الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من سفر الشمس إلى خشب الورد

من سفر الشمس إلى خشب الورد

لم يعد الكتاب الشباب ينتظرون شهادة العبور لعالم الكتابة والإبداع والثقافة، فالكثير منهم آمن بموهبته ورأى في أحقية التجريب بالولوج لدهاليز الكتابة وتحمل المسئولية الأدبية، هكذا هو الكاتب القاص العماني سمير العريمي الذي شق طريق الكتابة بقدم ثابتة، وقلم يحبر في عالم الورق، ومخيلة قادرة على الاستنطاق والأنسنة، وموهبة أهلته ليضع قدمه على أول عتبة ليبدأ طريقًا عبّده بعدد من القصص جاءت في مجموعتين وصلت إليّ هما: سفر هو حتى مطلع الشمس في العام 2006، وخشب الورد في العام 2010. فمن الوهلة الأولى وأنت تقرأ عنواني المجموعتين تقف عند ذلك الإيحاء الذي يوحي بهما العنوانان، حيث الأول يتمظهر منه الضياء التبرعم من ضوء الشمس وهو الانتشار ذو الرائحة الزكية الخارجة من عنوان المجموعة الثانية، لذلك كان بحسب ما أعتقد وفق القاص في عتبة الإهداء في المجموعتين، إذ أهدى مجموعته الأولى إلى أبيه وأمه قائلا: ” إلى روح أبي ..المجنحة في ملكوت الله .. وإلى أمي التي أنارت لي عوالم الحكي والخيال “، وإذا كان ضمير الغائب في هذا الإهداء الذي يأخذنا إلى الماضي واسترجاعه ليكون ماثلا للقاص بحضور من رباه وغرس فيه محبة العطاء ووهج الحكايات. فإن ضمير المخاطب كان الحاضر في إهداء المجموعة الثانية حيث كان إلى زوجته أم ميار قائلا: ” إليك توأم روحي وخفق قلبي .. الغالية الحبيبة أم ميار أهدي خشبي المعطر بالوجع ” وهنا أي وجع يعني غير تلك الجزئيات التي هي فسيفساء الحياة آخذة المرء نحو المستقبل.
وها نحن نقرأ المجموعتين فنلاحظ الحاجة الماسة إلى التأمل في طبيعة حياتنا، والتفكير بوجودنا في عالم الاضطراب والتناقضات والجزئيات الحياتية الدقيقة؟ فلماذا هذا الكون الشاسع؟ لماذا القبول بالأشياء البديهية؟ لم نسع إلى النوم ليلاً والصحو صباحًا وكأن هذا ساعة بيولوجية؟ لم تكون دورة الحياة تسير وفق نظام وكأنه برتوكول؟ هكذا كان القاص لا يسأل في نصه، وإنما يجعلك الذهاب تجاه السؤال، مثل: لم نذهب إلى تنظيف الأسنان قبل النوم وبعده؟ وفي الوقت الذي يطرح هذه الجزئيات فإنه يناقش عبر سردية قصصية المستوى التعليمي الذي لايزال يشوبه المسحة التقليدية حتى وإن كانت مراياه تحاول إبراز الجانب التكنولوجي والتقني، لهذا يشير إلى ضرورة الوقوف متأملين في علاقتنا بالحياة والعيش سواء حاولنا أن نطلق طموحاتنا أم كبحناها. هكذا نجد القاص سمير العريمي في مجموعته سفر حتى مطلع الشمس يقف عند الزمن والحكاية والعلاقات ما يفوق عملية الاختزال التي تعمّد أن يترك شيئًا للقارئ لكي يقول ما يريد، وإلا استطاع أن يحوّل هذه المجموعة إلى عالم سردي روائي، وبخاصة مناقشته التي كان يطرحها ضمن سياق علاقة الذات مع الذات من جهة، ومع الذوات الأخرى من جهة ثانية، ومع الواقع المعيش من جهة ثالثة.
وحين تكون في عالم المجموعتين قراءة وتأملاً تلاحظ تأثير القاص وثقافته التي استقاها من منابع مختلفة كانت متسربة بين جمل النصوص وعباراتها، حيث أسهمت في تمكين القاص من نسج عالم خيالي وهو يتكئ على بعض الأقوال والعبارات أو الجمل لمن قرأ لهم كما جاء في قصة (والآن ها أنت تغادر الشاطئ) بعبارة إلى أمين معلوف الذي يقول فيها: ” العالم مثل هذا المصباح .. استهلك الزيت المخصص له ولم يبق إلا النقطة الأخيرة .. انظر إلى الشعلة ترتعش! سينطفئ العالم قريبًا ” فمن هذه العبارة يزج القاص الإنسان في قصة ليتأمل ما حوله والعالم الذي يعيشه، والكيفية التي ينبغي النظر إلى الموجودات وكأن هذا الإنسان في عالم من الخواء واللامحدود، ولم يكتف بهذا، بل يسعى باقتدار إلى أن يجعل نصه متغلغلاً في وجدان القارئ إذ يأخذه النص من حيث هو كائن في مكانه ليدخله معه في عوالم القص والأحداث، يجعله يشاهد الأحداث ويراقب التطورات كما في قصة صبيحة ومئذنة الجامع الكبير.
وليس القراءة وحدها التي أهلته ليرسم عالمه القصصي، بل تنقلاته وسفراته بين الأمكنة داخل بلاده وخارجها شرقًا وغربًا، فقد كانت كاشفة لما يطرحه في القص لديه، حيث وظف بعض هذه الأمكنة ليس بذكرها في القصة وإنما في توظيف المكان وما يحمله من جمالية تبوح بمدلولات هذا المكان أو ذاك، كما جاء ذلك في قصة الميكروباص بالقاهرة، ليؤكد علاقة الإنسان المصري بالحالة اليومية التي يعيشها بين التنقلات والعمل ولقمة العيش، وتلك الصعوبات التي يعانيها في حياته التي لم تستقر إلى حين يضع المرء رأسه على الوسادة تاركًا للأحـلام السيطـرة عليـه، وقصـة ريكشـا بالهنـد، هذه البـلاد التي تحتض الأديـان والقوميـات والأعـراق والألـوان والمعتقـدات الدينيـة والإيديولوجيـة والثقافيـة، فقـد صورهـا القاص قائلاً: ” خليط غريب من الناس بأزياء ولغات عديدة، مساجد وكنائس، ومعابد متجاورة على جدرانها سواد طرائق الفتن ” بل يؤكد مرة أخرى بقول السارد في القصة نفسها، ” جمعت الغربة من فرقته الحدود والقبائل والجدود “. وهذا الطرح لم يكن طرحًا عاديًا أو عفويًا، وإنما ليقدم فضاء من التسامح الذي ينبغي أن يكون في مجتمعاتنا التي تدين بدين يدعو لذلك، لا أن نعيش في التناحر والخلافات التطاحن العرقي أو المذهبي أو الديني أو الإيديولوجي كما هو حاصل الآن في الكثير من البلاد الإسلامية.
وبالتأمل في المجموعة الثانية خشب الورد نجد الفقد متمظهرًا في فقد الابن .. فقد الأب .. فقد الزوج، ولكن أي فقد الذي يعنيه، فهو لا يحدد الفقد بالموت أو انتهاء العمر، بقدر ما يشير إلى الفقد بالموت أو السفر أو الهجرة أو الغياب الطويل، بل في حالات يكون هذا البعد (الفقد) ليس بعدًا مكانيًا، وإنما هو بعد نفسي وعاطفي أي أنه بعد معنوي حتى لو كنت في المكان المادي.
وفي تعاطي القاص مع نصوصه القصصية فهو يحاول إلا يقف عند القضايا الثقافية فحسب، ولكنه يعود بالقارئ إلى بعض القضايا والمسائل ذات العلاقة بالحياة اليومية في مجتمعه، مثل معايشة المرء في أروقة المراكز الصحية والمستشفيات التي تعكر صفو الإنسان العادي فكيف بالمريض، وتعامل الإنسان اليومي في البيع والشراء من المحال التجارية الصغيرة كمحال بيع الأسماك وطبيعة البائع وطرائق تعامله مع الزبائن والمناخ الذي يعاني منه صيفًا أو شتاءً.
وإذا كان القاص قد ناقش مجموعة من القضايا ذات العلاقة بالمرء وحياته اليومية، فإننا نرى أن هناك تناصًا بين نصوصه ونصوص بعض كتاب القصة، فحين يتحدث عن الغياب والفقد فهو في علاقة تناص مع القاص العماني حمود الشكيلي، وحين تحدث عن الصلع الذي يعاني منه الرجل فهذا يعود بنا إلى ما طرحه القاص البحريني عبدالعزيز الموسوي في مجموعته طلقات التي تناولت الحلاق وعلاقته بالزبائن والمحبة التي يتبادلها معهم، وكأنهما يسيران في خط الحديث عن المهشين، وأصحاب المهن البسيطة، وحديثه عن الكرامات ودورها في حياة الإنسان ومعتقداته فالتناص يكون أيضًا مع قاص بحريني آخر هو أحمد الحجيري الذي كتب نصًا قصصيًا بعنوان الهامات يتحدث فيه عن كرامات الرجل المجهول، وهذه الإشارات تعطينا بعد التلاقي في محيط المجتمع القادر على تقديم مادة ثرية للمبدع في أي مكان بالمنطقة الخليجية، وكذلك يؤكد هذا الطرح أن القاص لديه إمكانية التقاط العناصر المهمة في حياة البشر حتى لو كانت صغيرة وقد لا يكترث بها الإنسان عادة، لكن مخيال القاص وموهبته وقدرته يستطيع توظيف هذا الالتقاط.

فهد حسين

إلى الأعلى