الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا يهاجم الإرهابيون قاعات الحفلات الموسيقية؟

لماذا يهاجم الإرهابيون قاعات الحفلات الموسيقية؟

هجمات مثل هذه ليس المقصود منها فقط قتل الناس الذين يحبون تناول الطعام في الهواء الطلق والفرق الفنية، أو الحفلات الراقصة، بل هي محاولة لقتل فكرة أنه من الآمن أن تأكل في الخارج في ليلة نوفمبرية، أو الذهاب إلى أي حفلة موسيقية، في أي مكان، أو السماح لطفلك بقضاء أمسية واحدة على الأقل، سعيدا وحرا في حفل نجمة للبوب.

عندما قام مفجر انتحاري بتفجير ساحة مانشستر في المملكة المتحدة، مما أسفر عن مقتل مرتادي الحفل لدى خروجهم من عرض نجمة البوب أريانا جراندي، فإنه بذلك يكون قد انضم إلى تقليد خبيث بشكل خاص من الهجمات على أماكن الترفيه. والقتلة الذين يقومون بأعمال إرهابية كتلك ليسوا يشنون هجمات على الثقافة الغربية فحسب، بل إنهم يحاولون تدمير الحرية الخاصة التي تأتي من الاستسلام للفن، واستغلال نقطة الضعف التي ترافق ذلك الاستسلام.
ويعد الهجوم الانتحاري الظاهر في مانشستر رابع هجوم كبير من هذا النوع خلال خمس سنوات. ففي عام 2012، قتل جيمس هولمز 12 شخصا في مسرح سينمائي بأورورا، كولورادو. وفي عام 2015، استهدفت سلسلة من الهجمات في باريس استاد فرنسا، حيث فجر انتحاريون ستراتهم خارج الساحة خلال مباراة ودية بين فريقي كرة قدم فرنسي وألماني؛ واستهدف مسلحون وانتحاري آخر رعاة في المطاعم؛ وأخذ ثلاثة رماة رهائن وقاموا بإطلاق نار جماعي على مسرح باتاكلان خلال حفل موسيقي. وفي عام 2016، قتل عمر متين 49 شخصا وجرح 53 آخرين في هجوم على ملهى ليلى في بولز، أورلاندو، فلوريدا، ويبدو انه قد اعتبر ديزني ورلد كهدف بديل.
وقد أعلن بعض هؤلاء الإرهابيين صراحة أنهم لا يقصدون فقط زرع الإرهاب بل أيضا الاعتداء على الثقافة الشعبية الغربية نفسها، وجاء في بيان تنظيم داعش بشأن هجمات باريس عام 2015، ذكر أحد المواقع فقط، محتفيا بالقتل في “مركز باتاكلان للمؤتمرات، حيث تجمع مئات المرتدين في حفل دعارة باهظ”. ووصف إعلان التنظيم مسؤوليته عن تفجير مانشستر المكان بأنه “ساحة موسيقية خبيثة”.
وقد تكون الهجمات على المؤسسات الثقافية وليس المطارات أو المنشآت العسكرية جزءا من نفس الجهاد. ومع ذلك، فإن استهداف الأماكن الثقافية له تأثير مختلف بشكل عميق.
فالمطار هو محطة ضرورية، إذ لا أحد يذهب هناك من أجل المتعة، ولا أحد يحتاج حقا للوصول إلى مكان ما سيتوقف عن الطيران فقط؛ لأن المخاطر قد ارتفعت، فضلا عن أن التكاليف طويلة الأجل لطائرة مختطفة أو إطلاق نار أو تفجير بالمطار يسبب خسائر في مجال الخدمات اللوجستية والإزعاج والدولارات التي تنفق على الأمن أو المسرح الأمني.
على النقيض من ذلك، نحن نختار الذهاب إلى الحفلات الموسيقية، إلى الأفلام، إلى الساحات الرياضية وأماكن العشاء بسبب المتعة التي تحصل لنا. لا يمكننا تحصين كل الفضاء الجماعي بالطريقة التي قمنا بها مع المطارات إلا إذا كنا على استعداد لأن نصبح مجتمعا مختلفا جذريا. وهكذا فإن تكاليف هذه الهجمات تخصص للأفراد، ونحن جميعا نتقاسم عبء هذه المجازر، ونزنها في كل مرة نسعى فيها إلى تحقيق الجمال والتسامي مع مواطنينا.
كما أشار العديد من ليلة الاثنين الماضي، فإن اختيار تفجير حفل أريانا جراندي يعني استهداف امرأة شابة، ولها معجبات من الإناث الأصغر سنا. ومن بين القتلى طفلة تبلغ من العمر 8 سنوات. على ما يبدو، لا أحد صغير بما فيه الكفاية ليسمح له بتجربة الفرح التي يمكن أن تأتي فقط من الثقافة دون الشعور بهزة من الخوف المصاحب.
هجمات مثل هذه ليس المقصود منها فقط قتل الناس الذين يحبون تناول الطعام في الهواء الطلق والفرق الفنية، أو الحفلات الراقصة، بل هي محاولة لقتل فكرة أنه من الآمن أن تأكل في الخارج في ليلة نوفمبرية، أو الذهاب إلى أي حفلة موسيقية، في أي مكان، أو السماح لطفلك بقضاء أمسية واحدة على الأقل، سعيدا وحرا في حفل نجمة للبوب.
هذه الهجمات قاتلة بشكل خاص وقاسية بشكل استثنائي لأنها تستفيد من الاستسلام الذي ينطوي على أي تجربة جمالية. وإن إحاطة دور السينما، وأماكن الحفلات الموسيقية، والملاعب الرياضية، وحتى المطاعم بطبقات أمنية أكثر قد تجعلنا جميعا أكثر أمانا، وإن تقييد المناطق التي يمكن أن نشعر فيها بالحرية والاسترخاء حقا يذكرنا بالقدر الذي أصبحت فيه تلك المناطق صغيرة، وكيف يجب علينا أن نكافح من أجل الحفاظ عليها. كذلك فإن البقاء في المنزل خوفا، ورفض الاستسلام للهجر الفني، ليس انتصارا أيضا.

أليسا روزنبرج
صاحبة تدوينات حول ثقافة البوب لقسم الآراء بصحيفة واشنطن بوست. خدمة واشنطن بوست وبلومبيرغ نيوز – خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى