الأحد 29 مارس 2020 م - ٤ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / “الإرادة”.. كيف نفهمهما ونمرِّنها ونجعلها سلاحًا؟

“الإرادة”.. كيف نفهمهما ونمرِّنها ونجعلها سلاحًا؟

””الإرادة” تحتاج دائمًا إلى التمرين والتدريب والتقوية والشَّحْذ؛ فالإرادة القوية، ومهما قَوِيَت، يمكن أنْ يعتريها الضَّعْف؛ والإرادة الضعيفة، ومهما ضَعُفَت، يمكن أنْ تقوى وتصلب؛ فلا ننسى أنَّ “الإرادة القوية” تأتي من “الإرادة الضعيفة”، بالتمرين والتدريب والتقوية والشَّحْذ؛ وليس من إرادة متساوية القوَّة والبأس في كل أمْرٍ؛ فمنسوب القوَّة في إرادتكَ يعلو، ويهبط، بما يُوافِق درجة أهمية الأمر لكَ (الآن).”

جواد البشيتي

“الإرادة”، وعلى أهميتها في حياة البشر اليومية، وفي التاريخ، لجهة صُنْع أحداثه، لم تَنَلْ، حتى الآن، من الجهد العلمي ما يَرْفَع كثيرًا منسوب العِلْم في مفهومها وتعريفها؛ فإنَّ كثيرًا من الناس ما زالوا يميلون إلى ما يجافي العِلْم، والمنطق العلمي، في فهمها وتفسيرها.
هناك، وعلى وجه العموم، مَنْ يُفْرِط، ومَنْ يُفرِّط، في تقديره لأهمية ووزن “الإرادة” في “التغيير”؛ فهي “كلُّ شيء”، أو هي “لا شيء”؛ هي ما يجعل المستحيل ممكنًا، وحقيقةً واقعةَ، من ثمَّ، أو هي “الوهم الخالص”؛ لأنَّ الإنسان كـ”نهرٍ لا يملك تغييرًا لمجراه”.!
في أمْر “الإرادة”، يقول المهاتما غاندي: “القوَّة الحقيقية لا تأتي من عضلات قوية؛ وإنَّما من إرادة لا تلين، ولا تُقْهَر”؛ وجون تشارلز سالاك يقول: “لا يصل المرء إلى حديقة النجاح إلا بعد مروره بمحطات التَّعَب والفشل واليأس؛ لكنَّ صاحب الإرادة القوية لا يمكث طويلًا في هذه المحطَّات”؛ ونابليون بونابرت يقول: “لا مكان لكلمة مستحيل إلا في قواميس الحمقى والضُّعفاء”؛ ولَمَّا قيل لنابليون إنَّ جبال الألب شاهقة بما يمنعكَ من التقدُّم، قال: “فَلْتَزُلْ من الأرض”؛ ومايكل كولنز يقول: “كل إرادة لا تتغلَّب على العاطفة تنهار وتفشل”؛ وطاغور يقول: “سَأَلَ الممكن المستحيل أين تقيم، فأجاب قائلًا: في أحلام العاجز”؛ وصموئيل جونسون يقول: “الأعمال العظيمة لا تصنعها القوَّة؛ وإنَّما المثابرة”؛ وروبرت شولر يقول: “لتتوقَّع العقبات؛ لكنْ إيَّاك أنْ تجعلها تمنعكَ من التقدُّم”؛ والمتنبي يقول: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر الكرام تأتي المكارم، وتَعْظُم في عين الصغير صغارها، وتَصْغُر في عين العظيم العظائم”.
ما أعظم “الإرادة”، وما أعظم “الإرادة الحُرَّة”، أو “حرِّيَّة الإرادة (الإنسانية)”؛ لكن ما أسخفها إذا ما فُهِمَت وفُسِّرَت بما يجافي العلم، والمنطق العلمي؛ وإنَّني لأرى أنَّ خَيْر فَهْم وتفسير للإرادة (الحُرَّة للإنسان) هو ما تنطوي عليه عبارة “الحُرِّيَّة هي وعي الضرورة”.
