الثلاثاء 25 يونيو 2019 م - ٢١ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / جرائم الإرهاب تزداد ودعم الدول لم يتوقف بعد

جرائم الإرهاب تزداد ودعم الدول لم يتوقف بعد

كاظم الموسوي

” مايلفت الانتباه في هذه الجرائم الإرهابية الواضحة، كثرة الالتباسات التي تحيط بها بعد ارتكابها، والإسراع في تبنيها من قبل ما يسمى “داعش” أو لاغلبها، ومقتل المرتكبين لها فيها، مما يجعل الإحاطة بها قانونيا وفنيا معقدا أو مربكا، ولا يعطيها حقها في الكشف والمحاكمة العلنية دون السماح للجناة الفاعلين الإفلات من العقاب المطلوب. ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد تكون جريمة الإرهاب الأخيرة في مدينة مانشستر البريطانية (2017/5/22) أحدث اخبار إجرام الإرهاب في اوروبا، الذي تمدد جغرافيا وارتد على من وفر له ما يشجعه ويزيده دوليا. وما حصل في المدينة البريطانية زاد في كشف طبيعة الإرهاب وعناوينه وأصوله، وعرى اهدافه ومستخدميه. فاختيار قاعة احتفالات مغلقة وحفل مغنية أميركية وحضور كبير من شباب بعمر الورود ليست صدفة أو اعتبارا أمنيا وحسب، بل هدف يفضح العقل المتخفي وراءه، والجهات الداعمة له والمتبنية لتوسعه والمجهزة لحواضنه وبيئاته المولدة والمزودة له، وكذلك الدول والأجهزة المستخدمة له والمنشطة لجرائمه وحتى توزيعها، مكانا وزمانا.
فمكان الجريمة وزمانها يثيران أسئلة كثيرة عنها، ويؤشران لمخططات وتهديدات علنية، لم تعد مخفية. حيث تفضح الحقد الأعمى على انواع الفنون، وضد انتشار الفرح والموسيقى والغناء، من جهة، واحداث أكبر الأضرار وصناعة دوي وإعلان وإعلام عنها، يروج لما يسمى إعلاميا “داعش” وامتداداته الخارجية، وعناوينه الموجهة بتقصد واضح ومدروس، من جهة أخرى. وزمنيا جاءت الجريمة قبيل الانتخابات البرلمانية المبكرة التي دعت لها رئيسة الوزراء تيريزا ماي في 2017/6/8 والتي سعت من ورائها إلى الفوز بأغلبية مريحة تهيؤها للخروج من الاتحاد الأوروبي وتعميق التحالف مع إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب. فضلا عن الأيديولوجية الظلامية التي حفزت ودفعت إلى الارتكاب والإجرام.
فزعت الحكومة البريطانية وهيأت إمكاناتها للحد من الجريمة وضبط حدثها ومتابعة تردداتها ومعرفة ظروفها، وكانت رئيسة الوزراء قد رفعت حالة الأمن والطوارئ الى أقصىاها. ووصفت الجريمة بأنها “إرهاب مروع” مضيفة أن السلطات تتعامل مع الحادث باعتباره “هجوما إرهابيا”.وإذا تأكد ذلك فسيكون أكثر هجمات المتشددين فتكا في بريطانيا منذ أن قتل أربعة مسلمين بريطانيين 52 إنسانا في تفجيرات انتحارية استهدفت شبكات النقل بلندن في تموز/ يوليو 2005. ووصفته صحيفة الجارديان بالأسوأ منذ جريمة 2005 بلندن، وبالتحدي للاستراتيجية الوقائية التي تبنتها الحكومة البريطانية منذ عام2011، كجزء من الخطة الشاملة لمكافحة الإرهاب.
وفقا للمعلومات المنشورة إعلاميا، قتل 22 شخصا، بينهم أطفال، وأصيب أكثر من مئة آخرين. وقالت الشرطة إن المهاجم لقي حتفه بعد أن فجر العبوة الناسفة في قاعة مانشستر أرينا للحفلات التي تتسع لنحو21 ألف شخص. وقالت شاهدة كانت تحضر الحفل إن انفجارا كبيرا وقع أثناء مغادرتها قاعة الاحتفالات ثم سمعت صرخات وكان الآلاف يركضون في محاولة للهرب من القاعة. وأظهر فيديو صورة لهم، يصرخون ويركضون خارجين من المكان. وبحث عشرات الآباء عن أبنائهم في ذعر ونشروا صورا لهم على مواقع التواصل الاجتماعي سعيا للحصول على معلومات عنهم.
من جهتها غردت المغنية أريانا غراندي (23 عاما) التي قدمت الحفل على تويتر في وقت لاحق “محطمة. آسفة جدا جدا من صميم قلبي. ولا أجد كلمات”.
