الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نحو مدينة سعيدة متسامحة 3-3

نحو مدينة سعيدة متسامحة 3-3

الوعي التاريخي بعلاقة العمران بحياة الرفاه: المدينة السعيدة
البحث عن “الحياة الجيدة” بدأ مبكرا مع الفلاسفة والمفكرين اليونان واستمر عبر التاريخ حتى اليوم. فهذا ارسطو يربط بين مقومات قيام الدولة وبين مقومات حياة الرفاه إذ يقول:”تقوم الدول وتتأسس على مقومات الحياة الأساسية، وتستمر في الوجود سعيا وراء حياة الرفاه”. وقد تمظهرت مقومات الدولة كما يراها الفلاسفة اليونان سعيا نحو ما عرف “بالمدينة الفاضلة” في عدة مستويات منها اجتماعي، حيث هناك “عقد اجتماعي” يتأسس بين الفرد وبين المجموع في الدولة بحيث يعطي الفرد جزءا من حريته الخاصة في سبيل مجموعة من الأنظمة والسلوكيات الاجتماعية التي تفرضها قوانين المجتمع مما يتيح تطوير حياة المجتمع. ومنذ تلك اللحظة التي يتأسس فيها مثل هذا العقد الاجتماعي بين الفرد وبين المجتمع أو الدولة بقوانينها، تنطلق مسيرة البحث سعيا وراء “الحياة الجيدة” كما يصفها فلاسفة اليونان – أو حياة الرفاه أو الحياة السعيدة بالمدينة. ولا يخلو هذا التصور المثالي بالطبع من إرهاصات عديدة منها اجتماعي وسياسي واقتصادي وبيئي (وهي محاور تطرقنا لها في المساحتين السابقتين من مداخلتنا هذه) والتي قد تحول في العديد من المدن الكبرى العالمية دون تحقيق هذا المأرب الإنساني الأزلي بمحاولة السعي نحو “مجتمع فاضل” لبيئة مريحة وحياة رغيدة سعيدة، في مجتمع يتأسس العقد الاجتماعي فيه ويتمحور حول قوانينه ويتيح لأفراده أن يكونوا متسامحين مع بعضهم ومع فئات الأقليات بين ظهرانيهم في نفس الوقت.
ويشهد التاريخ البشري على مجموعة متنوعة من أنظمة الحكم التي اجتهدت لخدمة مصالح مجموعات من المواطنين سعيا نحو حياة الرفاه وتوفير البيئة المريحة والسعيدة. ومن هنا تمحورت أطروحات الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ، وبخاصة لدى قدماء اليونان رغم انه لم يتوقف عندهم بل استمر لليوم، بحثا نحو نوع متطور من النظام الاجتماعي ذي البعد الواقعي، من خلال الأنماط المختلفة للأنظمة السياسية وتطبيقاتها العملية.

تطبيقات المدينة الفاضلة على “الواقع الفيزيائي للمدينة”
بعض المفكرين الذين سعوا وراء فكرة المدينة الفاضلة، قرنوا سعيهم وراء المجتمع الفاضل بمحاولة توصيف النظام التخطيطي الفراغي للمدينة للمجتمعات التي تمخضت عنها نظرياتهم الفلسفية. وهؤلاء المفكرين اعتبروا قوانين النسيج الحسي للمدينة ليس فقط كتعبير عملي عن “التصميم المثالي”، ولكن كأداة أساسية وكمحدد لتطبيق النظريات الاجتماعية على ارض الواقع، أو كأحد التمظهرات المثالية للمستوطنات البشرية للمجتمع الطوباوي. ولذلك فإن توق هؤلاء الفلاسفة والمفكرين للدولة الطوباوية جاء متساوقا ومنسوجا مع تجربة إنشاء المستوطنات المثالية.
فالفلاسفة ورجال الدولة حاولوا إيجاد تصور للمجتمعات الطوباوية واجتهدوا لوضع تصورات لأنماطها الحسية المتطورة. وبالمقابل اجتهد المعماريون والمخططون وحتى الفنانين لوضع تصوراتهم للمدن المثالية وحاولوا وصف نسيجها الحسي التخطيطي. ولكن بنفس مقدار سعي مفكري الطوباوية الاجتماعية لتحقيق عالم يجمع بين توازن نظام اجتماعي واضح، كذلك سعى الميالون للمثالية لايجاد نظام هندسي مثالي قادر لمجتمع طوباوي بخاصيتين تخدمان غرضين مختلفين، وهما المثالية الجمالية والطوباوية الاجتماعية.
أما المثالية الجمالية فتقبل النظام الاجتماعي القائم او المقترح وتطمح لتعزيزه وابرازه من خلال التصميم البصري المنظم للبيئات الحسية المبنية. ومن الملاحظ ان تصور المدينة المثالية يتمحور حول وضع “ثابت”، وهو تصور يحاول تحويل المدينة الى قطعة مثالية فنية كاملة، أو بكلمات أخرى لتجميد الزمن، من اجل منع عزم التطور او النماء – وبكلمات أخرى، تحويل المدينة الى صورة لا يمكن تغييرها.
وبما ان الطوباوية هي حالة بلوغ نهائية، فإنها تبعا لذلك لا تخضع للتغيير، أو للزيادة أو النقصان. ولذلك فإنها تمثل طريقة حياة مستحيلة في عالم متغير ومتحرك يجمع بين الاختراعات واكتشاف طرائق جديدة، إضافة الى طموحات خلاقة لانهائية ولا يمكن اشباعها. وانطلاقا من ذلك فإن المحاولات التاريخية لتحقيق مخططات وتصورات حسية للمدينة الطوباوية على ارض الواقع. كل هذه التصورات إما اخترقت محددات وأطر الطوباوية، حسيا وذهنيا، أو انها تلاشت واختفت. فالطوباوية كما يشير (Colin Rowe) تصبح عرضة للتجاذبات والنقص كلما أصبحت مقبولة اكثر.

العلاقة بين المحسوس واللامحسوس
والسؤال الجوهري الذي تطرحه هذه المقاربات النظرية هو: كيف يمكن قياس اللامحسوس من خلال المحسوس؟ وبكلمات أخرى، هل هناك معايير لقياس حالات نفسية متغيرة ومعيارية (غير موضوعية وخاصة ومتغيرة بين الافراد بحسب حالات نفسية وعمرية واجتماعية واقتصادية) من خلال الواقع الحسي للبيئة المبنية؟ الإجابة المباشرة تبدو في استحالة قياس هذه اللامحسوسات في البيئات المحسوسة، لكن في نفس الوقت تبدو الإجابة ممكنة إذا اعتبرنا ان البيئة المبنية المخططة جيدا تسهم في رفع الحالة النفسية ومقدار الرفاه والسعادة لسكانها مقابل البيئات العشوائية أو الفقيرة تخطيطيا. وهو ما اجتهدت المساحتان السابقتان في الإشارة اليه على اكثر من مستوى، تخطيطي واجتماعي ونفسي وصحي.
ولذلك فالبيئة والمدينة السعيدة والمتسامحة اجتماعية ممكن تحقيقها انطلاقا من القدرة على رفع مستوى البيئة المبنية على المستويات المذكورة. ومن هنا يمكن إدراج مجموعة من النقاط والتوصيات والنتائج لجعل المدينة صحية سعيدة ومتسامحة والتقليل من الأخطار البيئية التي تؤثر على صحة البيئة والأفراد والقاطنين بها، وهذه التوصيات يمكن إدراجها ضمن النقاط التالية:
أولا – على المستوى البيئي:
ضرورة زيادة المساحات الخضراء والمتنفسات الطبيعية. وقد شارك بالمؤتمر مختصون بتنسيق الحدائق منهم الدكتور ماهر والدكتورة ليلى ستينو. وتم عرض الكثير من مشروعات تنسيق الحدائق كحالات دراسية مهمة في هذا الاطار. فوائد المساحات الخضراء داخل المدن، عدا عن النواحي الجمالية، متعددة منها: امتصاص كميات المطر ومنع الفيضانات، تقليص مستوى التلوث الصوتي، وتعمل كمنقيات للهواء، كذلك تعمل كمصدر للغذاء من خلال الأشجار المثمرة كالفاكهة وغيرها، عدا عن كونها مناطق جذب سياحي داخلي وخارجي وكمناطق ترفيهية للعائلة وملاعب ومتنفسات بعيدا عن اكتظاظ المدينة.
ثانيا – على المستوى الإستراتيجي والتخطيطي:
اعتماد تطوير نظام المدن الصحية، وهذا يتطلب منهجية متطورة تواكب احتياجات المدن الوظيفية والبيئية واعتماد نظم تخطيط وتصميم صديقة للبيئة وتراعي صحة الأفراد والقاطنين ولرفع التوقعات العمرية للسكان وزيادة الرفاه الإجتماعي واعتماد الطب الوقائي، وهذا النظام التخطيطي يكون بتبني مفاهيم “مدينة الرفاه”. ان مفهوم مدينة الرفاه يتلخص على المستوى الصحي الترفيهي في توفير بيئة نظيفة وصحية، خلو المدينة من التلوث الهوائي والمواد الكيماوية السامة من مخلفات الصناعة ومنتجاتها. وتوفير حرية الحركة، تقليص الضغوطات النفسية التي تفرزها المدينة الحديثة التي تؤثر في صحة الأفراد النفسية. وسهولة الوصول للمتنزهات والمناطق الخضراء العامة. توفير ظروف ملائمة لمتجاورات سكنية متكافئة وداعمة، وتقليل الظروف التي تؤدي للشعور بعدم الأمان وانعدام الثقة بالنفس إلى الحد الإدنى الممكن.
