الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أحداث ونتائج في انتخابات مصر الرئاسية!!

أحداث ونتائج في انتخابات مصر الرئاسية!!

سامي حامد

حدثان بارزان تصدرا مشهد الانتخابات الرئاسية التي جرت في مصر مؤخرا .. الحدث الأول هو القرار المفاجئ للجنة العليا للانتخابات بمد التصويت ليوم ثالث بحجة ارتفاع حرارة الجو في اليوم الثاني لهذه الانتخابات ما أثر سلبا على نسبة إقبال الناخبين، فضلا عن إتاحة الفرصة أمام المواطنين المقيمين في محافظات غير محافظاتهم للإدلاء بأصواتهم في لجانهم الأصلية حسب عناوينهم في بطاقات الرقم القومي .. قرار مد التصوت أثار انتقادات داخل مصر وخارجها وفتح الباب على مصراعيه أمام التشكيك في نزاهة هذه الانتخابات .. وهو ما دفع حملتي المرشحين عبدالفتاح السيسي وحمدين صباحي إلى الاعتراض على قرار مد التصويت، إلا أن اعتراضهما قوبل بالرفض فقرر المرشح صباحي سحب مندوبيه من اللجان رافضا الانسحاب من السباق نزولا على رغبة مؤيديه وأنصاره مبررا عدم انسحابه بأن مسؤوليته وواجبه يدفعانه للاستمرار لاستكمال ما بدأه!!
لقد وصف قضاة وخبراء قانون اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بالتخبط والتناقض في قراراتها حيث أعلنت عدم وجود نية لتمديد الانتخابات ليوم ثالث ثم عادت بعد ساعات وقررت المد ليوم إضافي وهو قرار شابه العوار السياسي، ما أثار الشكوك لدى العديد حيث وضعت اللجنة نفسها في حرج بالغ حين أصرت على تمديد الانتخابات رغم صدور تصريحات من أعضائها تؤكد أن نسبة التصويت في اليوم الثاني تجاوزت 40% ممن لهم حق التصويت، وبالتالي لا يوجد مبرر للتمديد، وهو ما جعل البعض يصف اللجنة بأنها مثل “الطاهي” الذي أفسد “طبخة جميلة” بوضع المزيد من الملح، حيث تبين فيما بعد أن عدد الذين أدلوا بأصواتهم في اليوم الثالث يمثل فقط 5% من إجمالي عدد من يحق لهم التصويت، وهي نسبة ضئيلة لم تكن تستحق تمديد الانتخابات حيث إن تكلفتها كانت أكثر من قيمتها، فضلا عن أنها فتحت الباب أمام التشكيك!!
الحدث الثاني الأبرز والأهم هو حصول عدد الأصوات الباطلة على المركز الثاني في هذه الانتخابات متقدمة على المرشح المنافس حمدين صباحي الذي حل ثالثا حيث بلغت عدد الأصوات الباطلة ما يزيد عن المليون و700 ألف صوت، بينما لم يحصل صباحي إلا على ما يزيد قليلا عن 700 ألف صوت فقط، وهو رقم هزيل للغاية مقارنة بما حصل عليه في انتخابات عام 2012 حيث نجح في حصد أكثر من أربعة ملايين صوت رغم وجود 12 مرشحا رئاسيا ليحل أيضا ثالثا في هذه الانتخابات التي فاز فيها الرئيس السابق محمد مرسي .. المهم أن عدد الأصوات الباطلة كانت مفاجأة الانتخابات الأخيرة، وهي رسالة موجهة إلى الرئيس الفائز عبدالفتاح السيسي بأن عدد الرافضين لهذه الانتخابات يمثل رقما مهما لا بد من الوقوف أمامه والبحث عن أسبابه!!
