الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أهلاً بك يا شهر رمضان

أهلاً بك يا شهر رمضان

إعدادـ محمد عبدالظاهر عبيدو :
ما ألذه من شعور يكتنف قلوبنا ونحن في أول أيام شهر الخير والبركات .. فها قد أظلنا شهر الكنوز العظيمة شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار .. سيد الشهور وميدان السباق والتنافس .. يشمر فيه المشمرون ويغتنمه العاقلون ويفرح بقدومه المؤمنون (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) (البقرة)، فرمضان حديقة وارفة الظلال دانية الثمار يدخلها المؤمنون منذ أول ليلة منه فيقبلون بشوق وحماس ونشاط على كل ألوان العبادة والطاعات لأنهم يعلمون ما فيه من المزايا والرحمات.
فمرحباً بك يا رمضان .. مرحباً يا شهر الصيام .. مرحباً بحبيب طال انتظاره .. مرحباً بشهر الخير والحسنات .. مرحباً بشهر الجود والهبات .. مرحباً بشهر الأعمال الصالحات.
حييت يا شهر الغفران .. حييت يا شهر القرآن .. يا شهر تزيين الجنان وشهر العتق من النيران .. مرحباً بك، ففيك تفتـح أبواب الجنة، فلقد قال الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم):(إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين) ـ متفق عليه، وفي رواية لمسلم:(وصفدت الشياطين)، وفي رواية الترمذي وابن ماجه:(إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين ومردة الجن وغٌلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة).
مرحباً بشهر كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبشر به أصحابه فيقول:(أتاكم شهر رمضان شهر كتب الله عليكم صيامه فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم) .. مرحباً بشهر قد اختص الله تعالى فيه جزاء الصائمين وجعله له وهو يجزي به جزاء الكريم فقال:(كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ـ أي: يقول كلاماً فاحشاًـ ولايصخب ـ أي: يتكلم بكلام فيه لغط ـ فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم والذي نفس محمدس بيده لخلوف فم الصائم ـ أي تغير رائحته ـ عند الله أطيب من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه) ـ متفق عليه، وفي رواية البخاري:(يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها).
فمرحباً بك يا رمضان .. مرحباً بك يا من اختص الخالق سبحانه الصائمين نهارك بباب الريان، فقد روى لنا سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لايدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد).
مرحبا أيها الشهر العظيم، فأنت تزورنا في كل عام مرة، فتجلب معك السعادة والبركة والنشاط.
مرحبا برمضان، فهو شهر الطاعة والزهد والتقشف والقيام لله عز وجل، وهذا الشهر العظيم شرع لتربية الأمة المسلمة على الصبر وتحمل المشاق في سبيل الله، فالأمة المسلمة أمة عمل وإنتاج وجهاد، ولا يتم ذلك من دون الصبر، فالصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وكفى بالصيام باعثاً على الصبر، فيه يحبس الإنسان نفسه طواعية عن لذائذ الحياة ابتغاء وجه الله عز وجل، وهذا الحبس يولد في نفسه القدرة على التحمل في أعتى الظروف، ويربي فيه الإرادة الحرة التي لا تخضع إلا لله تعالى. وشهر الصيام شهر عمل ونشاط، وليس شهر كسل وخمول، فالصائم في طاعة ولو رقد، وامتناعه عن الطعام لمدة نهار كامل يعطيه القوة والمناعة، فالمعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء كما تقول العرب، وهنالك بعض الأمراض لا علاج لها إلا بالصوم.
وفي رمضان تتنزل رحمات السماء، فيسارع أهل الطاعات للدرجات، ويسارع أهل المعاصي للتوبة، ويتنافس الناس في عمل الخير والمبرات، وتفتح لهم أبواب السماء، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون).
وشهر الصوم شهر عمل وجهاد، فيه يجب أن تستعد الأمة للعمل، وتضاعف طاقتها الإنتاجية، تماماً كما يستعد الجنود وقت النفير، وينبغي استغلال كل دقيقة في موسم الخير هذا لأنها فرصة لا تعوض، يبادر إليها من عرف قيمة الوقت في هذا الشهر العظيم.
والنجاح في هذا الشهر عندما نخرج منه وقد تحررنا من العبودية للشهوات الجامحة، والرغبات الفاسدة، والأهواء القاتلة، وذلك لا يتم إلا عندما نقهر الحقد بالصفح، والعداوة بالتسامح، والعجلة بالصبر، والذنوب بالتوبة .. ولعلنا نتساءل كيف نستفيد من مدرسة الصوم؟.
لقد أجاب الشيخ أبو الحسن الندوي على هذا السؤال، فقال تحت عنوان:(تفريط المسلمين في مقاصد الصوم وجناية العادات على العبادات) ما يلي:(.. ولكن المسلمين قد جنوا في كثير من الأحيان على أنفسهم، وعلى مقاصد الصوم وفوائده بالعادات التي يبتدعونها، وبجهلهم وإسرافهم في الإفطار والطعام، والإسراف الذي يفقد الصوم الشيء الكثير من فائدته وقوته الإصلاحية والتربوية، وقد لا حظ ذلك بدقة حجة الإسلام الغزالي وتحدث عنها ببلاغة، يقول رحمه الله: الأدب الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام، حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء، وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى، وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها، وقويت رغبتها، ثم أطعمت من اللذات وأشبعت، زادت لذتها، وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها، فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العودة إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا، فلم ينتفع بصومه، بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار، حتى يحس بالجوع والعطش، ويستشعر ضعف القوى، فيصفو عند ذلك قلبه، وليستديم كل ليلة قدراً من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده، فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه، فينظر إلى ملكوت السماء).
إنه لا بد من أن نعيد لهذه الشعيرة المباركة محتواها الروحي بالتقليل من الأطعمة والملذات، وبالتسامي فوق الغضب والانفعالات، فما شرعت فريضة الصيام إلا لتذهب عنا رجس الشيطان، وتطهر أرواحنا من الآثام، وتجعلنا دائما في كنف الرحمن، وصدق الله العظيم إذ يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة).
أيها القارئ الكريم: إن رمضان فرصة للمغفرة فرصة للتوبة وغسل الأوزار والخطايا .. فيا فوز الطائعين ويا فوز الصائمين ويا فوز القائمين ويا فوز التالين الذاكرين .. دموع الفرحة تغمرني بقدومك يا رمضان لأن الله قد مدّ في عمري حتى بلغني إياك فأعلن توبتي وأعود إلى ربي فأستزيد من الطاعات في حين شهدت بعيني رحيل كثير ممن فاجأهم الموت وقد كانوا يؤملون قدومك يا رمضان .. دموع الفرحة تغمرني يا رمضان وأنا أتأمل في تلك العافية التي من الله بها عليّ لأتقوى بها على الطاعة وأستغلها في الصيام والقيام وتلاوة القرآن والاستزادة من النوافل والقربات.
في حين أن البعض قد أقعدهم المرض فأذهب عنهم لذة هذه الفرحة .. دموع الفرحة تغمرني يا رمضان لأنني لازلت أشعر بألم تجاه رمضان الفائت الذي مرت أيامه متسارعة ولم أحصل فيها ما أردت من الخيرات وقد تثاقلت عن كثير من الحسنات وفرطت في القيام والطاعات فجئت يا رمضان لتعطيني فرصة وشحنة إيمانية لاستدراك ما فات .. فلماذا لا تدمع عيني وأنا في مثل هذا النعيم؟. لماذا لا تدمع عيني فرحا وأنا أستقبل شهر الصيام والقيام والقرآن؟!.

إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى