الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. كوارث الجهل بالمفاهيم

رؤى .. كوارث الجهل بالمفاهيم

في عام 1986 فاجأنا المخرج المصري الراحل صلاح أبو سيف بفيلم يعود بنا ـ من وجهة نظر أيديولوجية ـ إلى بداية الخلق، حين كان الانسان الأول، وكيف تفجرت الصراعات والحروب، ولقد أحسن المخرج حين اختار لفيلمه عنوان “البداية”، وقبل أن تبدأ أحداث الفيلم ظهرت على الشاشة تلك العبارة “حاولت أن أقدم فيلمًا خياليًّا ولكني وجدته يأخذ شكلا من واقع الحياة” ، وبالفعل الفيلم يجسد بسخرية مرة ما يعانيه الانسان ومنذ بداية الخلق من ظلم وقهر على يد أخيه الانسان، وهكذا كانت البداية “في الفيلم”، طائرة تسقط في الصحراء بالقرب من واحة، كل ركاب الطائرة وركابها نجوا من الموت، لكنهم في موقف صعب، سبل الاتصال انقطعت بهم عن العالم انقطعت، لكنهم اكتشفوا واحة قريبة مهجورة، أشجار ونخيل وماء، فبدأوا يكيفون حياتهم على هذا الوضع المفاجئ، أحدهم رجل أعمال “الممثل جميل راتب”، بدا متسلطا، أراد أن يسيطر على الواحة، وادعى أنه مالكها، واستطاع أن يستميل بالاغراءات شابا قويا من المجموعة، ومن خلاله فرض سيطرته على الواحة، وهذا ما أراد المخرج أن يقوله لنا عبر كوميديا راقية “الفيلم حصل بالفعل على الجائزة الذهبية لمهرجان الأفلام الكوميدية في سويسرا”، أن مشكلة البشر بدأت حين تسلط أحدهم وقال هذا ملكي! وقبل أن يظهر هذا المتسلط ويفرض سيطرته كان كل شيء مشاعا، الغذاء والشراب، وكل يأكل ويحصل على حاجته دون أن يقول هذا ملكي، من هنا بدأت مشكلة البشر، لكن ما كان لهذا المتسلط أن يأخذ ما ليس له ويفرض سيطرته على الجماعة إلا لأن الجهل يشيع بين بعض أفرادها، فالشاب الأمي البسيط الذي فرضه مسئولا عن الأمن في الواحة وفلاح بسيط من بين الركاب حين تحدث معهما الشاب المثقف “النجم الراحل أحمد زكي” عن الظلم والقهر اللذين تتعرض لهما الجماعة على أيدي “نبيه بيه”، وشعر “نبيه بيه” أنهما قد ينضمان إلى صف الشاب المثقف فحذرهما قائلا : لا تصدقاه ، إنه ديموقراطي، فانزعجا جدا، حيث ظنا أن الديموقراطية تعني الكفر، أي أن الشاب المثقف لأنه ديموقراطي فهو كافر، وتلك الإشكالية التي نعاني منها الآن فيما يسمى بـ “دول الربيع العربي”، ثمة تيارات تسعى إلى بناء الدولة على أسس مدنية، لكن محاولاتها تواجه باتهامات توجه لهم بالكفر والعياذ بالله، وقد أثار “الناشط” المصري صابر نايل هذه القضية مؤخرا بسبب المفاهيم المغلوطة والشائعة عن “العلمانية”، وتأثر أعضاء اللجنة المكلفة بصياغة دستور جديد لمصر بترجمات غير صحيحة عن العلمانية، والسائد ـ حسب نايل ـ ترجمة العلمانية باللا دين، أي أن الانسان العلماني لا دين له، والصحيح أن العلمانية تعني عزل الدين عن السياسة وليس نفي أو إنكار الدين!
والكثير من العلمانيين يستهجنون نعتهم بالملاحدة، ولقد سألني صديق صحفي بتأثر شديد: هل تراني ملحدا؟ فقلت ضاحكا: ملحدا كيف وقد أديت فريضة الحج، ومنذ نصف ساعة كنا نؤدي صلاة العصر في المسجد معا! فقال دون أن يشاركني الضحك: زميل لنا نعتني بهذا لأنني كتبت مقالا أبدي فيه تعاطفي مع مفهوم الدولة المدنية، وشرحت فيه المفهوم الصحيح للعلمانية!
ولقد قرأت مقال صديقي، وهو يرى أن المعني بالعلمانية فصل الدين عن السياسة، وليس إلغاء للدين، فلا يمكن أن تستقيم حياة البشر بدون الدين. لكن السياسة وكما قال الزعيم البريطاني ونستون تشرشل: لعبة قذرة وأن الحاكم مستعد أن يحالف الشيطان حتى يحقق مصلحة بلاده، ومن الطبيعي، طالما هذا حال السياسة ألا نزج بالدين في مستنقعها القذر.
والعلمانية يفترض أن تكتب هكذا “العالمانية” إن كانت مشتقة من كلمة العالم ـ بفتح اللام – أي البشر والبيئة والحياة الاجتماعية، أما إن كانت مشتقة من “العلم”، باعتبار أن أمور الدولة تترك لأهل العلم، المهندس والطبيب والكيميائي، فتكتب بالعربية هكذا وكما هو شائع “العلمانية”.
وتعرف دائرة المعارف البريطانية العلمانية بأنها “حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الآخروية. وهي تعتبر جزءًا من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة الداعية لإعلاء شأن الإنسان والأمور المرتبطة به.
ويعد الكاتب الانجليزي جورج هوليوك أول من نحت مصطلح العلمانية عام 1851، إلا أن للنزعة العلمانية جذورا تمتد إلى الفكر الإغريقي. ولم يتطرق أحد بالحديث عن هذا الأمر حتى القرن الثالث عشر حين طالب مارسيل البدواني في مؤلفه “المدافع عن السلام” إلى الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية واستقلال الملك عن الكنيسة في وقت كان الصراع الديني الدينيوي بين بابوات روما وبابوات أفنيغون في جنوب فرنسا على أشده.
وربما يستند المناهضون للعلمانية، والذين ينعتونها بالإلحاد إلى أن أحد أبرز فرسانها وهو الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا كان ملحدا والذي قال إن الدولة كيان متطور وفي حاجة مستمرة للتحديث، ولا يمكن لتحقيق ذلك الاعتماد على الشرائع الدينية!
على أية حال لا ينبغي تجاهل حقيقة مهمة، أن المنشأ الجغرافي للعلمانية كانت البيئة الأوروبية التي استشرى فيها طغيان رجال الكنيسة والذين كانوا على سبيل المثال وراء تنظيم الحملات الصليبية التي خربت ونهبت وقتلت مئات الآلاف من المسلمين والمسيحيين واليهود، ولقد عانى الأوروبيون من تسلط المؤسسة الدينية، لكن الأمر يختلف مع مجتمعاتنا، فإن كانت العلمانية مرجعها العلم، فلقد أجل الدين الإسلامي العلم والمعرفة والتفكير، وأول لفظة أنزلها جبريل عليه السلام على سيدنا محمد “اقرأ”، وإذا كانت العلمانية مرجعها العالم مصالح البشر ودنياهم، فتعاليم الدين الإسلامي لم تتجاهل أبدا شئون البشر الدنيوية، فحثت على الإقبال على العلم والتعليم ونشر العدل والسلام والتكافل والتآخي، وغيرها من الأمور الدنيوية، ولا أرى فجوة هائلة بين تعاليم الدين والعلمانية بمفهومها الصحيح التي لا تعني أبدا إنكار الدين، بل منح المتخصصين من علماء ورجال سياسة واقتصاد ومهندسين وأطباء فرصة لتنظيم شئون العباد يقينا تحت عباءة الدين، وليست بمنأى عنه، إن أعظم ما يميز ديننا الوسطية والاعتدال والتأمل والتفكير، ولو وضعنا وسطية ديننا نصب أعيننا، فسوف نصل بالحوار الهادئ وبالتأمل والتفكير ـ وهي قيم حثنا عليها إسلامنا ـ إلى صيغة ملائمة لكيفية تنظيم أمور دنيانا وآخرتنا.

محمد القصبي

إلى الأعلى