الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قصة مدينة

قصة مدينة

أ.د. محمد الدعمي

لو واصل المرء استعراض تاريخ هذه المدينة العشوائية، فإنه لابد أن يلاحظ تقلبات أسماء هذه المدينة، وهي الأسماء التي عكست متغيرات تاريخ العراق السياسي المعاصر، أي التاريخ الذي اختزل الطبيعة المتقلبة لما سمي “بالنهضة” في الشرق الأوسط.

ربما لم تكن مفارقات عالم الشرق الأوسط أكثر كشفًا لمكنونها المتقلب والمأساوي من التاريخ القصير لمدينة “الثورة”، وهي من مدن ضواحي بغداد المتعددة. تضخمت هذه المنطقة السكنية بسرعة درجة صيرورتها مدينة مستقلة بذاتها، علمًا أن تاريخها يشكل فصلًا مهمًّا من تاريخ العراق بأسره بسبب تأثيرها على بغداد. بدأ هذا التجمع السكاني، جيبًا نائيًا، اتخذه الفلاحون الهاربون من أراضي وظلم الإقطاعيين مستقرًّا عشوائيًّا لهم. جسد هذا “الموضع” نصف الحضري ونصف الريفي العشوائي القصة المأساوية لآلاف الفلاحين وعوائلهم الذين استقروا أولًا في البرية المفتوحة خارج بغداد أواسط القرن العشرين. وكما فعل أجدادهم السومريون والأكديون، راح هؤلاء الفلاحون المتمردون يبنون فضاءات سكن متواضعة من الطين المجفف أو المشوي لحماية أنفسهم من التقلبات الحادة في درجات الحرارة بين الساخنة والباردة، التي اشتهر بها مناخ العراق. استقرت النسوة في هذه “المساكن” الأمينة افتراضيًّا للطهي والعناية بالأطفال ولتربية بعض الحيوانات الداجنة التي يحتفظون بها لغذائهم وللتسويق أحيانا. أما الرجال، شيوخًا وشبانًا، فقد كانوا يتجشمون عناء “الارتحال” إلى مركز بغداد، ذي الكثافة السكانية العالية، للكدح، حمالين أو عمالًا أو عمال حدائق أو موزعين للحليب ومشتقاته أو باعة شاي، من بين سواها من الأشغال التي لا تتطلب سوى قوة العمل.
عندما سقط النظام الملكي (14 تموز 1958)، دشن تاريخ العراق الحديث فصلًا جديدًا، متتبعًا خطى الضباط الأحرار في مصر. وقد أعلن القائد العسكري الجديد، الزعيم عبدالكريم قاسم، أن الثورة قد خططت ونفذت من قبل خلية من “الضباط الأحرار” لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية ومن المستفيدين من “أعوانها”، بعد أن بدأت قبل نصف قرن من التاريخ أعلاه. وهكذا، فقد حلفاء النظام الملكي البرجوازيون، خاصة ملاكي الأراضي الكبيرة والتجار الحضريين امتيازاتهم. كان من المفترض أن ينهي هذا التغيير ملكيات الأراضي الزراعية الكبيرة (التي سميت بالإقطاع، خطًّا) لأن الأراضي التي صودرت من الملاكين قسمت ثم وزعت على الفلاحين الفقراء. وإذا كان هذا الإجراء الجذري الذي أطلق عليه قانون “الإصلاح الزراعي”، هو الذي تمت بموجبه مصادرة وتجزئة الأراضي الخصبة لتوزيعها على الفلاحين، فإن هذا التغيير كان وراء خلق قيم اجتماعية جديدة عدت الفلاحين الفارين من كدحهم تحت نير الإقطاع قبل “الثورة”، نوعًا من الثوريين المكافحين الذين يستحقون التقدير لرفضهم “الثوري” الانصياع لسلطة الإقطاع.
من هنا جاء اسم “الثورة” الذي أطلق على تلك المنطقة السكنية العشوائية التي راحت تمتد خارج بغداد حيث لجأ الفلاحون وعوائلهم واستقروا في بداية الأمر. هكذا اعترف “النظام الثوري” الجديد بهذا التجمع السكاني ومنحه الشرعية. والحق، فقد قدر لمستعمرة الطين التي بناها الفارون من ظلم الإقطاع أن تلعب دورًا تشكيليًّا في المجتمع والاقتصاد ومن ثم في أحوال العراق عامة، ليس فقط لأنها منجم معطاء لقوة العمل الرخيصة، ولكن كذلك لأنها كتلة سكانية كبيرة يمكن أن تمتطي سياسة بغداد بعد أن بقيت تتوسع، جغرافيًّا وسكانيًّا لعقود.
لو واصل المرء استعراض تاريخ هذه المدينة العشوائية، فإنه لابد أن يلاحظ تقلبات أسماء هذه المدينة، وهي الأسماء التي عكست متغيرات تاريخ العراق السياسي المعاصر، أي التاريخ الذي اختزل الطبيعة المتقلبة لما سمي “بالنهضة” في الشرق الأوسط. أطلق اسم مدينة “الثورة” على مستعمرة الطين هذه في البداية، بوصفها من نتاجات التمرد ضد الملاكين الذين ضعف تأثيرهم ثم انتهى جزئيًّا بفعل ثورة 14 تموز/يوليو 1958 المشار إليها أعلاه. بعد عقود، ومع “اكتشاف” الرئيس السابق صدام حسين، أهمية هذه المدينة، منجمًا وموّلدًا لأنشطة تمرد واحتجاج سكانية هائلة بعد حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، فإنه أمر بحملة إعمار شاملة لتهدئة سكانها ولمغازلة عواطفهم الدينية، مانحًا المدينة اسمًا جديدًا، هو اسمه الشخصي. وهكذا ظهرت المدينة من جديد بعنوان “مدينة صدام” بدعوى أنه الاسم الذي انتقاه سكانها لمدينتهم (حوالي مليوني نسمة آنذاك). وبعد مرور عدد من السنوات، ومع الغزو الأميركي للعراق (2003)، أطلق سكان هذه المدينة العنان لمعاناتهم وشكواهم وعواطفهم الدينية ضد ضغط النظام السابق عليهم وعلى حركاتهم السياسية من خلال اختيار اسم جديد للمدينة، اسم يتلاءم مع المتغيرات الجديدة. وهكذا قدمت هذه المدينة الفقيرة نفسها من جديد باسم “مدينة الصدر”، تيمنًا برجل دين كان قد أغتيل مع اثنين من أبنائه من قبل البوليس السري على سنوات العهد السابق.

إلى الأعلى