الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة تربوية في آيات تحويل القبلة (2 ـ 2)

قراءة تربوية في آيات تحويل القبلة (2 ـ 2)

من القيم التربوية وَحدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على قبلة واحدة وأخلاق واحدة في تحويل القبلة كذلك ارتباط الأخ بأخيه والمسلم بأمته ومجتمعه
د.جمال عبدالعزيز أحمد*
.. ومن تلك القيم التربوية أن العرب كانوا يعظِّمون البيت، ويفتخرون بأنهم أهلُ البيت الحرام في جاهليتهم، فجاء الإسلام ليجرِّدَ القلوب، ويستخلص الأفئدة لله ، ويقوم بتخلية القلبِ من نعرات الجاهلية، وتنقية الفؤاد من عصبية عمياء، لها ولاءٌ لغير منهج الله، فانتزعهم من التوجُّه للبيت الحرام فترةً، قرابة سبعة عشر شهراً ثم وجَّههم إلى بيت المقدس (المسجد الأقصى) ليأخذ بقلوبهم إليه، ويجرد دواخلهم له، ويرفع عنهم إصر ورواسب الجاهلية من الفخر، والعصبية، ثمَّ أعاد إليهم التوجه إلى بيت الله الحرام قبلةِ أبيهم إبراهيمَ، فهي قبلة تخالف أهل الديانات السماوية جميعا، ووضعت لهم حياة أخرى، ونظاماً مبايناً، وتميزاً وتفرداً عن كل الأمم، قال الله تعالى مبيناً مِنَّته، وفضله، وعطاءه لأمة الإسلام:(قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ولذلك وصف الله تعالى هذا الأمر الثقيل، والتكليف الشديد في هذا التحويل بقوله عزوجل:(وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) أي كبيرة إلا على مَنْ هداهم الله، وأيقنتْ قلوبُهم بصدق رسول الله ، وصدق أخذه عن الله عزوجل، وأنه ما يفعل شيئًا: إتيانًا وتركًا إلا بوحْي سماويّ، وأمر إلهيّ ، وأنه من السهل على النفس المؤمنة أن تخلع أيَّ ثوب ترتديه ، وأي رداء تلبسه إذعانًا لله، وتسليمًا لأمره، ونزولا على حكمه، وأن تخلع عنها رداء الجاهلية، وعاداتها السمجة التي لا وزن لها في ميزان الإسلام.
فقال المسلمون لربهم: سمعًا وطاعةً يا ربَّنا، إنْ أمرْتَنا بالتوجه إلى بيت المقدس فأنت ربنا، وإنْ أعدتَنا إلى بيتك المحرم، فأنت مولانا، ومعبودنا، وكلُّنا نتوجه بطاعاتنا إليك، ونسلِّم أمرنا لك، ونذعن بين يديك، فحيثما تُوَجِّهنا نتوجه، وكلنا إذعان وتسليم، وتصديق وإخبات، وخضوع وخشوع، ومنها كذلك كمالُ التسليم، وحُسْنُ الطاعة، وجميل الامتثال، حتى ولو لم يعرفوا حكمة ذلك، ولم تَبْدُ لهم فيه وجهة نظر لأن القاعدة الأساسية التي اتبنوا عليها إسلامهم أنه:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، ونحو:(وقالوا سمعنا وأطعنا)، ومثل:(ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وكذلك تحكي السيرة أنهم كانوا في ركوعهم ناحية المسجد الأقصى، فأتى أحدهم، وأخبرهم، وهم راكعون، وأخبرهم أنه رأى الرسول يصلي تجاه الكعبة، وأن القبلة تحولت إلى بيت الحرام، فتحولوا في ركوعهم مباشرة دون نقاش ولذلك فإن مسجد القِبْلَتَيْنِ الموجود في المدينة المنورة شاهدٌ على ذلك، وهو ذلك المسجد الذي كانوا يصلون فيه مع النبي صلاة الظهر، متجهين