الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من معين اللغة العربية
من معين اللغة العربية

من معين اللغة العربية

قل ولا تقل (13)

عزيزي القارئ الكريم : نتواصل معك هذه السلسلة من (معين اللغة العربية) .. لنرتشف من ذلك المعين بعض الجرعات التي تروي قلوبنا وتغدي عقولنا .. فنحن بحاجة دائما الى غذاء روحي كالغذاء الجسدي ..

(قل: أجاب عن السؤال إجابة وهو جواب عن الكتاب
ولا تقل: أجاب على السؤال إجابة وهذا جواب على الكتاب)
وذلك لأن المسموع عن العرب والمذكور في كتب العربية هو “أجاب عن السؤال” لا “أجاب عليه” ولأن معنى الفعل “أجاب” يستوجب استعمال “عن” لإفادة الإزاحة والكشف والإبانة والقطع والخرق. ولا يصح معه استعمال “على” التي هي للظرفية الاستعلائية. قال ابن مكرم الأنصاري في لسان العرب: “والإِجابةُ رَجْعُ الكلام، تقول: أَجابَه عن سُؤَاله، وقد أَجابَه إِجابةً وإِجاباً وجَواباً وجابةً” .. انتهى.
وإذا كانت الإجابة هي من الشق والخرق والقطع والإبانة، وجب استعمال “عن” معها. قال ابن مكرم الأنصاري في اللسان أيضاً: “وفي حديث أَبي بكر (رضي اللّه عنه)، قال للأَنصارِ يَوْم السَّقِيفةِ: إِنما جِيبَتِ العَرَبُ عنا كما جِيبَت الرَّحَى عن قُطْبها أَي خُرِقَتِ العَربُ عَنَّا، فكُنَّا وسَطاً” وقال بعد ذلك: “وانْجابَ عنه الظَّلامُ: انْشَقَّ، وانْجابَتِ الأَرضُ: انْخَرَقَتْ” .. إنتهى.
وبهذا علمنا أن معنى “أجاب عنه” هو شق عنه، وأبان عنه وقطع عنه وخرق عنه أي شقّ عنه الغموض، أو الجهل أو الإبهام وأبانه عنه وقطعه عنه وخرقه عنه. فكما لا يقال “شقّ الإبهام عليه ولا أبان الإبهام عليه ولا خرق الإبهام عليه”، كذلك لا يقال: أجاب عليه بل أجاب عنه أي عن السؤال. وإذا أريدت الظرفية فلا مانع من استعمال الحرفين معاً. يقال: أجاب عن السؤال على ورقة، كما يقال: تكلم المحامي عن موكله على القضية، وذلك باستعمال حرفي الجر “عن” و “على” ولكل منهما معناه وموضعه. وإن كانا في جملة واحدة، نضيف الى ذلك أن “أجاب عليه” عند الفصحاء يفيد معنى “غطّاه وغطّى عليه” فتأمل ذلك. وقل: أجاب عنه.
(قل: أثّر فيه والتأثير فيه
ولا تقل: أثّر عليه والتأثير عليه)
ويقولون: أثّر عليه تأثيرا واستطاع التأثير عليه في الأشياء الحسية والأمور المعنوية، غير أن استعماله في الأمور المعنوية هو الغالب اليوم. وليس ذلك بصواب لأن معنى “أثّر” أحدث أثراً. والأثر يكون في الشيء من جهة العمق لا من جهة العلو فهو في داخل الشئ لا خارجه، مع أن “عليه” لا تفيد الوغول بل تفيد العلو ولا تستلزم الإندماج. وهذه العبارة “أثّر عليه” ترجمة من الجملة الفرنسية وهي “انفلوسي سور” فالفرنسيون يستعملون فيها “على” والمترجمون قلدوهم. وقد يحتج محتج بأن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض كثيرا. وهو قول لم يعتمد على إدراك أسرار العربية بله إنه ليس بقياسي فما يُدّع ذلك فيه يبق على سماعه ولا يجوز القياس في غيره. ولم يُسمع من الفصحاء الذين دون كلامهم “أثّر عليه” ولا “التأثير عليه”. واشهر ما يحتج به القائلون بالنيابة قوله تعالى: “ولأصلبنكم في جذوع النخل”، وحرف الجر فيه للظرفية الخالصة، واستعماله “في” بدلاً من “على” منظور فيه الى أن الصلب في ذلك العصر هو سمر اليدين والرجلين في الخشب لا تعليق الجسد، وهي الحال التي يُصوّرُ فيها عيسى (عليه السلام) المعتقدون لصلب اليهود له، وهي شائعة في التصاوير النصرانية الدينية، فلذلك استعملت “في” في الاية الكريمة.
