الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء (2 ـ 2)
قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء (2 ـ 2)

قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء (2 ـ 2)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:

جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها (الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح) والتي عقدت خلال الفترة من6 إلى 9 جمادى الثانية 1435هـ، الموافق 6 إلى 9 ابريل 2014م في نسختها الثالثة عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء) للدكتور وهبة الزحيلي من كلية الشريعة بجامعة دمشق.

نستكمل معك عزيزي القارئ الكريم الجزء الثاني من هذا البحث القيمّ وهو بعنوان:(قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء) ..
حيث يقول الباحث الزحيلي: لقد أدرك الفقهاء والعلماء أهمية الاعتراف بالحرية للآخرين، فإن ذلك يحقق امتداد نشر الإسلام، وتوافر الثقة بالمسلمين، الذين يلتزمون بحق الحرية لكل إنسان، ويلحظون أن في ذلك إعزاز غيرهم، وتلك مصلحة عليا، لا يفرط بها المسلمون، مما يؤكد لهم الاحترام والقبول وحسن الظن، وتنميه كل معاني الخير والسمو، وتعزيز كل مقومات السعادة لهم ولغيرهم، وإذا غاب أفق الحرية الإنسانية في الساحة الدولية ساد العدوان والطغيان والظلم والاستبداد، وتصير العلاقات السياسية والاجتماعية يعلوها طابع التوتر واختلال التوازن وصراع الحضارات، وتسلط قوى الشر والأشرار على الضعفاء، فيكون من المفيد احترام حق الآخرين ومقاومة الطغيان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ـ 36].
* مقصد السلام العالمي والمحلي
وفي هذا الجانب قال الزحيلي: ان السلام العالمي مطمح الإنسانية قاطبة، ومن أهم مقاصد القرآن الكريم، وهو أرسخ قانون عظيم وناظم للحياة الإنسانية، وبإشاعته يعيش المجتمع الإنساني بأمان واطمئنان وحفظ الأرواح، والبعد عن الدمار والخراب، وقتل النفوس من أطفال ونساء وشيوخ وشبان، ووقوع في حمأة الفوضى والغليان، وتصادم الأنظمة، وهو ما نشاهده الآن في ساحة بعض البلاد العربية التي يقتل فيها الطلاب والشباب والفتيات ليل نهار، وتهجّر الأسر المسلمة بالملايين إلى البلاد المجاورة، ويعيش هؤلاء في ذلّ وانكسار، وتفترسهم الأمراض الوبائية، ويفتقدون أدنى مقومات الحياة الكريمة، ويعتقل الآلاف، ويُحرقون في السجون، والباقون يعمهم مرض الجرب والإنتانات الباطنية والجلدية، وإذا قتلوا تأكل جثثهم المرمية في الشوارع الكلاب، وقد يأكل بعض المحاصرين في الأقبية وغيرها الكلاب والقطط، وأوراق الشجر.
مشيرا الى انه تغيب عن الساحة في بعض البلاد كل القيم الإنسانية ومفهوم الأديان ومعاني المروءة والشرف، وتصبح الحياة جحيماً لا يطاق، وتكثر الفتن، وألوان الاعتداءات على النساء وغيرهن، وتتصادم الفرق الطاغية بسبب إعلان بعضها فتاوى لم نسمع بها في أي دين، أو عرف، ويتمنى بعض الأحياء الموت الزؤام، في داخل الدولة أو خارجها، وتعم المظالم والنهب والسلب والخطف وطلب الفدية بالملايين، وتنهب المنازل والمحلات التجارية والصناعية، وتباد الثروات الحيوانية والزراعية، وناهيك عن الانفجارات أو التفجيرات المبيدة المدمرة للمباني الشاهقة.
مؤكدا بقوله: فما أعظم الدين من إسلام وغيره الذي يدعو إلى السلام في القرآن والسنة، فمن هدي القرآن في صون السلم والأمن قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ـ 208]، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ [النساء ـ 90]، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال ـ 61].
وقال: ومن هدي السنة النبوية قوله (صلى الله عليه وسلم):(أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية..)، فالإسلام دين السلام، وتحية المسلمين السلام، والجنة دار السلام، وتحية الملائكة في الجنة السلام، كما قد قرر جماعة من الفقهاء القدامى والمعاصرين أن القاعدة العامة أو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلم وليس الحرب، وتميزت دعوة الإسلام للسلام دائماً كما قرر كبار الباحثين المعاصرين، وذلك هو مضمون الإعلان القرآني بوجود سلم عالمي تندمج فيه الإنسانية كافة.
وقال: وفي واحة السلام العالمي تنمو الحضارات ، وتتقدم الأمم، ويعم الرخاء، وتسعد الإنسانية، ويطمئن الناس قاطبة على ديارهم وممتلكاتهم ونفوسهم ونسائهم وذرياتهم، وهذا جذر الخير العام في العالم.
والسلام الذي يدعو إليه الإسلام أمران: تجنب الفساد (وهو الصراع والدمار) وجلب الصلاح والإصلاح (وهو الانسجام والتوازن، وتعميم الخير، والعمل المشترك)، وأما عبارات بعض الفقهاء أو أكثرهم بوجوب الجهاد أو الدعوة إلى القتال أخذاً بظواهر بعض الآيات الفقهية، فيراد به في المعنى العميق: صدّ العدوان والرد على الاعتداء، أو لتورط بعض الأعداء في اجتياح بعض ديار المسلمين.

* مقصد المساواة (وحدة الأصل البشري) ومنع التفاوت الاجتماعي
وقال الزحيلي: لقد أعلن الإسلام منذ بداية الدعوة إليه أن الناس جميعاً متساوون في الإنسانية، فهم من أصل واحد، وأب واحد، وأم واحدة، وهم أيضاً متساوون في الحقوق والواجبات، من غير تفضيل أحد على أحد، بسبب الأصل أو الجنس أو العرق، أو الطائفة أو القبيلة أو الدين أو المذهب أو اللون أو الدم أو الفئة أو الطبقة الاجتماعية، مما يبطل ما يعرف بالنزعة العنصرية، وإنما التمييز بالعمل الصالح الشامل لبذل الجهد، والعطاء، والعلم، والإبداع والابتكار، ونحو ذلك. ولا انقسام بينهم في الأصول والتكوين، ولا يعرف الإسلام ما يعرف بالتفاوت الاجتماعي أو الإخلال بالتوازن الاجتماعي، فلا يقر الإسلام بوجود طبقات يتفاوت بعضها على بعض آخر بسبب المال أو الدم أو العرق ونحوه ، وبذلك هدم الإسلام برج العصبية القبلية أو الطائفية أو المذهبية أو جمع الثروة للمباهاة، وكان الإسلام حرباً على وجود طبقات مبنية على تفاوت الثروة، أو على نزعة أو عيشة الجاهلية وفخرها بالآباء والأنساب والأصول، فلا تمييز مثلاً لقريش أو غيرها على بقية القبائل العربية، وتكون المساواة والعدل المطلق أساساً للنظرة الإنسانية في الإسلام، فالعدل ميزان الأحكام والقضاء، وطبيعة التشريع، ومنهجه المستقيم.
مؤكدا بأن هذه هي نصوص الشريعة في هذه الأصول الجامعة، في القرآن والسنة .. قال الله تعالى مقرراً مبدأ الأخوة الإنسانية: ﴿يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء ـ 1] فهذه الآية الكريمة نص صريح في إعلان المساواة الإنسانية والأخوة البشرية، وقال الله سبحانه مقرراً نبذ التفرقة بين الناس إلا بالعمل الصالح، أو التقوى، والإلزام ببذل الجهد أو العطاء لتحقيق التفوق في ميزان الحضارة وتقدم المدنية: ﴿يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات ـ 13]، وقال عز وحل مقرراً وموجباً العدل المطلق والمساواة فيه وحظر الظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ﴾ [النحل ـ90]، ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ـ 58]، ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ـ 135]. وفي ذلك مبالغة في القيام بالقسط، فإن القوَّام (بتشديد الواو) صيغة مبالغة بالقيام بالعدل وعدم التهاون والتقصير فيه، ويؤكد ذلك قوله تعالى:﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبَى﴾ [الأنعام ـ 15]، وقوله:﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ـ 8].
موضحا بأن العدل بصفة عامة هو الميزان في قوله تعالى:﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ﴾ [الشورى ـ 17]، وقوله:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ـ 25] فخير الناس هو الملتزم بهداية الله لصد نفسه عن الظلم والعدوان، ويليه من يلتزم بالعدل الذي يقيمه السلطان، وهذا يرشد إلى حظر الظلم في الإسلام لمفاسد الجور والوعيد الشديد عليه.
وقال: انه جاء في خطاب حجة الوداع أول ميثاق لحقوق الإنسان قول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى) وهذا قول فاصل في تقرير مبدأ المساواة.
مشيرا الى أن مما يعزز مقصد المساواة والعدل: وجود رابطة الأخوة الإنسانية بين بني الإنسان، وكون هذه الرابطة مبنية على قاعدة التعاون على الخير والإحسان، ومطالبة جميع شعوب العالم بتفعيل هذه القاعدة لقوله تعالى:﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ [المائدة ـ 52]، وقوله سبحانه: ﴿يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات ـ 13] كما تقدم.
ولقد أدرك فقهاؤنا العظام قيمة الخير العام وتفعيله في جميع أنماط الحياة الإنسانية وتطورها من أجل تحقيق خلود الإسلام وسعادة المسلمين.

* مقصد الإصلاح ودرء الفساد
وحول ذلك اوضح الزحيلي بأن الناس كانوا في القديم ثم في عصور الزمان ومنها عصرنا الحاضر فريسة الأهواء والبدائية أولاً، ثم خضعوا لفلسفات ونظريات تائهة وزائغة عن الحق، فجعلوا نظرية عامة للإلحاد، وإنكار الأديان، والاقتصار على المادة، فهي الإله، وهم الشيوعيون. وتعاظم الغربيون في عصر النهضة الصناعية في أواسط القرن الثامن عشر وما بعده، فألَّه فريق منهم العقل المحض، وألّه آخرون العلم ، وأنكروا عملياً كل ما وراء الطبيعة من الغيبيات ومنها الذات الإلهية، والبعث واليوم الآخر.
وقال: ولم تنج الأديان السائدة في العالم عدا الإسلام من هذه الفلسفات الخرقاء والباطلة والنابعة من الإفك المفترى والعقول المجردة، ومنها البوذية، والهندوسية والوثنية القديمة من عهود الرسل الأقدمين وفي عصر الجاهلية العربية وما جاورها، والمستمرة في عصرنا في جنوب إفريقيا.
مؤكدا بأن حملة القرآن الكريم كانت واضحة المعالم وقاطعة في التنديد بعبادة الأصنام والأوثان في قريش وغيرها من القبائل العربية، والرد على سدنة عبادة الأصنام في كثير من آيات القرآن، ومنها سورة الفرقان، والشعراء، والنمل، وتخصصت سورة القصص بإبطال ألوهية فرعون ومَلَئِه بنحو مطول، ولا تكاد تخلو السور الطوال من التعرُّض لضلالات الوثنيين ، ويتبعهم المنافقون. وتتركز هذه الحملة على إعلاء كلمة الحق وبيان قوته، وإبطال الباطل وهياكله، وضرورة الإصلاح في مجال العقائد ، ومنع الفساد واستئصال جذوره.
منوها بأن هذا المقصد وهو الإصلاح ودرء المفاسد، هو جوهر الرسالات الإلهية والتنديد بالأقوام البائدة في عهد نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، مثل فرعون وجنوده، وقوم تبَّع، ولقد أبان الفقهاء والمفسرون قيمة أو أهمية هذه الدعوة إلى الإصلاح وقمع الفساد، لإشاعة الخير العام للإنسانية جمعاء.
وقال: ومن المعلوم أن الصلاح ضد الفساد، والصلاح قيمة كبرى، وهو خير كله، لذلك اقترنت رسالات الأنبياء ومنها رسالة الإسلام بالعمل الصالح المركز والمؤكد لبناء الحياة على منهج الصلاح وسعادة البشرية، وعلى مقاومة أو منع الفساد، ومحاولات الإفساد، وعبر الفقهاء في المقاصد الكلية على جلب الصلاح والنفع للبشر، ودرء المفاسد والمضار.
مشيرا الى انه ما أكثر النصوص القرآنية الداعية إلى الصلاح ومقاومة الفساد، مثل قوله تعالى:﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ [الأعراف ـ 56]. وحمل القرآن الكريم حملة شديدة على المنافقين الذين يفسدون الاعتقاد ويفسدون في الأرض بالنفاق، وموالاة الكفار، وتفريق المؤمنين، فقال تعالى عنهم: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (*) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة 11 ـ 12]. وقال أيضاً عن جماعة في المدينة المنورة تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك بغير عذر، وخلطوا عملاً صالحاً، وهو التزام شرائع الإسلام، بعمل سيئ وهو التخلف عن غزوة تبوك: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة ـ 102]، وأشاد القرآن الكريم في مواضع كثيرة باقتران الإيمان بالعمل الصالح، فقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة ـ 82] ونحوه كثير من الآيات، كما تميزت دعوة شعيب عليه السلام بالدعوة إلى الصلاح والإصلاح، حتى لقِّب بأنه المصلح الاجتماعي، فهو رائد الإصلاح، قال تعالى حاكياً منهجه في الحياة الدعوية: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلَى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود ـ 88].
وقال: وكانت دعوات جميع الرسل والأنبياء قائمة في المرتبة الأولى على إصلاح العقائد والأعمال ليعم الخير والهداية والنفع الخالص للمجتمع الإنساني، فقال تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام ـ 48]، ولا تنضبط شخصية المؤمن، وتتميز سماته الخيّرة إلا بتوافر مقومات الصلاح والتحلي به ظاهراً وباطناً، لذا بشرهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (*) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ [الكهف 107 ـ 108]، وكان من أركان توبة الإنسان عن أعماله السيئة أو الفاسدة هو الصلاح، وإصلاح العمل، فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ـ 39] .. وهذا وغيره دليل واضح على أهمية هذا المقصد، لأن به تميَّز واقع الحياة الإنسانية، ولتصبح الأنظمة والقوانين النافعة هي التي تبلور جوهر حياة الناس في الأرض، وتدرأ الفساد عنهم في جميع الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، حتى عُدَّ الدين والنظام الصالح هو الدين الإلهي الخالد.
وقال: ان ضابط الإصلاح الاجتماعي ودرء الفساد إنما هو ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه تتحقق خيرية الأمة الإسلامية وتعلو كلمتها، لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران ـ110].
موضحا بأن المفسرين والفقهاء قد أدركوا قيمة الدعوة إلى الخير، والصلاح والإصلاح. لتعلو كلمة الحق، وتستقر معايير الخير وصنوفه، وترقى الأمة، ويسعد الأفراد، وهو الغاية الذهبية الكبرى، خلافاً للفساد وألوانه والباطل وسبله، وهذا ما وصف به القرآن الحق بالدائم، والباطل بالزائل، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثالَ﴾ [الرعد ـ 17].
وقال: ويتبين من العناية بمقصد الإصلاح ودرء الفساد أن الشرائع الإلهية وخاتمتها شريعة القرآن، أقامت منهج الحياة على أساسين هما: جلب المصالح والمنافع للناس، ودرء المضار والمفاسد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما ذكر فقهاؤنا في بيان القواعد الفقهية الكلية، لأن شرر الفساد أخطر، وهو كالنار في الهشيم، لذا أبان الله تعالى سوء المفسدين بقوله: ﴿وَإِذا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة ـ 205].

