَا، وَمَتَى مَا تَنَكَّبَ طَرِيقَهَا حُرِمَهَا، وَكَمَا أَنَّ عَلَى المَرْءِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْبَابِ العِلاجِ حِينَ يَكُونُ مَرِيضًا، فَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي السَّعَادَةِ؛ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْبَابِهَا، وَأَنْ يَسْلُكَ الطَّريقِ المُوصِلَ إِلَيْهَا، بِمَعْرِفَةِ وَسَائِلِهَا وَأَرْكَانِهَا، ثُمَّ تَطْبِيقِهَا وَالعَمَلِ بِهَا، وَبِهَذَا يَنجُو مِن التَّعَاسَةِ وَالشَّقَاءِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
عَلَيْـنَا أَنْ نَعْـلَمَ أَنَّ السَّعَادَةَ تَكُونُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالشَّقَاوَةَ فِي مَعْصِيَتِهِ، وَأَنَّ مِنْ طَاعَةِ اللهِ الَّتِي بِهَا عِزَّةُ المُؤْمِنِ وَنَجَاتُهُ وَسَعَادَتُهُ؛ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ، كَيْفَ لا وَهُوَ شِعَارُ المُؤْمِنِينَ، وَقَائِدُهُمْ لِمَرْضَاةِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَالمُتَوَكِّلُ مُعْـتَمِدٌ عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي استِجْلابِ المَصَالِحِ، وَدَفْعِ المَضَارِّ مِنْ أُمُورِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، مُوقِنٌ بِأَنَّهُ لا يُعْطِي وَلا يَمْـنَعُ وَلا يَضُرُّ وَلا يَنْفَعُ سِوَاهُ؛ تَرَاهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ آخِذًا بِالأَسْبَابِ، مُتَجَنِّبًا التَّوَاكُلَ وَالتَّوَانِيَ وَالكَسَلَ، هَذَا وَإِنَّ مِنْ تَمَامِ التَّوَكُّلِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أُمِّ مُـوْسَى – عَلَيْهِ السَّلامُ – حِينَ أَلْقَتْ بِفِلْذَةِ كَبِدِهَا، وَنُورِ عَيْـنِهَا فِي المَاءِ. ” وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ” ، إِنَّ التَّوَكُّـلَ لَيُفْضِي إِلَى السَّعَادَةِ مِنْ أَوْجُهٍ عِدَّةٍ مِنْهَا: أَنَّهُ سَبَبٌ لِنَيْـلِ الأَجْرِ، وَالأَجْرُ سَبَبٌ لِلرَّاحَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجْـعَلُ اعتِمَادَكَ عَلَى اللهِ لا عَلَى النَّاسِ، فَلا يَكُونُ طَمَعُكَ بِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بَلْ بِمَا عِنْدَ رَبِّ النَّاسِ؛ فيَجْعَلُكَ مُوقِنًا أَنَّ لَكَ رَبًّا كُلَّمَا دَعَوْتَهُ أَجَابَكَ، وَإِذَا التَجَأْتَ إِلَيْهِ أَثَابَكَ، وَإِنْ نَابَكَ هَمٌّ كَشَفَهُ، أَوْ أَهَمَّـكَ حُزْنٌ أَزَالَهُ، وَمِنْهَا أَنَّ التَّوَكُّـلَ عَلَى اللهِ جَالِبٌ لِلرِّزْقِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ أَسَاسيٌّ مِنْ أَرْكَانِ السَّعَادَةِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم : ((لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)). وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلمُتَوَكِّلِ فَضْـلٌ إِلاَّ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ لَكَفَاهُ مَزِيَّةً وَشَرَفَا، قَالَ تَعَالَى: ” إن الله يحب المتوكلين ” ، وَلا شَكَّ أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تُثْمِرُ الحَيَاةَ الطَّيِّـبَةَ، وَالعَيْشَ الهَانِئَ الآمِنَ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِنَّ مِن أَهَمِّ مَا يَجْلِبُ السَّعَادَةَ أَنْ يَكُونَ المَرْءُ سَبَبًا فِي إِسْعَادِ النَّاسِ، أَلا وَإِنَّ مِنْ أَوْضَحِ صُوَرِ سَعَادَةِ الآخَرِينَ البَذْلَ والعَطَاءَ، فَفِيهِ مُتْعَةٌ لا يَعْرِفُهَا إِلاَّ مَنْ جَرَّبَهَا، وَسَعَى إِلَى تَنْفِيذِهَا وَاقِعًا عَمَلِيًّا، سَوَاءً تَعَلَّقَ العَطَاءُ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ؛ كَمُسَاعَدَةِ الفَقِيرِ بِمَالٍ، أَوْ كَانَ مَعْـنَوِيًّا، كَالصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَنُصْحِ الآخَرِينَ. وَمَنْ يَتَتَبَّعُ صُوَرَ المَعْرُوفِ، وَوَسَائِلَ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى النَّاسِ يَجِدُهَا كَثِيرَةً وَافِرَةً، يَقُولُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْـلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا دَامَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أخِيهِ))، وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي تَفْرِيجِ الكَرْبِ نُصْرَةُ المَظْلُومِ، وَالإِحْسَانُ إِلَى الجَارِ، وَكَفَالَةُ اليَتِيمِ، وَإِمْهَالُ المَدِينِ المُعْسِرِ؛ فَقَدْ حَثَّ القُرآنُ الكَرِيمُ عَلَى إِعْطَاءِ المُستَدِينِ وَقْتًا حَتَّى تَتَيَسَّرَ أُمُورُهُ، قَالَ تَعَالَى: ” وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ”
أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ:
تَتَعَدَّدُ صُوَرُ عَوْنِ الآخَرِينَ وَإِسْعَادِهِمْ وَتَتَنَوَّعُ، وَلا يَقِلُّ أَمْرُ تَعْـلِيمِ النَّاسِ أَهَمِّيَّةً عَنْ غَيْرِهِ، كَيْفَ لا؟ وَهُوَ مِنْ أَعْـظَمِ القُرُبَاتِ إِلَى اللهِ، وَمِنْ أَكْثَرِهَا إِدْخَالاً لِلسُّرُورِ عَلَى النَّاسِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم : ((تَعَلَّمُوا العِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعْـلِيمَهُ لِمَنْ لا يَعْـلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ العِلْمَ لَيَنْزِلُ بِصَاحِبِهِ مَنْزِلَةَ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، وَالعِلْمُ زَيْنٌ لأَهْـلِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))، وَتَعْـلِيمُ النَّاسِ فِيهِ الخَيْرُ وَالأَجْرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّعْـلِيمُ مُتَعَلِّـقًا بِعِلْمٍ مِنْ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، أَمْ أَيِّ عِلْمٍ آخَرَ مُفِيدٍ؛ كَالطِّبِّ، وَالصِّنَاعَاتِ، وَالزِّرَاعَةِ، وَالحِرَفِ وَغَيْرِهَا ” قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ”
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَأَيقِنُوا أَنَّ السَّعَادَةَ الحَقِيقِيةَ فِي القُرْبِ مِنَ الوَاحِدِ الأَحَدِ، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِهِ، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَكُونُوا عَوْنًا لِعِبَادِهِ، تَسْعَدُوا فِي دُنْيَاكُمْ وَيَوْمَ مَثُوبَتِهِ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ سَعَادَةَ المَرْءِ فِي الإِيمَانِ، وَوَعَدَ المُعْرِضَ عَنْهُ بِالشَّقَاءِ وَالخُسْرَانِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَقْرَبُ النَّاسِ إِلى اللهِ، وأَسْعَدُهُمْ فِي الحَيَاةِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطْهَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى دَارِ القَرَارِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُسْرَانًا، مَنْ يَظُنُّ أَنَّ بِإِمْـكَانِهِ أَنْ يَجِدَ فِي قَلْبِهِ رَاحَةً، وَفِي حَيَاتِهِ سَعَادَةً، وَهُوَ لا يَمْـلِكُ قَلْبًا سَلِيمًا مِنَ الأَضْغَانِ وَالأَحْـقَادِ، ” يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم “؛ لِذَا لَزِمَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى طَهَارَةِ قَلْبِهِ مِنَ الأَمْرَاضِ، مِنْ كِبْرٍ وَغِلٍّ وَحَسَدٍ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ صَفَاءَ القَلْبِ وَنَقَاءَ السَّرِيرَةِ مِنْ سِمَاتِ أَهْـلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ وَصَفَ اللهُ حَالَهُمْ بِقَوْلِهِ: ” وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” ، وَلا أَسْعَدَ – يَا عِبَادَ اللهِ – مِنْ إِنْسَانٍ يُحِبُّ الخَيْرَ لِعِبَادِ اللهِ، وَيَفْرَحُ لِفَرَحِهِمْ، وَلا أَتْعَسَ مِمَّنْ يَحْسُدُ غَيْرَهُ، وَيَتَمَنَّى أَنْ تَزُولَ عَنْهُ نِعْمَتُهُ، -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- فَإِنَّ الأَوَّلَ يَعِيشُ هَانِئَ البَالِ مُطْمَئِنًّا بِمَا رَآهُ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى غَيْرِهِ، أَمَّا الحَاسِدُ فَإِنَّهُ يَكَادُ يَذُوبُ حَسْرَةً وَكَمَدًا عَلَى مَا وَهَبَ اللهُ غَيْرَهُ، وَشَتَّانَ بَيْنَ نَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ رَاضِيَةٍ بِقَضَاءِ اللهِ، وَسَعِيدَةٍ بِفَضْـلِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَأُخْرَى لا يَهْـنَأُ لَهَا بَالٌ، وَلا يَقِرُّ لَهَا قَرَارٌ إِلاَّ أَنْ تَرَى النِّعَمَ عَنْ غَيْرِهَا زَائِلَةً. مِنْ ثَمَّ كَانَ أَوَّلُ المُستَفِيدِينَ مِنْ إِسْعَادِ الآخَرِينَ هُمُ المُسْعِدِينَ أَنْفُسَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَزْرَعُونَ فِي قَلْبِهِمْ أُنْسًا، وَفِي نُفُوسِهِمُ انشِرَاحًا، فَهُمْ يَجْـنُونَ ثَمَرَةَ جُهْدِهِمْ عَاجِلاً، يَتَفَيَّؤُونَ ظِلالَ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ خَيْرٍ، وَيَجْـنُونَ أُكُلَ مَا أَسْعَدُوا بِهِ غَيْرَهُمْ، ” مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ”
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، أَحِبُّوا الخَيْرَ لِغَيْرِكُمْ كَمَا تُحِبُّونَهُ لأَنْفُسِكُمْ، كُونُوا يَدًا وَاحِدَةً فِي سَبِيلِ سَعَادَتِكُمْ، اتَّحِدُوا وَتَكَاتَفُوا، بِهَذَا يَقْوَى إِيمَانُكُمْ، وَيُبْـنَى وَطَنُكُمْ؛ وَتَسْعَدُ أَنْفُسُكُمْ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: : ” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ”

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ”

إلى الأعلى