إذا أردتَّ “العبودية” نمط عيشٍ لكَ فما عليكَ إلاَّ أنْ تَفْهَم وتُمارِس “حُرِّيَّة الإرادة”، أو “الإرادة الحُرَّة”، على أنَّها “فِعْل كل ما ترغب في فعله”؛ فأنتَ “حُرٌّ”، أيْ ذو “إرادة حُرَّة”، إذا ما استطعتَ فِعْل كل ما ترغب في فِعْله؛ وأنتَ “عديم الإرادة الحُرَّة” إذا ما عجزتَ عن فِعْل شيء ما مع أنَّكَ رغبتَ في فعله!
كلَّا، ليست هذه هي “الإرادة الحُرَّة”؛ وإنَّ العاقبة الحتمية لفهم وممارسة “الإرادة الحُرَّة” على هذا النحوهي أنْ تغدو (أو تظل) عبدًا، كمثل نقيضكَ المُسْتَخْذي المُسْتَسْلِم الذي لا يفعل شيئًا لتغيير حياته وواقعه بدعوى أنَّ كل شيء “مكتوب”؛ “مكتوب على الجبين”، و”لسوف تراه العين”!
“الإرادة”، في مبتدأها، ومستهلِّها، هي “أنْ تريد فِعْل أمْرٍ ما”؛ وهي “أنْ تُصمِّم وتعقد العزم عليه”؛ لكنَّ، هل نَيْل المطالب بالتمنِّي؟!
أنْ تريد، وأنْ تُصمِّم، وتعقد العزم، هو أمْرٌ كالتَّمنِّي، إنْ ظلَّ بلا سعيٍ وعملٍ وفِعْلٍ وصراعٍ (واقعي) لـ”تحقيق” ما أردتَ، أيْ لجعله “حقيقة واقعة”؛ وهذا إنَّما يُلْزِمكَ أنْ تعد العدَّة، وتُهيِّئ الأسباب، وتحشد القوى، لتبدأ، من ثمَّ، العمل، الذي هو “صراعٌ”، ولو كان الأمر الذي تريد تحقيقه بأهمية ووزن أنْ تقوم برحلة سياحية. وثمَّة “هدف (أو غاية)” يكمن دائمًا في “الإرادة”، بوجهيها: “القرار”، و”الفعل (العمل، التنفيذ)”.
وفي “تجربة الإرادة”، التي نخوضها، أفرادًا وجماعات، نتعلَّم، وينبغي لنا أنْ نتعلَّم، إجابة، وكيفية إجابة، سؤالين عظيميِّ الأهمية، هما: “ماذا أريد (أو نريد)؟”، و”كيف أصِل (أو نَصِل) إلى هذا الذي أريد (أو نريد)؟”.
ومن التجربة نفسها، نكتشف أنَّ “المكيافلية”، بمبدأها “الغاية تُسوِّغ الوسيلة”، لا تَصْلُح لـ”الإرادة”، بوجهيها (القرار والفعل). إنَّها لا تَصْلُح؛ لأنَّ التجربة، بنجاحها وفشلها، تُعلِّمنا أنَّ “الوسيلة تَتَبْع (ويجب أنْ تَتَبْع) الغاية”؛ فَمِنْ جِنْس “الغاية”، ومعدنها، وبما يُماثِلها، ويشبهها، تكون، ويجب أنْ تكون، “الوسيلة”؛ وكأنَّ أمْر “اختيار الوسيلة” يعود إلى “الغاية نفسها”.
“الإرادة” تحتاج دائمًا إلى التمرين والتدريب والتقوية والشَّحْذ؛ فالإرادة القوية، ومهما قَوِيَت، يمكن أنْ يعتريها الضَّعْف؛ والإرادة الضعيفة، ومهما ضَعُفَت، يمكن أنْ تقوى وتصلب؛ فلا ننسى أنَّ “الإرادة القوية” تأتي من “الإرادة الضعيفة”، بالتمرين والتدريب والتقوية والشَّحْذ؛ وليس من إرادة متساوية القوَّة والبأس في كل أمْرٍ؛ فمنسوب القوَّة في إرادتكَ يعلو، ويهبط، بما يُوافِق درجة أهمية الأمر لكَ (الآن).
“الإرادة الحُرَّة” هي “بِنْت “الوعي”؛ وهذا “الوعي” لن يكون “أُمًّا” لـ”الإرادة الحُرَّة” إذا لم يكن “وَعْيًا للضرورة”؛ أمَّا “الضرورة نفسها” فلا شأن لإرادتكَ بها؛ إنَّكَ لن “تقود”، عملًا بـ”إرادتكَ الحُرَّة”، قبل أنْ تؤدِّي على خير وجه دور “الجندي”، الذي يمتثل لأوامر وتعليمات وتوجيهات “قائده”؛ و”الامتثال” هو الطاعة والتنفيذ؛ هو أنْ تَعْلَم هذه الأوامر والتعليمات والتوجيهات، لِتَعْمَل، من ثمَّ، بمقتضاها، وبما يوافقها. وهذا “القائد (السيِّد)” إنَّما هو “الضرورة”؛ فاخْضَعْ لها، وامتَثِلْ، قبل، ومن أجل، أنْ تمارِس “إرادتكَ الحرة” مُمارَسَةً تتكلَّل بـ”النجاح”، أيْ تأتي بـ”نتائج” تَنْتَصِر لِمَا “تَوقَّعْتَ” من قَبْل، ولا تهزمه شَرَّ هزيمة.
أَمامكَ نهرٌ أردتَ عبوره، أو رغبتَ في عبوره؛ وأنتَ لا تجيد السباحة، ولا زورق لديكَ؛ فَلْتَتَمَثَّل معاني هذا المثال.
إذا فَهِمْتَ “الحرِّيَّة”، أيْ “حرِّيَّة إرادتكَ”، أو إذا فَهِمْتَ “الإرادة”، أيْ “إرادتكَ الحُرَّة”، على أنَّها “أنْ تَفْعَل ما تريد (أيْ ما يحلو لكَ)”، شاء من شاء، وأبى من أبى، فما عليكَ إلا أنْ ترمي نفسك في النهر، وتشرع تُمارِس “إرادتكَ الحُرَّة” بمعناها هذا!
إنَّكَ لن “تنجح”، لا بَلْ لن تفشل؛ لأنَّكَ (على ما أتوقَّع) ستموت غَرَقًا؛ فما عبور النهر بالتَّمنِّي!
“عبور النهر” له “قوانينه الموضوعية”؛ له قوانينه التي لا شأن لكَ بها؛ فأنتَ لم تَخلقها، ولن تفنيها، وليس في وسعكَ تغييرها (أو تعديلها). كل ما في وسعكَ فعله، وينبغي لكَ فعله، هو أنْ “تعيها (تكتشفها)”، ليس حُبًّا بالمعرفة؛ وإنَّما لتعمل بمقتضاها، وبما يُوافِقها، إذا ما أردتَ عبور النهر؛ فأنتَ تظلُّ عَبْدًا لها ما ظللتَ جاهلًا بها؛ وتغدو سيِّدًا، تَنْعَم بالحرِّيَّة، إذا ما وعيتها (وعرفتها، واكتشفتها) وامتثلتَ لها، وعملت بمقتضاها، وبما يُوافقها؛ وعملكَ هذا إنَّما يشبه أنْ “تُدير القوانين الموضوعية (التي لا تملكها)” بما يجعل عملها يعطي من “النتائج” ما يُوافِق، كثيرًا، أو قليلًا، “”الهدف” الذي سعيتَ له.
“القوانين الموضوعية” هذه هي التي تشير عليك أنْ تتعلَّم السباحة، وتوضِّح لكَ، وتشرح، “كيفية تعلُّمها”؛ فما تَعلَّمته لإجادة لعبة كرة القدم مثلًا لا يَصْلُح للسباحة، ولعبوركَ النهر، سباحةً؛ وهذا إنَّما يُبيِّن لك، ويوضِّح، “السبب الموضوعي” للفَرْق بين هذا التَّعَلُّم وذاك؛ فهذا “الفرق” ليس وليد “إرادتكَ”.