ثالثا – على المستوى العلمي والتكنولوجي:
باعتماد منهجيات علمية معاصرة في التعامل مع قضايا البيئة والتلوث والطاقة، يمكن استشراف مجموعة من الدراسات العلمية والتكنولوجية بالإعتماد على الطاقة الشمسية، فالإعتماد على الفحم المتجمع في القشرة الأرضية والغازات والبترول حاليا يرفع نسبة غازات ثاني أكسيد الكربون المتركز في طبقات الجو العليا بمقدار عشرة أضعاف مقارنة بضعفين فقط حاليا،. وباستعمال طاقة جديدة غير ملوثة للجو، تطوير استعمال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتي من المهم استعمالها ليس فقط في البلدان المتقدمة ولكن على مستوى العالم أجمع وفي الدول النامية.
وتقود ولاية كاليفورنيا العالم في انتاج الطاقة المولدة من طاقة الرياح، وتحوي بعض محطات الطاقة التي تعتمد الرياح على أكثر من 10 آلاف طاحونة هوائية لكل محطة، وتنتج الطاقة الكهربائية بأسعار زهيدة تضاهي أسعار الطاقة التقليدية باعتماد الفحم. ويعتقد بأن الكثير من مدن العالم يمكنها تأمين أكثر من 20% من احتياجاتها من الكهرباء من خلال محطات الطواحين الهوائية، وتطور بعض بلدان العالم الصناعي مثل اليابان تكنولوجيا الطاقة الشمسية التي يمكن استخدامها على أسطح المنازل وهي عبارة عن بلاطات عاكسة شمسية تنتج الكهرباء محليا للبيوت مباشرة.
رابعا – على مستوى المواصلات وتخطيط المدينة:
ضرورة التعامل مع مشاكل المواصلات والوقود وتخطيط المدينة بأسس التقليل من شبكة الشوارع في وسط المدينة وزيادة الإعتماد على شبكات طرق المشاة مما يحفز الحركة والمشي ويقلل الإعتماد على السيارة مما له أثر فعال وكبير في رفع مستويات اللياقة البدنية وحرق السعرات الحرارية والشحم في الجسم وتقليل كميات الكوليسترول الضار.
السيارة والمدينة – مشاكل وحلول
في العالم الصناعي ظهرت الحاجة للمزيد من الطرق لتلبية احتياجاتها وتمددها، لكن هذا الإنشاء المتزايد للطرق رافقه ملؤها بالسيارات. وتتزايد الإزدحامات المرورية نظرا للإعتماد على السيارات، ففي كاليفورنيا هناك طرق متسعة في كل مكان من الولاية لكن الأزمات المرورية شائعة أيضا لاعتماد أكثر من 90% من السكان على سيارات خاصة لتنقلاتهم. في لوس انجلوس تحتل الطرق ومواقف السيارات ثلثي المساحة المبنية بالمدينة، ولتقليل الأعتماد على السيارة لا بد من توفير بدائل النقل العام الفاعلة، مدينة لوس أنجلوس والتي تسجل كأكثر مدينة في العالم قاطبة من حيث عدد مالكي السيارات، أصدرت مجموعة من الضوابط لتحديد استعمال السيارات وتقليل تلوث الهواء وتحسين وسائط النقل الجماعي وأنظمتها.
في العام 2000 أصبحت أكثر من 40% من وسائط نقل الركاب وحوالي 70% من وسائط نقل البضائع تعتمد تكنولوجيا “نفث ضئيلة” باستخدام الميثانول ووسائل النقل الكهربائية، وتعتمد وسائط نقل تعمل بالكهرباء في بريطانيا حديثا بطرح أول سيارة كهربائية بالأسواق وتشجيع استعمالها للتحول من السيارات التي تعمل بالبنزين. ويتوقع مزيد من التحول من الإعتماد على البترول بانتاج سيارات تعمل بالهيدروجين والطاقة الشمسية في المستقبل القريب، وقد كانت سويسرا من أول الدول لتطوير السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية، فمنذ منتصف الثمانينيات بدأت سويسرا تنظم سباقات للسيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية، والتي كان لها دور مهم في تشجيع تطوير السيارات في هذا المجال.
وبالإضافة لمشكلات التلوث فيما يخص السيارة فقد عزلت الشوارع التي تسير بها السيارات بسرعة عالية المناطق الحضرية المحيطة بها واعتدت على الأحيزة الفراغية للمشاة مما تطلب تدخلا لتلطيف سرعات السيارة وتقليلها في المناطق المزدحمة إلى حد المشي العادي وبخاصة في الشوارع الوسطية للمدينة.
وقد أظهر استفتاء شعبي أجري في امستردام بهولندا رغبة المواطنين في منع 35 ألف سيارة التي تدخل يوميا لوسط المدينة من أجل تفعيل وسط مدينة خال من السيارة لصالح المشاة، وبرغم أن هذا الإستفتاء لم يكن ملزما إلا أنه كان معبرا عن رأي الأغلبية، وهذا كان الحال في مدينة ستراسبورغ والتي منعت السيارات من دخول منطقة الوسط بها، وبمقابل منع السيارة من دخول مراكز المدن فهناك توجهات مؤسسية لإدخال الترام الكهربائي والذي يسمح بحرية أكبر للمشاة وكذلك للدراجات. وتشكل عودة الترام كوسيلة مواصلات لترشيد استهلاك الطاقة في الكثير من المدن المعاصرة لتحل محل الوسائل التي تنفث بملوثات الهواء في فضاءاتها مما حدا بالعديد من المؤسسات العالمية مراجعة سياسات ووسائل المواصلات بمدنها.
ان تقليل استهلاك الوقود وبالتالي التلوث المنبعث من عوادم السيارات شكل أولوية مهمة في إطار التغير المناخي وطبقة الأوزون الذي نشأ كمشكلة خطيرة يعاني منها العالم مؤخرا. وتخطيط المدينة السليم والفعال لتقريب مسافات التنقل للفئات السكانية هو حيوي ومهم لشكل المدينة وترشيد استخدام الطاقة بها. وتخطيط مدن بها مناطق شبه مكتفية ذاتيا يتواجد بها مكان السكن بالقرب من مكان العمل. واعتماد مخططات حضرية نماذج تتقارب بها البيوت مع المدارس ومكان العمل والمتاجر وأماكن الترفيه لتقليل الإعتماد على وسائط النقل الآلية والوقود من جهة ولتشجيع المشي أو قيادة الدراجات وتنشيط الرياضة الفردية نحو صحة أفضل للمجتمع. واستعمال الدراجات للتنقل في العالم ضعف عدد السيارات ويبلغ حوالي 800 مليون دراجة، والتي تستعمل بكثرة في مدن العالم النامية.
وهناك توجهات معاصرة لتطوير وتفعيل استخدام المباني الصديقة للبيئة والتي تعمل على توفير الطاقة، وذلك في مواجهة أخطار تلوث الهواء والمشكلات النووية التي بدأت تطفو على السطح في السياسة والعلاقات الدولية. واعتماد مخططات واعية لمخاطر التلوث وبخاصة مشكلات التخلص من القمامة وإعادة التصنيع والتي باتت تأخذ طابعا أكثر تعقيدا. وثمة حاجة للتفكير جديا في طرق ووسائل وآليات لإعادة التصنيع (recycling) وانتاج مواد مصنعة يسهل التخلص منها. وقد أظهرت بعض المدن فعالية في مجال إعادة الإستخدام وإعادة الإستعمال (reuse).
وبدون شك فإن مؤتمر عجمان التخطيطي يطرح قضايا تهم المدينة المعاصرة، وكانت هذه النسخة الثامنة بموضوعها “نحو مدن سعيدة لشعوب متسامحة” متساوقا مع ما تعيشه المدينة المعاصرة وتحتاجه فضلا عن توجه حكومي نحو إعلاء شأن موضوع الرفاه بالمدينة باستحداث وزارة السعادة بدولة الامارات العربية المتحدة. وما هذه الأفكار التي جاءت بها هذه المقالات الثلاثة إلا على طريق وضع تساؤلات، لا إجابات، وهي كلها تستحق البحث وتظل برسم التطوير والتحليل ومزيد من الأبحاث الموضوعية الجادة. نحو تحقيق حلم الإنسانية سعيا وراء مدن سعيدة لشعوب متسامحة، في عالم معاصر مضطرب، بات احوج ما يكون لاعادة ترسيم اتجاه البوصلة من اجل إرساء قيم الفضيلة والعدالة والتسامح. وكل “عامين” ومؤتمر عجمان الدولي للتخطيط العمراني، وانتم، بسعادة وبخير.

د. وليد احمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
sayyedw14@gmail.com

إلى الأعلى