قال الجوهري في الصحاح: “التأثير: إبقاء الأثر في الشئ” فاستعماله “في” في شرحه دليل على لزومه له. وقال في (و س م) “وسمه وسماً وسمة إذا أثّر فيه بسمة وكي”. قال أثّر فيه ولم يقل “عليه”.
وورد في المصباح المنير “وأثّرت فيه تأثيراً: جعلت فيه أثراً وعلامة فتأثّر أي قبل وانفعل”.
وأورد صاحب اللسان قول “زهير: والمرءُ ما عاش ممدودٌ له أَمَلٌ، لا يَنْتَهي العمْرُ حتى ينتهي الأَثَرُ قال: وأَصله من أَثَّرَ مَشْيُه في الأَرض. وقال: “أَثَّر بوجهه وبجبينه السجود وأَثَّر فيه السيف والضَّرْبة”.
وورد في القاموس:”واثّر فيه تأثيراً: ترك فيه أثراً”.
فهذه النصوص اللغوية مجمعة على استعمال حرف الجر “في” مع الفعل “أثّر تأثيراً” وعلينا الآن أن ننظر الواقع اللغوي وهو الإستعمال. ورد في حديث أبي بكر (رضي الله عنه): “فاجتنبوني لا أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم”.
وجاء في نهج البلاغة: “وخرج بسلطان الإمتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره”.
وقال الأعشى في معلقته:
أثّرت في جأجيء كإران الــ ميت عولين فوق عوج رسال
وقال أبو دلامة لروح بن حاتم المهلبي: “أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه”.
وقال أبو عبيدة: “وأي حرة حصان تسمع قول بشار فلا يؤثّر في قلبها؟”.
وجاء في أخبار الخوارج “كان المغيرة ابن المهلب بن أبي صفرة الأزدي إذا نظر الرماح قد تشاجرت في وجهه نكس على قربوس السرج وحمل من تحتها فردها بسيفه وأثّر في أصحابها”.
وورد في وصف الأرض وسكانها قول المسعودي ناقلاً قول عمر (رضي الله عنه): “فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما تؤثّره الترب والأهوية في سكانها”. وقول المسعودي نفسه: “والأخبار عن شكل الأرض وهيأتها وما قالته حكماء الأمم .. وتنازع الناس في كيفية ثباتها وتأثيرات الكواكب في سكانها .. ومجاري الأفلاك .. ووجوه تأثيراتها في عالم الكون والفساد”.
وقال الشريف المرتضى: “خبر عن نفسه أن الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الأشعار والأبشار ويأتي ما يستحق به التقويم” وقال: “لأنه لا يؤثّر في أحوال فاعله وحط رتبته”. وقال في موضع آخر: “وقد يكون الشئ في نفسه مطعوناً عليه وان لم يكن عليه طاعن، كما قد يكون بريئاً من الطعن وإن الطعن فيه بما لم يؤثّر فيه”. وقال الشريف الرضي:
دهر تؤثّر في جسمي نوائبه فما اهتمامي أن أودى بسربالي
وقال ابن أبي الحديد: “ولهذا متى توالت منه الأفعال القبيحة الظاهرة وتكررت قدحت في حاله وأثّرت في ولايته”. وقال بعد ذلك: “وإن لم يكن مقطوعاً يؤثّر في الباب ويكون أقوى مما تقدم”.
فهذه شواهد من قديم اللغة ومولد تعابيرها للتأثير الحسي والتأثير المعنوي تفيد أن حرف الجر الذي يصاحب الفعل “أثّر” بتشديد الثاء هو “في” لا غير. ولم أجد استعمال “أثّرعلى” على كثرة مطالعتي لكتب الأدب والتأريخ إلا في شعر الأعسر بن مهارش الكلابي وكان معاصراً لسيف الدولة الحمداني وذلك في قوله:
فخلت البكا من رقة الخد أنه يؤثّر من حدر على صفحة الخد
وقد اضطرته ضرورة الوزن أن يضع “على” موضع “في” ويجوز للشاعر ما لا يجوز للناثر كما هو متعالم.
وجاء في خبر البزاز الذي تزوج جارية السيدة شغب أم الخليفة المقتدر بالله قوله: “فلما جاء الليل أثّر في الجوع”. وفي كتاب آخر: “فلما جاء اليل أثّر الجوع بي” ولعله تصحيف مع قربه من الفصيح. ثم إن الذي جعل هذا الغلط يشيع ويذيع هو استعمال المثقفين له في أثناء كلامهم وأحاديثهم فضلاً عن الكتابة.
(قل: هذا مستشفى جديد
ولا تقل: هذه مستشفى جديدة)
وذلك لأن المستشفى اسم مكان مذكر ومشتق من الفعل “استشفى يستشفى استشفاءً” أي طلب الشفاء. واسم المكان من الفعل غير الثلاثي يكون على وزن اسم المفعول مستعملاً كان كمستعطى، أو غير مستعمل كمستلقى، وهو مذكر دائماً. ولا يقبل التأنيث مع بقائه اسم مكان، فلا يقال “مستشفاة” لمكان طلب الشفاء. فهو بخلاف الثلاثي الأصل فإنه يقبل التأنيث سماعاً، تقول “محط ومحطة” و”منزل ومنزلة” و”مقام ومقامة” و”مكان ومكانة” و”محل ومحلة” و”مزل ومزلة” و”موقع وموقعة” و”مرحل ومرحلة”، وما يصعب استقصاؤه.
والظاهر أن الذي ابتدع تأنيث المستشفى قاسه على “الخستخانة” الفارسية المترّكة أي المستعملة في لغة الترك. فالخستخانة مؤنثة فجعل المستشفى مؤنثاً قياساً عليها وهذا غلط. فالمستشفى مذكر كما قلت ولا يجوز تأنيثه بحال من الأحوال .. فقل: هذا مستشفى جديد ولا تقل جديدة.
(قل: المَصرِف
ولا تقل: المَصرَف)
فالمصرِف اسم مكان من “صرفت الذهب بالدراهم أصرفه بكسر الراء صرفاً أي بعته بها”. وكأن الصرف مأخوذ من الصريف وهي الفضة، واسم المكان من “صرف يصرف” هو المصرِف كالمجلِس والمنزِل. ولا يجوز أن يقال المصرَف بفتح الراء لأنه غلط بكونه مخالفاً للقياس وغير مسموع ولا مدون. ثم ان العرب بطبيعة لسانها تميل الى كسر العين من اسم المكان وإن خالف القياس فمن ذلك المسجِد والمطلِع والمغرِب والمشرِق والمسكِن والمرفِق والمنبِت والمنسِك والمسقِط كمسقط الرأس بكسر الثالث، فإن عين المضارع من أفعالها مضمومة وقد اختار بعض المعاصرين لنا “المصرِف” للبنك الإنكليزي والبانك الفرنسي ولا نرى باساً في ذلك لأن التسمية كالرمز والإشارة فلا تستوجب الإحاطة والإستيعاب كما يريد البعيدون عن فقه أسرار اللغات. ومثل المصرِف من اسماء المكان “المعرِض والمحفِل” فلا يجوز فتح الراء والفاء منهما.

(قل: هذا غصن رطب أو روض نضر
ولا تقل: هذا غصن يانع أو روض يانع)
ويقولون غصن يانع أي نضير أو رطب وكذا زهرة يانعة وروض يانع ولا يأتي ينع بهذا المعنى إنما يقال ثمر يانع وينيع أي ناضج وقد ينع الثمر وأينع إذا أدرك وحان قطافه واليانع أيضاً الأحمر من كل شئ وثمر يانع إذا لون. ومن الغريب أن هذا الوهم ورد في كلام أناس من المتقدمين وممن وكم في الحريري صاحب درة الغواص قال في المقامة النصيبية “وكان يوماً حامي الوديقة يانع الحديقة”. وفسر الشريشي يانع الحديقة بقوله “ناعم الروضة”. وجاء للشريشي أيضاً في خطبة شرحه “ولم يزل في كل عصرمن حملته بدر طالع وزهر غصن يانع”. ومن كلام القاضي شهاب اليد ابن فضل الله “حتى تدفق نهره وأينع زهره” رواه صاحب فوات الوفيات. وقال الصفدي:
يامن حواه اللحد غصناً يانعاً
وكذا كسوف البدر وهو تمام
وهو كثير في كلامهم ووقوع مثل هذا من أمثال هؤلاء الأئمة في منتهى الغرابة.
(قل: هذا حديث موجزٌ
ولا تقل: هذا حديث مقتضبٌ ) (بهذا المعنى)
يستعمل الكثير منا كلمة “المقتضب” للدلالة على الحديث الموجز وهذا خطأ، فالحديث “المقتضب” في اللغة: الكلام الذي قُطع من دون إتمامه، و “المقتضب” كذلك ما ألقي من دون رَوِيَّةٍ، اي باستعجال، وهوأيضاً الكلام المرتجل، ولذلك سمَى الخليل بن أحمد أحد بحور الشعر “المقتضب” أي المقتطع لأنه اقتُضِبَ اي اقتطع من بحر المنسرح.
يقول ابن منظور في لسان العرب: “واقتضاب الكلام: إرتجاله، يقال: هذا شعر مُقتَضبٌ وكتاب مُقتَضَبٌ، واقتضبتُ الحديث والشعر: تكلمت به من غير تهيئة أو إعداد له”. وكما ترى لم يرد أن الموجز من معاني كلمة “المقتضب”.
(قل: القوات المكلفة بالمهمة
ولا تقل: القوات المولجة بالمهمة)
فقد شاع في الإعلام اللبناني بشكل خاص إستعمال لفظة “مولجة” حين يراد بها “مكلفة”. كما شاع استعمل الفعل “تولّج” بمعنى “تولّى”. وقد نبه إبراهيم اليازجي لهذا لخطأ منذ عقود حين كتب في “لغة الجرائد” مصححاً قول أهله في لبنان “تولّج فلان الأمر” وهم يريدون به “تولى فلان الأمر”. فكتب “وما نحسبهم إلا أرادوا هذا اللفظ الأخير بعينه أي لفظ تولاه فأبدلوا من ألفه جيماً وهو من غريب التحريف. وأما تولج فمعناه دخل مثل ولج المجرد”.
ولم يرد عن العرب إستعمال “ولج” أو “مولجة” بمعنى قريب مما يستعمل في لبنان اليوم. فقد جاء في الصحاح:
“وَلَجَ يَلِجُ وُلوجاً ولِجَةً، أي دخل”.
وهذا ابن فارس يكتب في مقاييس اللغة تحت باب “ولج”:”الواو واللام والجيم: كلمةٌ تدلُّ على دُخول شئ. يقال وَلَج في مَنزِلِه ووَلَجَ البيتَ يَلِجُ وُلُوجاً.والوَليجة: البِطانةُ والدُّخَلاء”.
وقال تعالى: “ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ”. أي يدخل من هذا في ذاك ومن ذا في هذا. وقال عز من قائل: “ام حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون”. والوليجة هي البطانة كما أجمع الشراح .. فقل: المكلفة ولا تقل: المولجة.
ـــــــــــــــــــ
* خبير في مكتب معالي وزير العدل
ـ مأخوذ من مدونة الكاتب:
عبد الحق عبد الحبار العاني
www.haqalani.com

إلى الأعلى