وإذا كان النهر واسعًا عريضًا، لا يُمْكِنكَ، من ثمَّ، عبوره سباحةً، فلا بدَّ لك، عندئذٍ، من أنْ تخترع وتصنع زورقًا، أو ما يشبه الزورق. وفي هذا تكمن، أيضًا، أهمية “وعي الضرورة (أيْ وعي القوانين الموضوعية)”، في سعينا إلى “تحقيق” ما نريد. أنتَ تخترع وتصنع الزورق؛ لكنَّ عملكَ هذا لا يعدو أنْ يكون “تنفيذًا” لِمَا يأمركَ به “القانون الموضوعي”؛ وهذا “التنفيذ”، مع “الأمر”، ليس وليد “إرادتكَ (ومشيئتكَ)”؛ فأنتَ لم تَخْتَرْه، ولم ترغب فيه؛ ولو كان عبور النهر فِعْلًا لا قوانين موضوعية له، لاستطعتَ عبوره مَشْيًا.
جَرِّب أنْ تُخالِف، أو تعصي، هذا الأمر، بأنْ تأتي بلوحٍ معدنيٍّ، تملأه ثقوبًا، ثمَّ تَرْكَبُه، توصُّلًا إلى عبور النهر؛ فتَعْرِف، عندئذٍ، “العاقبة (والعقوبة)”.
إذا كانت “الحرِّيَّة” هي أنْ “أفعل” ما “أريد”، وأنْ يأتي فعلي بـ”النتيجة التي أريد وأتوقَّع”، فَلْتُجرِّبها، وتَخْتَبِرْها بعبور النهر، قبل أنْ تتعلَّم السباحة، أو من غير أنْ تستعين بزورق، أو بما يشبهه!
أنتَ حُرٌّ، وتنعم بـ”الإرادة الحُرَّة”، أو بـ”حرِّيَّة الإرادة”، ما ارتضيتَ أنْ تكون، وأنْ تظلَّ، في إرادتكَ، وهدفكَ، وسعيكَ، وفعلكَ، “مقيَّدًا بقيود القانون الموضوعي (الذي وعيته واكتشفته)”؛ أمَّا إذا ركبت رأسكَ، وقرَّرتَ أنْ تكون “حُرًّا” بمعنى أنْ تفعل ما يحلو لكَ، و”تحرَّرتَ”، من ثمَّ، من تلك “القيود (الذَّهبية)”، فلكَ أنْ “تَنْعَم”، عندئذٍ، بـ”العبودية”؛ إنَّكَ تخضع لـ”القانون الموضوعي” قَبْل، ومن أجل، أنْ تُخْضعه لكَ، وتُسيطر عليه؛ لكنَّ هذا القانون لا تخلقه باكتشافكَ له، ولا تلغيه بتحكُّمكَ فيه، وسيطرتكَ عليه.
تخيَّل أنَّ لديكَ ذرَّات أُوكسجين “مفكِّرة”، وأنَّ ثلاثًا منها “أرادت” أن تتَّحِد لتؤلِّف، باتِّحادها، “جزيء ماء”، فهل تأتي “نتائج” فعلها متَّفِقة مع ما “أرادت”؟
الجواب هو: كلَّا، ستفشل، حتمًا، في “فِعْلِ ما تريد”، فتكوين “جزيء الماء” يحتاج إلى ما هو أهم بكثير من “إرادتها”؛ إنَّه يحتاج إلى أن تتَّحِد كل ذرَّة من ذرَّات الأُوكسجين الثلاث مع ذرَّتي هيدروجين. أمَّا لو “أرادت” ذرَّات الأُوكسجين الثلاث أن تتَّحِد لتؤلِّف، باتِّحادها، غاز “الأُوزون” فسوف تأتي “نتائج” فعلها متَّفِقة تمامًا مع ما “أرادت”.
عباس بن فرناس رغب في الطيران كالطيور، وأراده، فحاوَل؛ لكنَّ محاولته باءت بالفشل، كما فشلت ذرَّات الأُوكسجين الثلاث “المفكِّرة” في أنْ تصنع، باتِّحادها، “جزيء ماء”. ولم ينجح البشر حيث فشل عباس بن فرناس إلَّا عندما اكتشفوا القانون الطبيعي للطيران، فصنعوا، بما يتَّفق معه، وسائل الطيران.
بالمعنى “المثالي” لـ”حرِّيَّة الإرادة”، فإنَّكَ لستَ حُرًَّا حتى في إعداد كوبٍ من الشَّاي؛ فهل تستطيع إعداده إذا ما “رَفَضَ” الماء أنْ يغلي مهما سَخَّنْته (أو إذا ما “رَفَضَت” مادة الشَّاي أنْ تنحلَّ في الماء المغلي)؟!
