الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: عبادة الصيام (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: عبادة الصيام (1)

ناصر بن محمد الزيدي
الحمـد لله الـذي أعـظـم الـمنـة عـلى عـباده، بأن جـعـل الـصـوم لأولـيـائـه مـن الشـيطان حصـنا وجـنة، وفـتـح لهـم مـن أجـله أبـواب الجـنـة وعـرفـهـم أن وســيلة الـشـيطان إلى قـلـوبهـم هـي الشـهـوة الـمسـتكـنة والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق ورسـول الحـق إلى الناس أجـمعـين وعـلى آلـه وأصحـابه الغـر الـمـيامـين الطـيبين الطـاهـرين وعـلى الـتـابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـإن الله سـبحانه وتعالى فـرض عـلى عـبـاده الصـيام، وجـعـله شـهـراً مـباركاً لما فـيه مـن الخـيـرات والـبركات، والـنـفحـات الإيـمانـية والهــبات الـربـانـية، وأن فـيه لـيـلة خـير مـن ألـف شـهـر، اللـيـلة التـي أنـزل فـيها الـقـرآن، هـدى للـنـاس وبيـنات مـن الهـدى والـفـرقـان.
عـدالة التشريع
قال الله تبـارك وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البـقـرة 183 ـ 184)، وقال (صلى الله عـليه وسـلم):(يا مـعـشـر الـشباب مـن اسـتطاع منكـم الـباءة فـليتـزوج فـإنه أغـض للـبصـر وأحـصن للـفـرج، ومـن لـم يـستـطع فـلـصـوم فـإن الصـوم لـه وجــاء) ـ (الجـزء الأول مـن كـتاب قـناطـر الخـيرات للـشـيخ اسمـاعـيل الجـيـطالي ـ 452، الطـبعة الثانية 1418هـ / 1998م مطابع النهضة/ سلطنة عـمان).
فانظـر أيها الـمـؤمـن الحـريص الإيمان إلى عـدالة الـتـشريع الإسـلامي وضـرورته لحـياة الإنسـان، وبـما أن الإنـسان مـركـب مـن جـسـم وروح فـإشـباع الجـسـم عـلى حـساب الـروح ضـرر له، وإشـباع الـروح عـلى حـساب الجـسـم كـذلك ضـرر لـه، الإنسان في كـثير مـن الأحـيان أكـثر احـتـياجاً إلى أطـباء القـلـوب مـنه إلى أطـباء الأجـسام، فأنـت بالـروح لا بالجـسـم إنسـان.
ومـن الـمـلاحـظ أن الـمعـدة تعـمـل طـول العـام بـلا تحـرز أو نـظـام، لـذلك فهي تحـتاج إلى راحـة مـن حـين لآخـر، وإذا لـم يـعـطها صاحـبها راحـة اخـتيـاراً، أخـذتها رغـما عـليه بنفـسها قسـراً واضـطـراراً، وجـلـبـت عـليه مـع ذلك مـتاعـب وأضـراراً، لأنها سـتـسـتريح عـن طـريـق الـمـرض، فـتـعـنـت صـاحـبها وتـكلـفه الكـثير مـن جـهـده وماله في عـلاجها، وإعـادتها إلى حـالتها الطـبيـعـية ، فـإذا كـتـب الله عـلى الـمـؤمنيـن صـيام شهـر رمضـان الـمبارك في كل عـام، فإنما ذلك مـن أجـل الـمـؤمنيـن أنفـسهـم رحـمة مـن الله وفـضـل، ورأفـة بهـم حـتى لا تحـاصـرهـم الأمراض فـتقـضي عـليهـم وهـم في غـفـلة مـن أمـرهـم.
وقـد سـبـق الـرسـول الـكـريـم (صلى الله عـليه وسـلـم) الأطـباء الـذين اكـتـشـفـوا أن الصـوم يـعـالـج كـثيراً مـن الأمـراض، كأمـراض السـمنة والكـبـد وتصلـب الشـرايـين، وارتـفـاع ضـغـط الـدم، وغـير ذلك مـن الأمـراض.
وإذا كان الأطـباء ينـصـحــون في أغـلب الحـالات الـمـرضى بالـتخـفـيـف مـن الطـعـام أو بعـدم تـناول أنـواع مـعـينة مـن الأطـعـمة، تخـفـيـفاً عـلى الـمعـدة والجـسـم، فالصـوم يحـقـق ذلك وأكـثر مـن ذلـك، وبـذلك يـكـون الصـوم عـلاجـا وشـفـاء للناس مـن كــثير مـن الأمـراض.
وقـد جـعــل الله سـبحـانه وتعـالى مـدة الصـوم شـهـراً:(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) لحـكـمة يـعـلمها الله وحـده وقـد يـدرك الإنسـان بـعـض فـوائـدها وأثـرها في نفـسه، لـو الإنـسان اسـرف في تجـويـع نفـسه وعـذبـها لأضـعــف جـسمه وأنهـك قـوته، وفـقـد القـدرة التي تسـاعـده عـلى القـيام بـعـمله وما تـطـلبه شـؤون الحـياة، وما يجـب عـليه أداؤه مـن العـبادات.
لـذلك جـعـله الله سـبحـانه وتعـالى شـهـراً واحـداً في العـام، وحــث الـرسـول الكـريم (صلى الله عـليه وسـلم) عـلى وجـبة السـحـور، ليتـقـوى بها الـمـؤمـن عـلى الصـيام في الـنهار، والقـيام بالأعـمال لكـسـب القـوت مـن الحـلال، وحـث عـلى وجـبة الافـطـار بـطـعـام لـم تـمسسه الـنـار، مـثـل الـتـمـر والـماء، حـتى يـسـترد الجـسـم قـسطـاً مـن نشـاطه، وقـوته وحيـويته، ويستـطـيع أن يـقـوم اللـيـل يحيـيه بالعـبادة وتـلاوة القـرآن لا بالسهـر في تـتبع الـمسـلسلات الـماجـنة، والسهـرات التي لا فـائـدة فـيها، والتي ما عـرضـت إلا لـتـفــسـد عـلى الـمـؤمـن ديـنه وخـلـقـه وصـيامه.
ولـذلك نهى الـرسـول الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلـم)، عـن الـوصـال بالصـوم بأن يصـل الإنسان اللـيـل بالنهـار الصـوم، لأن هــذا إرهـاق للجـسـم وضـعـف له، والله يـقـول وقـوله الحـق:(.. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقـرة ـ 185)، والـرسـول الـرءوف الـرحـيـم يقـول:(صـم وافـطـر وقـم ونـم، فإن لـبـدنـك عـليـك حـقـاً).
إن الصـوم طـريـق للـصحـة النـفـسية والجـسـمية والسـمـو الـروحـي، ونحـن الـذين نجـعـله بسـوء تصـرفــاتـنا طـريـق اســراف وتـبـذيـر ومـرض، وهـو شـهـر طـهـر وعـبادة وتقـوية نفـسية وإرادة، بيـنما نحـن نجـعـلـه بسـوء تصرفـاتـنا شـهـر كسـل وخـمـول ونـوم.
إن الله يـريـد بتـشـريعـه وفـرضه صـيام شـهـر رمضان، إنـمـا يـريـد بـذلـك الـتـشـريع سـلامة أبــدان ويـقـظـة جـنـان، وعـمـق إيـمـان، وإحـياء إحـسان وإرهـاف وجـدان، وتعـاون بـين بني الإنسان، فـمـن الـواجـب إن نحـرض مخـلـصين عـلى تحـقـيــق هـذه الأهـداف.
ولـقـد تعـقـدت حـياة الـنـاس في عـالـمنا الـمعـاصـر، وذلك بتـعــدد أنـواع الأطـعـمة والأشـربة والـمـشهـيات الأخـرى، لـذلك تجـد قـوما يتـمـنـون قـدوم شـهـر رمـضـان مـن أجـل الـتـفـنـن في أنـواع الأطـعـمة وألـوان الـمأكـولات والـمـشـروبات، وهـم يسـتعــدون بـتكـديـس الأطعـمة بجـميـع أنـواعهـا لاسـتـقـبال شـهـر رمضان، قـبـل وصـوله بأسابيع، فـيفـســدون روح الصـوم بالإسـراف في الـمـآكل والـمشـارب.
فـإذا اعـتـاد الجـسـم عـلى أنـواع مـن الأطـعـمة وألـوانها، وألـف الــترف والـتـنـعـم فـيـخـشى عـلـيه أن ينـدرج ضـمـن الـذين عـجـلت لهـم طـيبا تهـم في حـيـاتهـم الـدنيا، فـمـا مـتاع الحــياة الـدنـيا في الآخـرة إلا قـلـيـل.
ومـما يـؤلـم الـمـؤمـن الـقـوي الإيـمان فـعــل أخـيه الصـائـم، وهـو يـراه عـلى مائـدة الإفـطـار، وأمامه أنـواع عـديـدة وألــوان كـثـيرة مـن الأطـعــمة والـمشـروبات، فـما أن يسـمع الـمـؤذن يــؤذن لـصـلاة الغــرب حـتى يـبادر مسـرعـاً بقـذف كـمـيات مـن تـلك الأنـواع والألـوان مـن الأطـعـمة والأشــربة في معـدته الـمحـدودة الحجـم والطـاقـة، فــتـتراكـم تـلك الأطعـمة عـلى الـمعــدة فـتـتضخـم، فـإذا تضخـمت الـمـعـدة بـتراكـم الأطـعـمة، سـبـب ذلك عـسـراً في الهـضــم، ويـصير كـمـن يحـمـل حـملاً ثـقـيلاً لا يستـطـيع الـنهـوض به، فـيعـجـزه عـن الحـركة، فـيسبـب لـه مـغـصـاً وآلاماً في الـبطـن، وأمـراضـاً في سـائـر أعـضـاء جـسمه وبـذلك يحـرم نفـسه عـن أن يـغــذ يـها بالعــبـادات والـقـربات التي خـلـق مـن أجـلها.
وقال بعــض الأطـباء الحـكـماء:(إن للإنسان معـدة محـدودة الاتسـاع ، ولهـذه الـمعـدة جهـد محـدود أيضا، فـإن زادهـا بالإفـراط في الطـعـام والشـراب عـمـلاً، زادهـاً جـهـداً وألـمـاً، وحـمـلها عجـزاً وسـقـماً، بحيـث لا تسـتـطـيع للـطـعـام هـضـماً، فـتـتـمـدد بـتـراكـم الطـعـام والشـراب، فـإذا تمـددت الـمعــدة بالطـعـام والـشـراب وانبـعـثـت الـغـازات الناتجـة عـن الـتـخـمـر سـبـب ذلك ضـغـطـاً كـبـيراً عـلى القـلـب، وهـذا الضـغـط بــدوره يـسبـب عـسـراً في الـتـنـفـس واضـطـرابا في الـقــلـب.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى