الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أهلا بشهر رمضان (1)

أهلا بشهر رمضان (1)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
في رمضان تشرق النفسُ على العطاء والحب والنقاء، تستشعر حلاوة القرب فنسعى لتحقيق صفاء ونقاء تشتاق إليه لتنعم في ظلاله.
والصفاء النفسي درجة من درجات الإيمان، ونعمة من نعم الله يمن بها على عبده المحب المؤمن؛ إذ يشعر بأن هناك نورًا يسري في كِيانه يُهذِّبُه ويصقله ويوجهه إلى كل ما هو خير وفاضل وكريم.
يأتي شهر رمضان بعد طول غياب ويفد بعد فراق، نبشركم كما كان المصطفى (صلى الله عليه وسلّم) يبشر أصحابه فيقول:(قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ)، كيف لا يبشر المؤمن بشهر يفتح الله فيه أبواب الجنة؟ كيف لا يبشر المذنب بشهر يغلق الله فيه أبواب النار؟ كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل الله فيه الشياطين؟ شهر لا تُحصى فضائله ولا يُحاط بفوائده.
ففي شهر رمضان المبارك عبادة هي من أجل العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة لها آثارها الطيبة في العاجلة والآجلة من تزكيه النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح والحواس من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق، وحصول عظيم الأجر وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعالي الدرجات بما لا يوصف ناهيك عن عمل اختصه الله من بين سائر الأعمال.
ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ يقول: قال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(قال الله: كُلُّ عَمَلِ بن آدَمَ له إلا الصِّيَامَ فإنه لي وأنا أَجْزِي ب)، وعبادة الصوم جُنّة من الشهوات والمحرمات، وجُنّة من النار والدركات، فعن عثمان بن أبي العاص ـ رضي الله عنه ـ قال: قال الرسول (صلى الله عليه وسلم):(الصَّوْمُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ) ـ الطبراني وحسنّه الألباني، فهو يقي الصائم ما يضره من الشهوات ويجنبه الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار, وتورثه الشقاء في الدنيا والآخرة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائِمٌ)، والصوم يشفع للعبد يوم القيامة .. فعن عبداللَّهِ بن عَمْرٍو أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قال:(الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يوم الْقِيَامَةِ يقول الصِّيَامُ أي رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فيشفعني فيه وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فشفعني فيه قال فَيُشَفَّعَانِ وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى من رِيحِ الْمِسْكِ).
هذا هو شهر رمضان وهذه فضائله فما هو حال الناس في استقبالهم لشهر رمضان؟
الناس في استقبال شهر رمضان على قسمين: قسم يفرح بقدومه ويأنس بحلوله وهم فريقان فريق يفرح لرواج تجارته ونفاق بضاعته وسهر لياليه على الورقة أو في الملاعب والمقاهي أو متابعة الاغاني والمسلسلات وربما بارزوا الله بالعظائم وهؤلاء لا حظّ لهم من رمضان إلَّا ما نووا وقصدوا, وفريق آخر يفرح بقدوم الشهر فيعتبره موسماً من مواسم الطاعات واستباق الخيرات ومنافسة أهل الخير والصلوات وكثرة الإحسان والصدقات والتقرب إلى الله فيه بقراءة القرآن وسائر القربات وهؤلاء يفرحون به لأنَّهم قوم عودوا أنفسهم على الصيام ووطنوها على تحمله لكثرة صيامهم للنوافل.
يفرحون به لأنَّهم يعلمون أنَّ الامتناع عن الشهوات والملذات في الدنيا سبب لنيلها في الآخرة فلقوة يقينهم بما سيلقونه في الآخرة يفرحون بقدوم الشهر .. يفرحون به لأنَّهم يعلمون ويدركون أنَّ شهر رمضان موسم من مواسم التنافس في الطاعات واستباق الخيرات .. ويعلمون أنَّ الله يجري فيه من الأجور مالا يجري في غيره من الشهور فلذلك يفرحون وفيه يشمرون عن ساعد الجد في المحافظة على الصلوات والطاعات والبعد عن المعاصي والمحرمات وإن كان هذا شأنهم طيلة العام ولكن في رمضان خيرهم يزيد ومحاسبتهم لأنفسهم تقوى ويرغبون في مغفرة الله ورحمته في هذا الشهر لأنَّ الخاسر كل الخاسر من مر شهر رمضان عليه وخرج منه خاسراً من رحمة الله ومغفرته.
وأمَّا القسم الثاني فهم الذين لا يفرحون بقدومه ولا يأنسون بحلوله .. يستقبلون هذا الشهر ويعدُّون أيامه ولياليه منتظرين رحيله بفارق الصبر, ويفرحون بكل يوم يمضي من أيامه حتى إذا اقترب العيد بدا الفرح على محياهم, ورأيت ارتكابهم للمحرمات من سماع الأغاني وضرب الطبول والمزامير في أيام العيد وعادوا إلى ما كانوا عليه من المآثم والمنكرات، وتركوا المساجد وأضاعوا الصلوات وهؤلاء إنَّما استثقلوا الشهر لأمور: فهم قوم تعودوا على التوسع في الملذات والشهوات من المآكل والمشارب والمناكح وغيرها فضلاً عن مفارقتهم للذات المحرمة فيجدون في هذا الشهر مانعاً يمنعهم وقيداً يحبسهم عن شهواتهم ويحول بينهم وبين ملاذهم فاستثقلوه, وكذلك هم قوم عظم تقصيرهم في الطاعات حتى أنَّ منهم من قد يفرط في الواجبات ويضيع الفرائض والصلوات فإذا جاء رمضان التزموا ببعض الطاعات وحافظوا على الصلوات وشهدوا الجمع والجماعات فبسب هذا الالتزام الذي لم يألفوه ولم يوطنوا أنفسهم عليه استعظموا هذا الشهر واستثقلوه .. هذا زيادة على ضعف يقينهم بما أعده الله للمؤمنين من الأجر وعدم استحضارهم لفضل هذا الشهر وما فيه من الحسنات العظيمة فلا عجب ألَّا يجدوا من اللذة والفرح والسرور بقدوم هذا الشهر العظيم حتى قال قائلهم:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر
ولا صمت يوماً بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة على الشهر
لاستعديت قومـي عـلى الشهر
إنّ إدراك شهر رمضان نعمة كبيرة فضلها عظيم وثوابها جزيل ولذا كان السلف الصالح يدركون هذه النعمة ويقدرون لها قدرها فيسألون الله على ما ذكر ستة أشهر أن يبلغهم رمضان فإذا أدركوه بكوا من الفرح واجتهدوا في الطاعات ونافسوا في الخيرات وسارعوا إلى المغفرة والجنات فإذا ولَّى ودعوه بقلوب حزينة وأعين دامعة وسألوا الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان فالسنة عندهم كانت كلها رمضان، وكان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً.
* (المرجع: مصادر متعددة)

إلى الأعلى