الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “رمضان” في مصر .. بحكايات الرحالة الأوروبيين

“رمضان” في مصر .. بحكايات الرحالة الأوروبيين

محمد عبد الصادق

” .. زار مصر الرحالة الإيطالي “فيلكس فابري” سنة 1483م، وأعرب عن دهشته ليلة دخوله القاهرة؛ لكثرة ما رأى بشوارعها من المشاعل والأنوار والفوانيس المختلفة في ألوانها وأشكالها، ومما شاهده وسجَّله في مشاهداته المسحراتي، والذي اعتقد للوهلة الأولى أنه أحد “رجال الدين”، وذكر أن المسحراتي كان يمرُّ ليلاً ثلاث مرات في الشوارع ومعه طبلة يدق عليها مناديًا الناس بأسمائهم.”

امتازت الحياة الاجتماعية في مصر بكثرة المناسبات والاحتفالات الدينية، وما زالت الأجيال تحرص على إحياء هذه العادات والتقاليد، ويتبدى ذلك في الحفاظ على مظاهر الاحتفال بقدوم شهر رمضان واستمرارها حتى اليوم؛ وإحياء لياليه، ثم الاحتفال بعيد الفطر المبارك.
وقد حرص الرحَّالة والمستشرقون الأوروبيون ممن زاروا مصر خاصةً في العصرين المملوكي والعثماني ـ اللذين شهدا عددا كبيرا من زيارات الرحالة الأجانب ـ الذين قدموا لنا رؤيتهم لأحوال مصر الاجتماعية، ورصد العادات و التقاليد الشعبية المتوارثة، و مظاهر الاحتفال بشهر رمضان المبارك، وعيد الفطر، والأعياد الدينية، وقد حرص بعض هؤلاء الرحَّالة على الإقامة في القاهرة ليتمكَّنوا من متابعة الاحتفالات بشهر رمضان تحديدا.
من أوائل هؤلاء الرحَّالة “برناردي بريد بناخ” القادم من مدينة البندقية، الذي شهد ليالي رمضان في القاهرة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، ونقل لنا مظاهر احتفال المصريين بهذا الشهر العظيم من إنارة للمساجد والدروب والإنشاد الديني وحلقات الذكر، حتى أنه تعذَّر عليه النوم من شدة صخب المدينة احتفالاً بقدوم شهر رمضان.
كما زار مصر الرحالة الإيطالي “فيلكس فابري” سنة 1483م، وأعرب عن دهشته ليلة دخوله القاهرة؛ لكثرة ما رأى بشوارعها من المشاعل والأنوار والفوانيس المختلفة في ألوانها وأشكالها، ومما شاهده وسجَّله في مشاهداته المسحراتي، والذي اعتقد للوهلة الأولى أنه أحد “رجال الدين”، وذكر أن المسحراتي كان يمرُّ ليلاً ثلاث مرات في الشوارع ومعه طبلة يدق عليها مناديًا الناس بأسمائهم.
أما الرحالة الفرنسي “فيلامون” – الذي زار مصر عام 1589م- فقد وصف مواكب دراويش الصوفية احتفالاً بقدوم الشهر المبارك، وكذلك حلقات الذكر وزحام الأسواق والمساجد المضاءة وموائد الإفطار، وذكر لنا أن من عادات المصريين ساعة الإفطار أنهم يجلسون على الأرض ويأكلون في فناء مكشوف أو أمام بيوتهم، ويدعون المارَّة إلى الطعام بصدق وحرارة؛ ولذلك وصفهم بالكرم.
أما المؤرخ الفرنسي الشهير “فرانسو جومار” – أحد العلماء الذين صحبهم نابليون أثناء حملته على مصر عام 1798م- فيقول في كتابه “وصف القاهرة وقلعة الجبل “: تُحيا الأعياد الدينية في القاهرة ببذخ شديد؛ فالناس جميعًا يعلمون أن رمضان هو شهر الصوم؛ فيمتنعون عن الطعام والشراب والتدخين والاستمتاع بأي تسلية بين شروق الشمس وغروبها، ولكن هذا الحرمان- الذي يطول أو يقصر حسب الفصل- يتبعه استمتاع كافٍ لنسيان هذا الحرمان، ويحتفي المسلمون بليالي رمضان، وبينما يحضرون خلال النهار في جماعات كبيرة وبوَرع شديد دروس الفقه بالمساجد، ولكن عندما يأتي المساء تبدو الشوارع مضاءةً صاخبةً، وتظل الأسواق والمقاهي مفتوحةً حتى أذان الفجر”.
كما سجَّل الفرنسي “كلوت بك” (مؤسس أول مدرسة للطب في مصر في عصر محمد علي باشا) انطباعاته عن شهر رمضان في القاهرة في كتابه الشهير “لمحة عامة إلى مصر” فيقول: “من مظاهر هذا الشهر صومه؛ فهو من الفرائض في الدين الإسلامي، وهذا الشهر لا يقع في فصل معين من فصول السنة، وإنما يطوف بها جميعًا، وتتم دورته في كل ثلاث وثلاثين سنة مرة، وعلى خلاف ما كنا نعتقد في أوروبا بأنه شهر ترفيه وتفرغ للملذات، بينما هو شهر الحرمان من الشهوات، ومن الأشياء التي شدَّت انتباهَه أنه وجد كثيرًا من المرضى بالحمَّى يأبون تعاطي الدواء، مؤثِرين الموت على مخالفة فريضة الصيام.
وعن وجبة الإفطار يقول كلوت بك: إن الفقراء يتناولون إفطارهم بنَهَم وشهيَّة، أما الأثرياء فيكتفون بوجبة خفيفة، قليل من الخبز أو الحلوى أو الفاكهة إلى أن يصلوا العشاء، ثم يتناولون وجبة الإفطار الدسمة، وعن أحوال الناس فيذكر أن كثيرًا منهم يتخذون طريقهم إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، بينما يذهب البعض إلى المقاهي يستمعون إلى حكايات شعراء الربابة والمنشدين، وتتنوع أُمسيات رمضان في شوارع القاهرة ما بين مشاهد ألعاب الحواة أو حلقات الذكر حول ضريح أحد الأولياء.
أما العالم “دي شابرول” – أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر- والذي أعد دراسةً عن تقاليد سكان مصر، نُشرت ضمن موسوعة “وصف مصر”، فيحكي عن مشهد رؤية هلال شهر رمضان؛ فيقول: “يركب القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب وأرباب الدولة يحيط بهم الدراويش وعامة الناس وعدد كبير من القناديل والمشاعل، وعقب ثبوت الرؤية يتوجهون جميعًا إلى القلعة لتهنئة الوالي وتضاء أمام الحوانيت القناديل والشموع وتوضع المباخر بأشكالها الجميلة تنتشر منها روائح ذكية.
ورصد دي شابرول بعض الممارسات في نهار رمضان، فيذكر أن كل امرئ يسعى قدر طاقته لأن يخصص بعض ساعات النهار للنوم؛ فترى الفلاح راقدًا تحت نخلة، والتاجر يرقد على بنك دكانه، والعامة ممددين أمام واجهات بيوتهم، بينما الأثرياء ينعمون بالنوم على آرائك فاخرة داخل السلاملك، وتتجمع النساء في المشربيات يرقبْن الشمس وهي تتوارى وراء الأفق إلى أن تأتي الساعة التي طال انتظارها؛ حيث تتصاعد أصوات المؤذنين من فوق منارات المساجد يدعون الناس إلى الصلاة؛ فمنهم من يلبي النداء ومنهم من يهرع إلى الطعام والشراب.
ومن الرحَّالة الأوروبيين الذين شغفوا بمصر وبأهلها المستشرق البريطاني الشهير “إدوارد لين” ، والذي سمَّى نفسه منصور أفندي، وتأثر بعادات وتقاليد القاهريين، وشارك المسلمين في صلاتهم بالمساجد وحلقات الذكر ورصد تفاصيل الحياة اليومية والرمضانية في القاهرة، فحدثنا عن ليلة رؤية رمضان عام 1835م، فيذكر “والليلة التي يتوقع أن يبدأ صبيحتها الصيام تسمَّى ليلة الرؤية، فيُرسَل عددٌ من الأشخاص الثقاة إلى مساحة عدة أميال في الصحراء؛ حيث يصفو الجو لكي يروا هلال رمضان، بينما يبدأ من القلعة موكب الرؤية الذي يضم المحتسب وشيوخ التجار وأرباب الحرف والطحانين والخبازين والجزارين والزيَّاتين والفكهانيين.
وتتقدَّم الموكب فرقة من الجنود، ويمضي الموكب حتى ساحة بيت القاضي، ويمكثون في انتظار من ذهبوا لرؤية الهلال، وعندما يصل نبأ ثبوت رؤية هلال رمضان يتبادل الجميع التهاني، ويسير الدراويش في مجموعات يطوفون أحياء القاهرة وهم يصيحون “يا أمة خير الأنام.. صيام.. صيام” أما إذا لم تثبت الرؤية في تلك الليلة فيكون النداء “غدًا متمّم لشهر شعبان.. فطار.. فطار”.
وعن المسحراتي يقول “لين” : إنه يدور في كل ليلة، ولكل منطقة مسحراتي خاص بها، يطلق المدائح لأرباب المنازل؛ ممسكًا بيده اليسرى بازًا صغيرًا وبيده اليمنى عصا أو قطعةً من الجلد يضرب بها عند كل وقفة ثلاث مرات، يرافقه صبي يحمل ناقوسين؛ موحدًا الله ومصليًا على الرسول- صلى الله عليه وسلم- “اصح يا غفلان وحد الرحمان.. أسعد الله لياليك يا فلان”، داعيًا بالتقبل والحفظ لأهل الدار، ولا يذكر أسماء البنات، وإنما يقول: أسعد الله لياليك يا ست العرايس، وكان المسحراتي يلزم الصمت عندما يمر ببيت في حالة حزن لوفاة عزيز.
وتحدث إدوارد لين عن العشرة الأواخر من رمضان، وقال إن غالبية المؤمنين يفضِّلون قضاءها معتكفين في المشهد الحسيني وجامع السيدة زينب.
وقد رصد” ألبرت فارمان” في يومياته الحياة الاجتماعية في مصر في نهاية عصر إسماعيل وبداية عصر توفيق؛ حيث كان فارمان قنصلاً عامًّا للولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1876م، وعن انطباعاته التي سجَّلها عن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان يقول: “شهر رمضان يبدأ فيه سفر الحجَّاج”، ويذكر أن رؤية الهلال تبدأ بخروج الرجال إلى التلال العالية خلف القلعة، وفور ثبوته يعودون بالبشرى، ولا بد من إثبات ذلك كتابةً، وفَوْرَ ذلك تسير المواكب الرسمية والشعبية المبتهجة في أرجاء العاصمة القاهرة، معلنةً بدء صيام رمضان.
هذه بعض مظاهر احتفالات وعادات أهل القاهرة المحروسة التي رصدها وسجَّلها الرحَّالة الأوروبيون، والتي لا تختلف كثيرًا عما هي عليه الآن، رغم مرور السنوات وتغير العادات.

إلى الأعلى