ورغم حالة التأهب الأمني في بريطانيا، ودرجته العالية التي تحتمل أمنيا تنفيذ جرائم إرهابية أو ترجحها. واستعداد أو تأهب شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، التي صرحت إنها تعتقل شخصا واحدا كل يوم في المتوسط فيما يتصل بأعمال إرهابية مشتبه بها، الا انه قد حدث في مدينة مانشستر. وسبق في اذار/ مارس الماضي ان دهس شخص بريطاني المولد، اعتنق الإسلام، المشاة بسيارة على جسر وستمنستر في لندن فقتل أربعة مدنيين وطعن ضابط شرطة في محيط البرلمان. وبعدها قُتل هذا المهاجم بالرصاص.
ما يلفت الانتباه في هذه الجرائم الإرهابية الواضحة، كثرة الالتباسات التي تحيط بها بعد ارتكابها، والإسراع في تبنيها من قبل ما يسمى “داعش” او لاغلبها، ومقتل المرتكبين لها فيها، مما يجعل الإحاطة بها قانونيا وفنيا معقدا أو مربكا، ولا يعطيها حقها في الكشف والمحاكمة العلنية دون السماح للجناة الفاعلين الإفلات من العقاب المطلوب.
توجد في أوروبا عموما وبريطانيا خصوصا، مراكز أبحاث ومؤسسات وأجهزة أمنية واستخبارية نشطة أعلنت خططا استراتيجية لمكافحة الارهاب والوقاية الأمنية المحلية والدولية، ورغم ذلك، تحصل مثل هذه الجرائم. ولعل في ما أعلن عن استراتيجية أمنية وقائية في بريطانيا تستند إلى خطوات مسبقة، تعمل على وقف الاعتداءات الإرهابية قبل وقوعها، ومنع الأفراد من الانضواء للمنظمات الإرهابية او المتطرفة المعروفة لدى الأجهزة الأمنية والمراقبة من قبلها، وتعزيز إجراءات الحماية، ومعالجة اثار اي هجوم ارهابي في حال وقوعه بما يناسبه، وغيرها من الإجراءات الأمنية الوقائية، أمر صحيح ومطلوب. كما وضعت السلطات واجهزة الأمن البريطانية خطة شاملة على مراحل تصاعدية في الفترة الأخيرة، لا تركز على تعقب المتشددين من أعضاء التنظيمات الإرهابية المتشددة، وحسب، وانما شملت كل من يدعم أو يتبنى الأفكار والأهداف الأيديولوجية للجماعات الإرهابية، كالمساجد التي تحرض على التطرف، والإذاعات والمواقع الإلكترونية وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية التي تروّج للفكر المتطرف وتجنيد الشباب. ولكل هذا منحت أجهزة الأمن صلاحيات أوسع لرصد الاتصالات بانواعها، وتخزين بيانات المشتبه فيهم، وتكثيف الرقابة والمراقبة وحظر المجموعات وكبس المقرات التي يشتبه في تحريض اعضائها على التطرف ونشر إيديولوجيات الكراهية والتمييز العنصري، حتى ولو تغطت بمسميات اخرى!.
كما تستغل الأحزاب والمنظمات اليمينية والمتطرفة وقائع الإرهاب الوحشية لتلقي اللوم على سياسات الهجرة والمهاجرين ولاسيما العرب والمسلمين. وبما أن أكثر هذه الجرائم ترتكب من قبل أبناء هذه الجاليات فتصبح هدفا سريعا للهجوم عليها دون تمييز او تقييم او اطلاع. فليست البيئات الحاضنة وحدها هي المسؤولة عن العنف والإرهاب، او الترويج لهما، اذ لابد من الإقرار بكل الظروف التي توفر لجرائم الارهاب اسبابها وتدفع اليها، بما فيها طرق التعامل مع الجاليات واساليب التفاهم او التعايش في المجتمع المتعدد الثقافات والمكونات، والانتباه إلى تداعيات واثار المشاركة في الغزو والعدوان والخداع والتضليل.
أثبتت الجريمة الإرهابية، التي شهدتها مدينة مانشستر، وتبني تنظيم “داعش” لها، أن خطر الإرهاب هو ابرز التحديات اليوم. مما يتطلب مزيدا من الجهود والتنسيق الدولي لمحاربته والتصدي له. وما كشف عن الجناة ثبت ضرورة العمل على حل الأزمات التي تواجه بعض الدول العربية، وعدم التورط في اشعال الحرائق فيها او التفرج على ما تكابده من الإرهاب وداعميه..
مرة اخرى تظهر اهمية الاتفاق على استراتيجية عالمية واضحة المعالم والنوايا لمكافحة الإرهاب، وداعميه ومروجي جرائمه، لا تستثني أية جماعة أو منطقة، وتستفيد من كل الخبرات والطاقات، لتحمي فعلا من اخطاره وتقضي عليه.

إلى الأعلى