الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تطور الوعي الجماهيري وتأثيره على العلاقة بين المجتمع والدولة

تطور الوعي الجماهيري وتأثيره على العلاقة بين المجتمع والدولة

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. نحن اليوم نعاين ونعايش وعيا جديدا وثقافة جديدة ومتغيرات معاصرة جديدة لا يمكن ان تستوعبها العقول السياسية والإدارية القديمة إذا لم تحاول التطور ومواكبة تلك المتغيرات والأحداث المتسارعة والحديثة. إذ يجب ان تتطور تلك العقول والأفكار لتوازي تقدم وتطور الوعي التاريخي والحضاري للمجتمع والجماهير, ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس هوركهايمر ( ان كل شيء يتغير , لذا من الخطأ التأكيد بأن الطبيعة البشرية تبقى هي نفسها مع تغيير الزمن, فمذهب خلود الطبيعة البشرية وثبات الغرائز والأهواء هو مذهب خاطئ ).
على ضوء ذلك يمكن التأكيد وبما لا يدع مجالا للشك على حدوث ذلك التغيير الجذري في بنية وهياكل الوعي المجتمعي, خصوصا بين فئة الشباب منهم, الامر الذي رافقه العديد من التحولات الثقافية والسياسية والفكرية الجماهيرية التي باتت تؤثر كثيرا في نظرتهم إلى واقعهم القائم ومستقبلهم القادم وطبيعة تعاملهم مع من يدير شؤون حياتهم اليومية. فتطور وعي الجماهير وثقافتهم ونظرتهم إلى المحيط الخارجي الجديد, وارتفاع نسبة المتعلمين بينهم وتوسع ثقافتهم الالكترونية واطلاعهم على ما يحدث خارج بيئتهم ومحيطهم الداخلي, وقدرتهم على المشاركة والتأثير على تلك الأحداث, وتأثرهم بها كذلك سلبا او إيجابا. كلها عوامل واسباب غيرت بشكل كبير من طبيعة وشكل تلك العلاقة بين المواطن والمسؤول.
نتيجة ذلك اصبح من الضروري ان يحدث تغيير مشابه وبشكل متواز في ثقافة ووعي نماذج تفكير القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية التي تدير شؤون المواطنين وقضاياهم اليومية, خصوصا ما يتعلق منها بمعيشتهم اليومية, وبطريقة تستوعب فيه ذلك التطور الهائل والتغيير العميق في الوعي الجماهيري. وإلا اتسعت الهوة بين الطرفين, وتفاقمت الخلافات السياسية والمشاققات الثقافية واتسعت هوة التجاذبات وسوء الفهم وفقدان الثقة وارتفاع نسبة الحنق والامتعاض والشك والريبة. فلا يمكن بحال من الأحوال ان تبقى نماذج وعي وتفكير وثقافة القيادات والمسئولين في أي دولة في القرن الحادي والعشرين على ما هي عليه بوعي وثقافة وفكر الستينيات والسبعينيات او حتى القرن العشرين بأكمله.
فنحن اليوم نعاين ونعايش وعيا جديدا وثقافة جديدة ومتغيرات معاصرة جديدة لا يمكن ان تستوعبها العقول السياسية والإدارية القديمة إذا لم تحاول التطور ومواكبة تلك المتغيرات والأحداث المتسارعة والحديثة. إذ يجب ان تتطور تلك العقول والأفكار لتوازي تقدم وتطور الوعي التاريخي والحضاري للمجتمع والجماهير, وبثقافة متقدمة ووعي معاصر يستوعب وعي الجماهير في القرن الحادي والعشرين, كما ان غلبت المكابرة وعناد القيادات والمسئولين واستمرار تأكيدهم على صلاحية قدراتهم الكلاسيكية والتقليدية دون تغيير يواكب تطورات المرحلة, وسيطرت مفاهيم الماضي وقدرتها على استيعاب ثقافة الجماهير الجديدة وإمكانياتها على احتواء تطور الوعي الجماهيري الحديث, برغم الانفصال الواضح والبين بين بعض تلك القيادات والشعوب التي تدير شؤون حياتها اليومية وتخطط لمستقبلها ومستقبل الأجيال القادمة منها, ورفضهم لأشكال التغيير والتحديث المفروضة لا يمكن ان يؤدي في نهاية المطاف سوى إلى الصدام وتفاقم الوضع بين الطرفين, وهو ما قد يؤدي لاحقا إلى عواقب اشد واخطر على النظام السياسي , بل ومستوى الأمن والاستقرار في الدولة بأكملها.
إذا يجب ان تعي الحكومات القائمة وتلك القادمة ان صمام بقائها آمنة مطمئنة من تصاعد تيارات الحنق والامتعاض تجاه سياساتها وتوجهاتها وقراراتها وأهدافها ومن توسع دوائر المشاققات السياسية والفكرية وهوة الخلافات بينها وبين من تحكمهم واستمرار امن وسلامة الوطن والمواطن الذي تدير شؤون حياته مرهون بشكل كامل بمدى قدرتها على استيعاب التطورات الجديدة والمتجددة الحاصلة في بنية النظام الاجتماعي وتطور وعي الجماهير والشعوب التي تحكمها , وقدرتها على مزج إرادتها وتوجهاتها وأفكارها بإرادة تلك الجماهير, وكذلك بمدى قدرتها وبراعتها على مشاركتهم تلك الأفكار والأهداف الوطنية, وإشعارهم بالثقة والطمأنينة تجاه سياساتها وأهدافها ومرائياتها المستقبلية. وبعبارة اخرى على قدرة على القيادات على الاستماع الى صخب المحيط الهادر من حولها.
والحق انه ـ وكما يؤكد ذلك – د. محمد خاتمي – من انه و( الى جانب إبداء الرأي وممارسة النقد وعرض المطالب لابد من اطلاع الشعب على الحقائق بشكل علمي ودقيق, وان نتحدث له بوضوح وصدق وحين يكون ثمة نقص او حرمان, او عندما يكون جزء من ذلك الحرمان نتيجة قصور فينا او ارتكابنا الخطأ فلا بد من اطلاع الشعب على ذلك, وان نكون واثقين حينذاك ان الشعب سيقدر موقفنا, كما ان جانبا من النقص والحرمان يعود الى عوامل خارجة عن دائرة إمكانيات الحكومة وصلاحياتها وحين يطلع الشعب على ذلك فإنه سيبدي جلدا اكبر).

محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية azzammohd@hotmail.com تويتر – MSHD999@

إلى الأعلى