وفي مثال “الرغبة في عبور النهر”، نَقِف، أيضًا، على أهمية، وكيفية، ومعنى، “التفاعُل” بين “الذَّات” و”الموضوع”.
أسئلةٌ وتساؤلاتٌ كثيرة، استغلقت إجاباتها على الذَّهن البشري زمنًا طويلًا، شرعت الآن تتلمَّس طريقها إلى الزوال (فبالإجابة يزول السؤال، لينشأ، في الوقت نفسه، سؤال آخر).
لماذا أريد ما لا تريد؟
ولماذا تريد ما لا أريد؟
ولماذا يريد كلانا نقيض ما يريده الآخر؟
لماذا الذي نريده الآن لم يرده أسلافنا؟
ولماذا لا نريد الآن ما أرادوا؟
الإنسان دائمًا “يريد”؛ فهو، أوَّلًا، “يريد”؛ ثمَّ يشرع يعمل (توصُّلًا إلى ما يريد). وهذا الذي قُلْت ليس بذي أهمية؛ فهو أمْرٌ في منزلة “البديهية”؛ لكنَّ من الأهمية بمكان، أنْ نعلِّل ونُفسِّر الاختلاف والتباين في “محتوى” إرادته.
إنَّ الإنسان جُمْلَة من “الحاجات” التي ينبغي له تلبيتها وإشباعها؛ وجُمْلَة من “المصالح” التي ينبغي له الدفاع عنها. وثمَّة حاجات طبيعية لا يستطيع الإنسان أنْ يبقى على قيد الحياة إذا لم يُلبِّها ويشبعها؛ وهذه الحاجات هي التي تُلْزِم صاحبها “العمل” و”التعلُّم”، و”العيش ضِمْن جماعة”؛ وإنَّ حاجته إلى الطعام، أو المأكل، هي أهمها على وجه الإطلاق؛ ولعلَّ هذا هو ما جَعَل “الإحساس بالجوع” أقوى وأهم أحاسيس الإنسان.
ثمَّ تأتي “المصالح”؛ فأنتَ لكَ “مصلحة” في هذا..؛ وليس لكَ “مصلحة” في ذاك..؛ وإنَّ “مصلحتكَ” في هذا.. هي “نقيض مصلحتي”؛ وما عليكَ وعليِّ إلَّا أنْ نُفكِّر ونعمل ونتصرَّف بما يمليه علينا “نزاع المصالح” هذا، والذي لم يَخْتَرهُ، ولم يُرِدْهُ، كلانا؛ أمَّا “الحقوق” فلا أهمية لها إذا لم تكن عَوْنًا لي في تلبية “حاجاتي”، وحِفْظ وصَوْن “مصالحي”.
وكما يشبه “الجَمَلَ” بيئته “الصحرواية”، في لونه وبنيته وتكوينه وخصائصه..، ينبغي لـ “دوافعي” و”حوافزي” و”اهتماماتي” و”إرادتي” و”أهدافي” و”غاياتي”.. أنْ تشبه “حاجاتي” و”مصالحي”؛ ففي “حاجات” و”مصالح” المرء والجماعة، وفي الأساسي والجوهري منها على وجه الخصوص، يكمن التفسير والتعليل للدوافع والحوافِز والاهتمامات والإرادة والأهداف والغايات..
أنتَ تريد، وأنا أريد؛ وكلانا قد يريد نقيض ما يريده الآخر؛ ويسعى بما يُناقِض سعي الآخر؛ وكلانا يرى، في نهاية سعيه، “النجاح” أو “الفشل”؛ لكن أليس من شيء آخر نراه، ويستحق أنْ نراه؟
نَعَم، ثمَّة شيء آخر؛ إنَّه “التاريخ”؛ ففي نهاية لعبة الصراع هذه، يَظْهَر إلى الوجود “شيء” لم أرِدْهُ أنا، ولم ترِدْهُ أنتَ، ولم يرِدْهُ غيرنا؛ فهذا “الشيء” لم يكن له من مكان في “إرادتنا” و”وعينا” و”اهتمامنا” و”دافعنا” و”خططنا” و”سعينا”..

إلى الأعلى