* الخلاصة
وفي خلاصة هذا البحث اوضح الزحيلي بأن هذه أطياف أو أمثلة لتحقيق مدلول الخير العام للأمة ورعاية المصالح الإنسانية، من ناحيتي الإيجاب والسلب، أو البناء وتجنب الهدم، سواء فيما يعرف في مقاصد الشريعة الخمسة التقليدية أو الأصول والكليات الخمس التي روعيت في جميع الملل، وشرع حفظها وصونها في مختلف الأحوال، أو في ضوء المقاصد العامة للقرآن الكريم وهي خمسة: مقصد الحرية، ومقصد السلام العالمي والمحلي، ومقصد المساواة (وحدة الأصل البشري)، ومقصد العدل، ومقصد الإصلاح، ودرء المفاسد.
أما في نطاق مقاصد الشريعة: فرعاية الدين حفظ لمصلحة الإنسانية، وتجنب لمضار هدم الدين لما يثيره من اضطراب الأنظمة، وإثارة القلق والخوف النفسي والإقدام على الانتحار.
وفي رعاية العقل: توفير لكرامة الإنسان، وصونه من الوقوع في المهازل والسخريات.
وفي رعاية النسل أو العرض: تحقيق لطهر السلالة البشرية وانسجام المجتمع ، واستئصال مشكلة الفوضى الجنسية التي تؤول إلى ما يشبه غابة الحيوان.
وفي رعاية المال كسباً وإنفاقاً: تعزيز لمكانة الإنسان، وحمايته من سوء التصرف المؤدي للإفلاس أو العَوَز أو صيرورته عالة على غيره.
وفي مجال الحرية تحقيق لظاهرة الطمأنينة وفقاً لمدلولات الرسالة السماوية وخاتمتها الإسلام وتوفير لمختلف الحريات العزيزة الكريمة في الفكر والعمل والسياسة والبحث العلمي والتدين.
وفي نطاق حماية السلام وضماناته تنمو ظاهرة الحضارة والمدنية والعمران.
وفي مظلة مقصد المساواة: توفير للشعور الكريم بتساوي الأجناس والأعراق والأصول، من دون تمييز عرقي أو طبقي أو تفاوت اجتماعي أو طائفي.
وفي رعاية مقتضيات العدل والإنصاف ومنع الظلم في القضاء وغيره: إحساس بالراحة الكبرى، واحترام الأنظمة وتطبيقها، والبعد عن تعطيل القوانين، والتزام دائرة الحقوق، وأداء الواجبات.
وفي مظلة الإصلاح ودرء الفساد: إشعار بظاهرة التحضر والبناء، وتجنب كل عوامل الفناء والفوضى والدمار والإساءة لكل شيء من إنسان ونبات وحيوان، وحينئذ تنبعث النهضات، وتزدهر الحضارات.
وكل هذه المقاصد مظهر واضح لدعوة الإسلام إلى تفعيل فضيلة الرحمة التي هي جوهر شريعة الإسلام وذلك في الآية الكريمة:﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ـ 107].

إلى الأعلى