السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / 
من مهرجانات الكرم والتسول العراقي


من مهرجانات الكرم والتسول العراقي

عادل سعد

”لقد كنت أحد المدعوين إلى حضور حفل استذكاري لمسيرة منظمة خيرية دولية مضى على تأسيسها أكثر من ربع قرن، وبالعادة العربية المعروفة في المديح والإطناب وفروض التسويق الشخصي، وعلى أنغام رقصات تراثية عريقة لمكونات عراقية أصابها الضيم والقهر الاجتماعي تقدم أصحاب الحفل يغذون مسامع الحاضرين وعيونهم بصور ناطقة لأطفال بائسين ونساء كن بمثابة عناوين للخوف والفاقه والعزل، ومسنين مرضى أوجعهم مصاب العراق.”

من الوصايا الصحراوية الراسخة التي تستحق أن تكون مفتاحًا لدليل حياتي لا غنى لنا عنه (اسمعني اليوم وغدًا أدلك على المكان بدقة)، ولأن بيئتنا السياسية في العراق وفي عدد من البلدان العربية تكابد مناخات صحراوية تمتلك مساحات واسعة من الجفاف الحقوقي وإعلانات فاضحة للعطش الإنساني وأفخاخ سراب ينطلي علينا خداعه، ولأننا أيضًا أصحاب بدع لا حدود لها في تصنيع أنواع لا تحصى من الطلاء المبهر للعين في النظرة الأولى المجردة، ولأن المواقف لدينا في أغلبها نحاسية لامعة مع الادعاء أنها ذهب خالص تيزابي العيار، أقول لأننا كل ذلك فلا مجال لنا إلا إعمال الصحيح بالقرع المستمر ضمن إيقاع تلك الوصية الصحراوية، وعلى نتائجها تكون فرصة الوصول إلى الموقف اللازم قد تحقق عنها.
لقد كنت أحد المدعوين إلى حضور حفل استذكاري لمسيرة منظمة خيرية دولية مضى على تأسيسها أكثر من ربع قرن، وبالعادة العربية المعروفة في المديح والإطناب وفروض التسويق الشخصي، وعلى أنغام رقصات تراثية عريقة لمكونات عراقية أصابها الضيم والقهر الاجتماعي تقدم أصحاب الحفل يغذون مسامع الحاضرين وعيونهم بصور ناطقة لأطفال بائسين ونساء كن بمثابة عناوين للخوف والفاقه والعزل، ومسنين مرضى أوجعهم مصاب العراق، وأمام كل واحد منهم سلة غذائية أو كان أمام طبيب يفحصه، أو في صف دراسي من صفوف مكافحة الأمية مع الحرص على إظهار ملابسهم الرثة والأواني القديمة في منازلهم التي يجلجلها السخام.
المشكلة ليست في هذه المشاهد الملفقة جزئيًّا لتسويق نبل وكرم تلك المنظمة، بل المشكلة أن هناك من يسعى لتوظيف عوائل للمسكنة الكاملة، مع هوامش أن كل ما يجري بسبب الحكومات المتعاقبة، وأنه لا أمل إلا في شركات تعطي هامشًا من ربحها لتصحيح أوضاع العراق، مع ملاحظة أن أغلب تلك الشركات تتحايل على القوانين الحكومية من أجل الامتناع من تسديد ما عليها من رسوم أو ضرائب، بل إنها قد ساهمت إلى حد ما في إفساد موظفين حكوميين من أجل تأجيل بعض هذه الدفوعات المالية المستحقة عليها، وهكذا تتواصل لعبة النفاق والتورط وانطلاء الأكاذيب.
الحالة في هذه التوجهات أنها أصبحت جزءًا من الواقع العراقي يصطف عليها سياسيون وإعلاميون، بل ونخب ثقافية باعت أقلامها من أجل مكاسب شخصية، وبذلك (تساوى) الخبراء والجهلة والإشراف واللصوص في زحمة لزوجة اجتماعية، لذلك لا يمكن أن تستغرب أن يظهر أحدهم على صفحات الإعلام ليتهم هذا الطرف السياسي أو ذاك بأنه وراء المصيبة، ولا تستبعد أن يتولى لصوص أدمنوا السرقة مسؤولية مؤسسات ولجان وجمعيات يوزعون أفضالهم على بلادهم ضمن جوقة من الاحتفالات في مواسم متكررة من الكرم والتسول.
وبمقابل ذلك هناك وصايا أخرى لا علاقة لها بتلك التوصية الصحراوية، أعني وصايا يلتقطها البعض من القراءة الريعية، إذ يمضون وقتهم في بعض دول الجوار العراقي يتمشغلون في الشؤون السياسية، يعقدون ندوات أو مؤتمرات وورش عمل يضعون في أولوياتها مهاجمة الأوضاع العراقية السائدة يتبارون في إطلاق الحسرات على البلاد، ولكن على حين غرة تجدهم يكيلون المديح للحكومة العراقية ويشيدون بإصلاحاتها، ويتبين من كل هذا الانقلاب في المواقف أن الهدف العودة إلى بغداد لاقتناص مشروع استثماري، أو استلام مبالغ ضمن الهبات التي درجت الرئاسات الثلاث على إطلاقها (لتحسين حالة) المنتسبين لها، نوابًا ووزراء ومستشارين ومديرين عامين أو من الرهط الوظيفي الأدنى.
إن أكثر ما أخشاه وأنا محق في ذلك لأسباب (لوجستية) أن يعلن صاحب وصية صحراوية عن جزعه، ويطلب إعفاءه من هذه المهمة، وتلك مصيبة المصائب؟

إلى الأعلى