تعددت الأسباب والنتيجة واحدة .. هذا هو عنوان الأصوات الباطلة في الانتخابات الرئاسية .. فليس كل من أبطل صوته كان لنفس السبب .. فهناك مثلا أنصار جماعة الإخوان المسلمين خاصة الشباب منهم الذي قرر النزول والمشاركة في هذه الانتخابات بشكل سلبي تعبيرا عن رفضه لتلك العملية باعتبارها انتخابات غير شرعية .. وهناك من أراد أن يعبر عن رفضه المشاركة طالما أن شباب ورموز ثورة الـ25 من يناير في السجون .. كما تردد أن أنصار حزب النور السلفي شاركوا أيضا في زيادة عدد الأصوات الباطلة رغم حملات الدعاية التي قام بها الحزب لدعم المرشح عبدالفتاح السيسي، وهو ما يعني أن قيادات هذا الحزب منفصلة عن القاعدة العريضة من السلفيين وغير قادرة على حشدهم والتأثير فيهم!!
الانتخابات الرئاسية كشفت أيضا العديد من الإيجابيات والسلبيات في آن واحد .. فهي أولا كشفت عزوف الشباب الذين يمثلون أكبر قاعدة من الناخبين عن المشاركة رغم أنهم أكثر الفئات المتضررة التي تعاني من مشاكل البطالة وتدني الأجور وعدم القدرة المادية على الزواج حيث شارك عدد قليل من الشباب في هذه الانتخابات، بينما عزف الكثير منهم عن المشاركة، فهناك من اعتبر النتيجة محسومة لصالح السيسي .. وهناك من رفض المشاركة لأنه في حالة خصومة مع النظام بسبب مقتل أو حبس قريبا أو صديقا له .. وهناك من رأى أنه من الأفضل له عدم المشاركة في هذه المسرحية الهزلية على حد تعبيره .. ويعتبر عزوف الشباب عن المشاركة هو أهم الأسباب التي أدت إلى انخفاض نسبة التصويت عما كان متوقعا!!
الانتخابات كشفت أيضا فشل الحملتين الرسميتين للمرشحين “السيسي وصباحي” في حشد الناخبين أمام مراكز الاقتراع .. فكلتا الحملتين اعتمدت على المؤتمرات والبيانات الصحفية، بينما كان وجودهما وسط الجماهير محدودا، والأهم من ذلك غير مؤثر ويبدو أن هذا يرجع إلى عدم خبرة القائمين على الحملتين في إدارة العملية الانتخابية مقارنة بالخبرة التى يتمتع بها الحزب الوطني أو جماعة الإخوان المسلمين من حيث القدرة على حشد المؤيدين والمناصرين وتوفير وسائل نقل جماعي تقلهم إلى مراكز الاقتراع وتعود بهم من حيث أتوا .. ويمكن القول إن الانتخابات الرئاسية الأخيرة هي أول انتخابات تجري في مصر تختفي فيها ظاهرة التصويت الجماعي وهي ميزة تحسب لهذه الانتخابات!!
الشيء اللافت أيضا هو غياب الأحزاب في هذه الانتخابات رغم كثرة عددها .. فلم نلحظ لهم القيام بأي دور غير بيانات التأييد للمرشح السيسي أو المرشح صباحي، بينما لم يكن لهم وجود يذكر في الشارع أو التأثير على الناخبين، وهو مؤشر خطير حيث إن هذه الأحزاب ستواجه قريبا انتخابات برلمانية تعد هي الأهم في تاريخ مصر الحديث .. فهي الاستحقاق الثالث والأخير لخارطة الطريق لتنتقل مصر بعدها من مرحلة “الانتقال” إلى مرحلة “الثبات” .. إلا أنه يبدو أن هذه الأحزاب ستواجه اختبار صعبا للغاية قد لا تحصد فيه أغلبية مقاعد البرلمان طالما أن تأثيرها في الشارع لا يزال محدودا وغير مؤثر!!
أبرز الإيجابيات .. هو نزول المصريين لأول مرة للمشاركة في العملية السياسية طواعية وبمحض إرادتهم ليعبروا عن رأيهم بمنتهى الحرية دون أية ضغوط أو الحصول على عطايا أو مواد تموينية، ولهذا فهي تعد الانتخابات الأنزه التي تشهدها مصر وجرت بمنتهى الشفافية تحت متابعة ومراقبة دولية صارمة لم يعكر صفوها سوى “الملح الزائد” أقصد مد التصويت يوما ثالثا!!

إلى الأعلى