الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “دقة قديمة”

“دقة قديمة”

أ.د. محمد الدعمي

”عندما عملت استاذاً، ثم عميداً في إحدى الدول العربية الشقيقة جاءني طالب عربي، وفتح قلبه لي وعندما سألته: لماذا لم يرسلوك للدراسة في بريطانيا، فأجاب قائلاً بأننا نأتي إلى الجامعات الأردنية أو السورية أو العراقية أو المصرية لأننا من ابناء الأسر غير الميسورة، فلا تتحمل مدخولات عائلاتنا الإنفاق علينا في تلك الدول “الغالية”!”
ـــــــــــــــــــــ
للمرء أن يوجه سؤالاً واضح المعالم ولا لبس فيه إلى ثلاث فئات اجتماعية مهمة في دول الشرق الأوسط، هي: (1) أولي الأمر، و (2) القيادات الجامعية، و (3) النخب الثقافية، زيادة على سواد الناس المتابعين والمهتمين بالظاهرة التي سنرصدها في أدناه. منطوق السؤال هو: ما الذي يعنيه فتح “فروع” لجامعات أو كليات أميركية وأوروبية في دول هذا الإقليم؟
إذا كان المسؤولون عن هذه “التقليعة” ينتشون “بإنجازات” من هذا النوع الساذج، فإن عليهم مراجعة أنفسهم بقدر تعلق الأمر على ما تنطوي عليه هذه الظاهرة الغريبة التي تستدعي التندر، احياناً.
من منظور أول، تنطوي هذه “المنجزات” المتجسدة بالذهاب إلى هارفرد أو أوكسفورد لطلب فتح فرع في هذه المدينة الشرق أوسطية أو تلك، نقول تنطوي على “إبطال” مطلق للجامعات والكليات الوطنية التي بناها الجيل السابق من أولي الأمر. وبكلمات أخرى، يعني فتح جامعة أميركية او فرنسية أو بريطانية (وليس يابانية أو صينية، بطبيعة الحال) على أن الجامعات الوطنية قد أخفقت في تحقيق أهدافها؛ أو أنها لا تستحق أن تبقى ما دام يوجد هناك أميركان وبريطانيون؛ وما دام فائض أموال واردات بيع النفط أو سواه من الثروات الوطنية يكفي لهدره على الأجانب الذين لا يأتون إلى مدننا لسوى “التجربة” أو “الاستجمام” أو تكويم الدولارات، وليس لسواد عيوننا، بطبيعة الحال.
ومن منظور ثان، يعني الذهاب إلى جامعة نيويورك لـ”رجائها” فتح “فرع” لها في هذه المدينة الشرق أوسطية أو تلك، أننا نسير قدماً وبإصرار على طريق التمييز الطبقي بين شبيبتنا ونشئنا، ذلك أنه قد تناهى إلى مسامعنا بأن الذين يسجلون في هذه الجامعات “الأجنبية” جلهم من ابناء الأغنياء القادرين على تدبر أجور الدراسة فيها، بينما يذهب “أبناء الملحة” من غير الميسورين إلى الجامعات “الأرخص”! أليس في ذلك مثلبة تلتصق بجيلنا وبالراسخين بالعلم الذين يرمون بجامعاتنا وكلياتنا الوطنية إلى “سلة المهملات”، ناهيك عما تنطوي عليه “عقدة الخواجة” من استهانة بقدرات الأستاذ المحلي.
عندما عملت استاذاً، ثم عميداً في إحدى الدول العربية الشقيقة جاءني طالب عربي، وفتح قلبه لي وعندما سألته: لماذا لم يرسلوك للدراسة في بريطانيا، فأجاب قائلاً بأننا نأتي إلى الجامعات الأردنية أو السورية أو العراقية أو المصرية لأننا من ابناء الأسر غير الميسورة، فلا تتحمل مدخولات عائلاتنا الإنفاق علينا في تلك الدول “الغالية”! هذه حال مؤسفة، بل ومؤرقة لأنها تجسد زحف قيم التمييز الطبقي إلى المؤسسات العلمية والتربوية، بعد أن زحفت، للأسف كذلك، إلى أغلب مرافق الحياة في عدد من الدول، من الوظائف العامة إلى الرعاية الطبية، وأخيراً، إلى التعليم العالي والبحث العلمي.
أما الآثار الثقافية والتربوية والاجتماعية والنفسية لهذا النوع الصارخ من “الذيلية الأكاديمية”، فيصعب الإلمام بها اليوم، لأن حصرها قد يتطلب أكثر من جيل من شبيبتنا الذين يتخرجون من “الجامعات المستعارة” التي سبق وأن لفضت اللغة العربية، إناء للثقافة القومية والروحية، لصالح اللغات الأجنبية، درجة وجود مراكز “علمية” لدينا في الشرق الأوسط تخصك بنظرة دونية إن لم تكتب بحثك بالإنكليزية أو الفرنسية: فالعربية صارت “دقة قديمة”، كما يقول إخواننا المصريون.

إلى الأعلى