الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “ألوان الحياة” لغة صامتة لوجوه متناقضة وصرخات معبرة لذات الإنسان

“ألوان الحياة” لغة صامتة لوجوه متناقضة وصرخات معبرة لذات الإنسان

الفن التشكيلي، تلك اللغة الصامتة التي دائما ما توحي لنا بأن خلف الحكاية حكايات، وبين أبجديات أحرف اللون يأتي التواصل والتآلف، حكايات تتنوع مفرداتها، مضامينها، عباراتها، خصوصيتها، دائما ما تتشكل لتوجد أجواء من الدهشة والقلق، حيث نزعات الخوف ولفتات الفرح، تأخذنا إلى عوالم اللا مكان ، إلى الخيال، إلى تلك المتاهات اللا متناهية، وقد تأتي عكس توقعنا وحضورنا فكرتنا نحو تلك الأبجديات، ويبقى الحديث لأن يسرد وجوده بنفسه، من خلال تلك التفاعلات والتقاطعات، وبيان أساطير الألوان.
منذ فترة ليست ببعيدة، احتفلت أسرة الفن التشكيلي في السلطنة بمسابقة المعرض السنوي الحادي والعشرين للفنون التشكيلية 2013م في العاصمة مسقط، كان هذا الاحتفال يشكل العرس الفكري الثقافي تحت مظلة الإبداع حيث الإبداع ذاته، هذا المعرض ضم أعمالاً لـ 65 فنانا وفنانة من هم بفئة أكبر من 35 سنة وتمثلت نتائجه في حصول الفنانة المبدعة بدور بنت عبدالله الريامية على الجائزة الكبرى، بينما جاءت النتائج الأخرى متمثلة في المركز الأول والتي حصل عليه كل من الفنانة نعيمة الميمنية والفنان محمد عبدالكريم والفنانة انعام أحمد ، فيما ذهب المركز الثاني للفنان سيف العامري والفنان عبدالكريم الميمني و الفنان يوسف النحوي، بينما ذهب المركز الثالث لكل من الفنانة الدكتورة حنان الشحية والفنان يوسف الفوري والفنان جهاد المعمري . وكانت جائزة لجنة التحكيم قد ذهبت للدكتورة فخرية اليحيائية والفنان الكبير أنور سونيا . أما الجائزة الشرفية التي تخصص للفنانين المقيمين بالسلطنة فقد ذهبت للفنانة فيروزا جابيساند من الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدكتور حسين عبد الباسط من جمهورية مصر العربية.
هنا ومن خلال هذا الاستعراض اخترنا بعضا من اللوحات الفنية محاولين اسقاط رؤيتنا حول ما تضمنته، وقفنا كثيرا أمامها، أخذتنا الدهشة حيث لا نهاية لها، عشنا في ربكة ابداع حقيقة لا خلاص منها إلا الخروج بالتذوق الجميل والرؤية الجادة، شاهدنا تلك التفاصيل وهي تتنوع وتتفرع وتشعل في ذات الوقت شمعة اللجوء إليها، والبقاء حيث جمالها لساعات، آخذت منا عصارة التمعن اللا منتهي.
يوسف النحوي فنان ربما يقل تكراره في الوسط الفني التشكيلي وفي لوحته التشكيلة المتأصلة في التراث نراها يتشبث بالمفردات التاريخية، وهي حكاية لا يمكن لأي مبدع التخلص منها، فعبق الماضي لا يمكن الانسلاخ منه إلا بنكرانه، فقد المجد والأسطورة الحقيقية التي لا يمكن أن يشوبها الغبار مهما تداخل الزمن، هنا حديث حيث المجتمع العماني وحكاياته اليومية والتي تؤخذ ضمن نواحي الترفيه والرجولة والشهامة ، فعندما تحدثنا لوحة الفنان النحوي عن سباق النوق والأصالة، هنا نتحدث عن عروبة المجتمع العماني الضارب في الجذور، وتأخذنا الحكايات حيث أدق التفاصيل الصغيرة، فالمجد لأهله وبيئته، وهذا ما حاول النحوي إيصاله لنا، فالريشة في هذه اللوحة لم تكن مكتظة بقدر ما توحي بألوانها الخفيفة المعبرة، فالعروبة دائما ما تعني البساطة وعدم التكلف والعد عن التصنع، كما أن الفضائل العربية لا يمكن أن تحصى ولا تعد ولا يستهان بها، فهي حديث السمر وقيم المجتمعات وفخر الأجيال وما هذه التفاصيل المتنوعة الرائعة في لوحة إلا دعوة صريحة للتمسك بفضائل العرب ومكارمهم التي لا تزال توّرث لأجيال المستقبل يوما بعد يوم في المجتمعات العريقة المحافظة.
الفنانة نعيمة الميمنية تستوقفنا برهة لنتأمل الحياة المنتظمة المتسارعة في لوحتها الفنية، هنا انعكاس لحياتنا اليومية التي تتداخل أحداثها لنخرج بنتاجات تفاعلية متقاطعة. هذه اللوحة التي ابتكرت فيها الأحداث وأسس الحياة، تخالط أيضا لوحة النمد السريع الذي يشوب المدن والتمدن ، هناك تباعات لهذا الواقع، ربما تأتي نتيجة لأحداث العالم من حولنا فنحن هنا نقول أكثر حضورا حيث التباهي والتمظهر، هذا الأجل أن نكون أكثر حركة بين ذواتنا، تغمرنا الأشياء البرّاقة والألوان الخاطفة، مع تعاظم الأقنعة المزيفة في حياتنا في الوقت نفسه، هذه الأقنعة لا تأتي إلا من أجل ما يسمى بالظواهر المادية المعتمة، ومن خلالها نحاول الإنسلاخ منها من حيث الألوان التي نتلون بها لنخفي عيوبنا، هكذا هي الحياة في هذه اللوحة، مدهشة بحق ولكن جارحة للواقع ، وتصقل الألم الذي يخيّم علينا، الذي ما لبث إن أصبح حقيقة لا مفر منها، المؤلم في الأمر أن التمدن أداة تقليص للجوانب الإنسانية الرائعة التي تعودنا عليها في المجتمعات الصغيرة.
رؤيتنا للوحة المبدعة أنعام أحمد لا تنفصل عما سبقها من توجهات للوحة الميمنية، هنا حضور صارخ للعن الغيرة والتباغض، فالمجتمعات أصبحت أكثر أزدحاما بهذه الصفات غير المحمودة بين بني البشر، كما إنها تعمل على توسيع الهوّة بين الخير والشر، وتوجد مساحة سوداء، مكتظة بالحزن والأرق، مما يدفع بالحالمين بالجمال والروعة إلى الإعداد لرحلة البياض ونحو مسافات مشرّعة لا حدود لها، ندرك جميعا أن هذا الأمر هو سبيل لراحة القلب والعقل وطمأنة للنفس من عبث الوقائع، فالأمراض العدائية في المجتمع كثيرة، وأخطرها تلك التي لم تظهر للعيان وإنما دائما تأتي من خلف غطاء الوجوه التي تلونت بأمراض شتى، إذن كيف الخلاص من هذا الامر، كيف السبيل إلى إيجاد مساحات أكثر نقاء ، إذن لا بد من إيجاد سباق حقيقي محموم للقضاء على الآخر بمؤثرات نفسية، هذه المؤثرات لا تأتي إلا من الطبائع التي تسكن دواخلنا، حتما هذه الطبائع عبارة عن بذور خلقها الله في قلوبنا، فنحن من نسقيها بماء الطهر ، لتكون أكثر تدفقا لتلك المجتمعات التي أزدحمت بالعتمة والضيق والأمراض النفسية.
