الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (108)

نافذة لغوية (108)

المعنى الدلالي لـ (القَوْم والرَّهط والنَّفَر)

الرَّهْط في اللغة: الجماعة من الرجال ما بين ثلاثة إلى عشرة، وقيل: من سبعة إلى عشرة، وقيل: من ثلاثة إلى سبعة. ورهط الرَّجُل: أقرب أقاربه. والقَوْم في اللغة: الجماعة من الرجال، قال زهير:
وما أدْرِى وسَوْفَ إخَالُ أدْرِي
………….. أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِسَاءُ!

وقَوْمُ الرجُلِ: شيعته وعشيرته، وأصل القوم: مصدر “قام” ثم غلب على الرجال دون النِّساء، وسُمُّوا بذلك لأنهم قوَّامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يَقُمْنَ بها، ويدخل النساء فيه على سبيل التَّبَع.
والنَّفَر في اللغة: مثل الرهط، ما دون العشرة من الرجال دون النساء؛ لأن الرجال هم من يمكنهم النَّفْرُ في الحرب.
وهكذا لا نكاد نجد فارقًا يُذْكَر بين الكلمات الثلاث في الاستعمال اللغوي فلنتأمَّلْ مواضع ورود هذه الكلمات في القرآن الكريم.
ووردت كلمة “رهط” في القرآن الكريم ثلاث مرات، في الآيات:
- ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هود/91-92.
- ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ النمل/48.
قال المفسِّرون: الرَّهْطُ إذا أضيف إلى رجل، أُريدَ به: القرابة الأَدْنَوْنَ؛ لأنهم لا يكونون كثيرًا، فأطلقوا عليهم “أي قوم شعيب” لفظ الرهط الذي أصله الطائفة القليلة من الثلاثة إلى العشرة، ولم يقولوا: “قومك”؛ لأن قومه قد نبذوه.
والمقابلة بين القوم والرَّهْط في آية هود رقم “92″ توضِّح أن المراد بالقوم: الكثيرون من قرابة الرجل القريب منهم والبعيد، وبالرهط: القليل من قرابة الرجل الأقرب إليه من غيرهم.
وقال أبو حيان في (البحر المحيط) في تفسير آية النمل رقم “48″:
“اتَّفَقَ المفسِّرون على أن المعنى تسعة رجال” ، ونقل عن الرازي قوله: “الأقرب أن يكون المراد تسعةُ جمعٍ؛ إذ الظاهر من الرهط الجماعةُ لا الواحد”.
ولعلَّ قول الرازي هو الجدير بالصحَّة؛ لأن اللفظ القرآني لا يحلُّ محلَّه غَيْرُه، ولو أريد بتسعة رهطٍ: تسعة رجالٍ؛ لكان الأوْلَى أن يُعَبَّر عنهم بالرجال.
ويؤيِّد هذا المعنى ما نقله أبو حيان أيضًا بلفظ: “قيل: والرهط اسم الجماعة، وكأنهم كانوا رؤساء مع كل واحدٍ منهم رهط”.
وعلى كلٍّ فالرهط: الجماعة من الرجال لا يتجاوز عددهم عشرة، وهم القرابة الأَدْنوْنَ.
وأمَّا القوم فقد تكرر ذكره في القرآن الكريم كثيرًا، ومن شواهده الآيات التالية:
- ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ البقرة/54.
- ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ آل عمران/86.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الحجرات/11.
قال المفسِّرون في آية الحجرات رقم “11″: القَوْمُ: الرجالُ خاصَّةً؛ لأنهم القُوَّامْ بأمور النساء، قال الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ النساء/34، واختصاص القوم بالرجال صريحٌ في الآية، وفي قول زهير:
* أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ *
وأمَّا قولهم في قوم فرعون وقوم عادٍ: هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم بمُتَعَاطٍ للفريقين، ولكن قُصِدَ ذِكْرُ الذكور وتُرِكَ ذِكْرُ الإناث لأنَّهُنَّ توابع لرجالهن.
وسياق استعمال لفظ القوم في القرآن الكريم، وإضافته إلى الأعلام كقوم موسى، وقوم شعيب، وقوم فرعون … إلخ؛ يقطع بمعنى الكثرة فيهم.
وعلى هذا يكون القوم: جماعة الأقارب الرجال، أكثر من عشرة، ويدخل فيهم النساء على سبيل تغليب الرجال على النساء، أو لتبعيَّة النساء للرجال.
وأمَّا النَّفَر فقد ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات، في الآيات التالية:
- ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ الكهف/34.
- ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الأحقاف/29.
- ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ الجن/1.
فرَّق الزمخشري في تفسيره (الكشّاف) بين الرَّهْطِ والنَّفَر بأن: الرَّهْط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة، والنَّفَر من الثلاثة إلى التسعة.
ولكن هذه التفرقة لا تضيف شيئًا، واستقراء المواضع التى ورد فيها لفظ “نفر” يبيِّن لنا أن المراد بها مختلف من سياق إلى آخر، فالمراد بها في آية الكهف: أولاد الرجل الذكور الذين ينفرون معه.
والمراد بها فى آيتي الأحقاف والجن: الجماعة دون العشرة، وهم في هاتين الآيتين من الجن، وأصل إطلاقه على البشر، فأطلق على جماعة من الجن على وجه التشبيه؛ إذ ليس في اللغة لفظ آخر.
وبذلك يمكننا القول إن النفر: الجماعة من الرجال دون العشرة، ولا يشترط أن يكون من عشيرة الرجل وأقاربه.
• ونخلص مما سبق إلى أن هذه الألفاظ “الرهط ـ القوم ـ النفر” بينها تقارب دلالي؛ حيث تشترك في الدلالة على معنى الجماعة.
• وينفرد لفظ “الرهط” بملمح قلَّة العدد، ودلالته على القرابة القريبة.
• وينفرد لفظ “القوم” بدلاته على القرابة عمومًا، وبدلالته على الكثرة.
• وينفرد لفظ “النَّفَر” بدلالته على الذكور الذين ينفرون فى الحرب، ولا يشترط أن يكونوا من عشيرة الرجل وأقاربه.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى