الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصيام .. مشروعيته وأجره

الصيام .. مشروعيته وأجره

يوسف بن إبراهيم السرحني:
يقول الله تعالى:)يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خيرٌ وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة 183 ـ 185).
ما أجمل هذه الأيام الزاهرة بنور الإيمان المباركة بنفحات القرآن حيث إن مدرسة الصيام والقيام ومدرسة البر والإحسان ومدرسة التوبة والغفران قد فتحت أبوابها وأعدت علومها وهيأت فصولها ومدت موائدها لعباد الله الصائمين، فشهر رمضان سوق من أسواق الآخرة، وموسم من مواسم التجارة الرابحة المضمونة، فهو شهر عظيم، فضله الله تعالى على سائر الشهور، واختصه بخصائص كثيرة وبخصال حميدة وبمزايا عظيمة، فهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، شهر تضاعف فيه الأجور والحسنات ويزيد فيه الثواب وترفع الدرجات، من أدى فيه نافلة كان له ثواب من أدى فريضة في غيره، ومن أدى فيه فريضة كان له ثواب من أدى سبعين فريضة في غيره، شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، شهر فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، شهر أنزل الله فيه القرآن الكريم، وفرض فيه علينا الصيام.
والصوم عبادة فرضت على من قبلنا كما فرضت علينا نحن المسلمين يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183)، وفرضيّة الصيام على الناس جميعاً لحاجتهم إليه لما له من آثار حسنة ومنافع جمة، وفوائد عظيمة في الدارين فهو يضبط النفس، ويطفئ شهواتها، ويكبح جماحها، ويقي المسلم من النار يقول (عليه الصلاة والسلام):(يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء)، وفي رواية:(الصوم جنة) أي: وقاية.
لقد شرع الله الصوم تهذيباً للنفس وتقويماً للسلوك وصحة للأبدان وعافية للأجسام وغذاءً للأرواح وموسماً لمجاهدة نوازع الشر وعلى هذا فإن الصوم الشرعي لا يتحقق بالامتناع والكف عن الأكل والشراب والجماع فقط، وإنما يتحقق بجانب ذلك بالامتناع عن جميع المفطرات المادية والمعنوية من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية مع علم المسلم بكونه صائماً والدليل على أن هذه هي حقيقة الصوم المشروع قوله تعالى:(لعلكم تتقون) والتقوى هي امتثال لأوامر الله واجتناب لنواهيه لقوله تعالى:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة ـ 27)، ويقول النبي (عليه الصلاة والسلام):(لا صوم إلا بالكف عن محارم الله)، ويقول أيضاً:(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ويقول في حديث آخر: (الغيبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم).
ولقد أعد الله لعباده الصائمين أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً يقول (صلى الله عليه وسلم): (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة)، ويقول (عليه الصلاة والسلام):(لَخُلُوُف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي وأنا أجازي به)، والصائم صابر وقد قال الله تعالى في شأن ثواب الصابرين:(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، لقد أدرك سلف هذه الأمة الصالح أهمية الصيام فكانوا مثلاً أعلى في احترام رمضان وفي معرفة حقيقة الصيام حيث صامت بطونهم عن الطعام والشراب وصامت أعينهم عن النظر إلى الحرام، وصامت ألسنتهم عن الكذب واللغو والغيبة والنميمة وصامت آذانهم عن التجسس وتتبع عورات الآخرين، وصامت أيديهم عن البطش والأذى، وصامت أرجلهم عن المشي إلى أماكن الحرام والشبهات أو السعي إلى الفساد.
فحري بنا أن نغتنم هذا الشهر الفضيل بجعله محطة سنوية نتزود منها بزاد الإيمان والعلم والعمل الصالح.
* خبير بوزارة التعليم العالي

إلى الأعلى