لوحة الفنانة المتألقة نادية البلوشية، هي لا تزال تكمل مسيرة ما أفرزته اللوحات السابقات، حيث الصراع الإنساني الأبدي، لا ندري لماذا كل هذه السوداوية في الحياة، نكاد لا نخرج من أزمة التفاصيل اليومية، على الرغم من إدراكنا الشديد أن التناقضات في الحياة أمر طبيعي والأزمة الأبدية بين الخير والشر لا جدال فيها، فالحق حق والباطل باطل، وهذا ما تفسره حكاية الألوان لدى الفنانة نادية، كما أن للتضاد بين القديم والحديث واقع لا يمكن إغفاله، فالحياة عموما مبنية على أن ينسلخ الوقت من معطفه المترهل، ليلبس معطف أكثر جمالا وبهاء في الوقت ذاته.
هنا وفي هذه اللوحة مع الفنان سعيد العلوي، نأخذ استراحة قلب، حيث تنفس الهواء النقي العذب، هواء لا تخالطه الشوائب حيث جمالية العمارة الإسلامية الرائدة ونظافتها وروعة هندستها، نعلم وبثقة تامة أن العمارة الإسلامية لا تشابهها أي عمارات من حيث الثيمة والمضمون، فهي دائما تأخذ الطابع الديني والأخلاقي كأساس لورعتها وبياضها وإشعاعها وتأثيرها على المحيط، من هنا ندرك تمام الإدراك إن سعي الفنان لصقل هذا النوع من الفن، الفن الإسلامي الذي هو جزء لا يتجزأ من الإبداع أيضا لهو أمر يستحق التقدير والإحترام والتمعن، سعيد العلوي في لوحته الراقية يحاول أن يضجر العين بألوان مزدحمة لا داعي لها، وإنما عمل على أن تأتي تلك الألوان لتعانق القلب قبل العين، وتدهش المتابع، هذه الألوان الرقيقة تأخذنا إلى أصل الحضارة الأسلامية التي هي منبع الاخلاق والتزكية للنفس، فما هذه الدلائل إلى لتسجيل الأصول وتتبع لتواريخ الذات الإنسانية الإسلامية.
بعيدا عن كل شي، فهذه اللوحة تطيّب الخواطر وتجمّل النفوس ولا تستدعي لأن يكون للضجر محل، هنا نحلق معها حيث المجد والإنسانية ونقاء الروح.
أما الفنانة الإيرانية فيروزا جابيساند، تأتي ومن خلال لوحتها لتسكن ذات البيئة العمانية، وحبها الفاضل بمفردات التراث والتاريخ وعبق المكان، أختارت ذلك الأب الإنساني لتراث الحياة العمانية ليكون شاهد حضور على لوحتها القيّمة، كما أوضحت لنا أن للبيئة العمانية خصوصية وخصبة لأن يأتي الفنان ويبدع في تناول مفرداتها، وهذا ما عهدناه من كل محب لهذه الأرض الطيبة، التي لا تنبت إلا طيبا، ولا توجد إلا ما يشاكس الفنان والمبدع والعاشق لها، تأخذنا هذه اللوحة أيضا أن نستكشف الجمال الحقيقي لهذه الصناعة التي أثرت وتأثر بها الإنسان العماني وبساطته الراقية، حيث ارتباطه بالأرض وحبه الجميل للرزق الذي أوهبه الله له، ومنحه إياه، بكل فخر ان هذه اللوحة ستسافر إلى جغرافيا الأمكنة البعيدة ، لتكون رسالة تعريف وشوق لهذا الفخر الحضاري الإنساني العماني.
يبقى لتؤكد تلك اللوحات أن الإبداع لا يمكن أن يختزل ضمن إطار وألوان متداخلة، وإنما هناك نزعة روحية تشق الظلام لتبهر مخيلتنا بالضوء والحياة، تسرد قصص الواقع بأسلوب رقيق وشفاف، وما هذه المعارض التي تقام بين الحين والآخر إلا حضور لذات الإبداع في السلطنة، التي تزخر بأسماء تألقت من ظهورها ولا تزال متألقة لليوم، فهي كثيرة ومدهشة في حقيقة الأمر، كما إنها لا تزال تضيف إلى الواقع الثقافي العماني الكثير من الحضور، فالدفقة الإبداعية دائما تورد واقعنا بجمال التألق.

رؤية ـ خميس السلطي

إلى الأعلى