إلى بيت المقدس، ثم أُمِرَ الرسولُ بالتحول إلى الكعبة، وكان قد صلى من الظهر ركعتين، وهو متجه صوبَ المسجد الأقصى، ثم صلى الركعتين الأخريين، وهو متحول ومتجه نحو إلى بيت الله الحرام، إلى الكعبة، في مكة المكرمة، فهو المسجد المسمَّى ذا القبلتين (قبلة المسجد الأقصى المبارك، وقبلة الكعبة المشرفة)، وأصبح للمسلمين قبلة خاصة، وتوجه خاص، وحياة خاصة، وتصور خاص، وسمات خاصة، اختلفت تمامًا عن حياة غيرهم، فميَّزهم الله في عباداتهم، ومعاملاتهم، وبيوعهم، وتجاراتهم، وعلائقهم الاجتماعية .. وغيرها، فأصبحوا متميِّزين، منفردين في كلِّ حياتهم ، ثم نالوا شرف وصف ربهم لهم بأنهم: (خير أمة أخرجت للناس)، وبيَّن شرائط تلك الخيريةِ، وضوابطها الثلاثة، فقال سبحانه:(تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله)، فالمسلم أمام تعليمات السماء مسلمٌ خاشعٌ، مذعنٌ، دامعٌ، ملتزمٌ، خاضعٌ، محبٌّ ساجدٌ، راكع، وهذا قمة الانقياد لله عز وجل، ومنتهى التسليم له سبحانه، وهو المطلوب من تحقيق أركان الإيمان.
ومن تلك القيم التربوية كذلك، وأهمها هو وَحدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها ، يتوحدون على قبلة واحدة، ودين واحد، ومشاعر واحدة، وأخلاق واحدة، وتوجه واحد، سواء في الصلوات الخمس، أو الجمعة، أورمضان، أو الحج، توحدوا في الدين والقبلة، فوحدهم الله في الهدف والغاية، وجعل الوحدة والاتحاد أساسَ دينهم، وهو رئةُ صدورهم، يتنفَّسون وحدة في كلِّ شؤون حياتهم ولذلك لما جاء أحد المسلمين إلى مسجد قباء، وأخبرهم بأنه رأى الرسول يتوجه إلى الكعبة قَبِلُوا قوله، واستداروا مباشرة نحو الكعبة، وهو يفيد هذا التوحد، وأن خبر الواحد يجوز القطعُ به، وهو مُجْمَعٌ عليه من السلف الصالح ، ومعلوم بالتواتر من عادة النبي (صلى الله عليه وسلم) في توجيهِ وُلاتِه، ورسله آحادًا إلى الآفاق؛ ليعلموا الناس أمور دينهم، ويبلِّغوهم سنة نبيِّ الله الكريم (صلى الله عليه وسلم) من أوامرَ ونَوَاهٍ، وحِلًّا وحُرمة ، وفرضًا ونفلا ، ونحوها ، مما كان يرسل الصحابة به إلى البلدان، فراحوا ينتشرون يبلغون دعوة ربهم، وسنة نبيهم الكريم.
وفي تحويل القبلة كذلك ارتباط الأخ بأخيه، والمسلم بأمته ومجتمعه، حيث تساءل الصحابة عن مصير إخوانهم الذين ماتوا، أو استشهدوا قبل التحويل ، وكانوا يتوجهون إلى المسجد الأقصى، ما حكم صلاتهم، وهل راحت جهودهم، وضاعت عباداتهم؟ فأنزل الله ما يطمئنهم، ويسعد قلوبهم المتآخية، فقال عز وجل:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، فطمأنهم على إخوانهم، وأسعدهم بقبول أعمالهم وثوابهم.
أسأل الله عز وجل أن يحوِّلنا: قلوبًا وقوالبَ إليه، وأن يجعلنا دائمًا متميزين في كلِّ شيء، منفردين عن غيرنا في طاعاتنا وعباداتنا، وتوجهاتنا، وأن يرزقنا أن ندخل في وصف الخيرية الكريمة، ونكون من خير أمة أخرجت للناس، وأن يتقبل صلاتنا، وحجَّنا وسائرَ طاعاتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى