Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أسرار الشخصية العمانية .. العلم والانسجام

د. صلاح الديب

” لا يترفع العمانيون عن العملِ في مهنٍ مختلفة لأن قيمة العمل عندهم عالية إذ إن أساس ذلك هو مبدأ ديني واجتماعي «أن يكسب الإنسان نزرًا يسيرًا خير له من أن يسأل الناس لقمة عيش». لقد حلت صفة «باحث عن عمل» بديلاً عن صفة «البطالة» أو «العاطلين عن العمل» ذلك لأن البحث عن العمل دليل على المبادرة أما البطالة فهي في جانبٍ منها اتكالية وهذا لا محلَّ لها في قاموس الثقافة العمانية الأصيلة.”

استكمالا للمقالات السابقة والتي بدأنا الحديث فيها عن أسرار الشخصية العمانية والتي نري أنها تستحق إلقاء الضوء عليها لما تتصف به من عادات وقيم نبيلة مازالت تحتفظ بها بل وتعتز بأن تظل باقية وتتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل .
تضربُ عمان مثلاً ساميًا في الانسجامِ والتناغم والتآلف الاجتماعي إذ إن المجتمع على الرغم من تشكُّلهِ من قبائلَ ومذاهبَ إلا أنَّ التجانس صفته الظاهرة والباطنة وهذا ما قوَّى عرى اللحمة الوطنية ووثق وشائج القربى بين سائر أطياف المجتمع.
هذه القيمة العالية تدلُّ على ما يتمتع به الشخص العماني من سماحةٍ وسعة أُفقٍ وبُعد نظرٍ وقدرةٍ على التعايش السلمي والتطلُّع إلى مصيرٍ مشتركٍ.
لهذا أصبحت هذه الصفة الوطنية من أُسس الدولة الوطنية ومن مبادئ نظامها الأساسي وهو في العرف الاجتماعي خطًّا أحمر لا يمكنُ المساسُ به أو تجاوزه .
وهذا نراه واضحا جليا عندما تنظر داخل المساجد العمانية ستجد مشهدا غاية في الروعة بل ومن الصعب أن تجده في مكان أخر غير سلطنة عمان والذي كسر كل ما نراه من أوجه الخلاف من هنا وهناك داخل بلادنا العربية التي جعلت من الدين أحد وسائل الفرقة والتناحر بل ولقد تطور الأمر الآن فأصبح أيضا للاقتتال ولكن سلطنة عمان جعلت من الدين أحد وسائل الانسجام والتناغم فترى الجميع مع اختلافهم واحد في المساجد لا يمكن التمييز بينهم وبهذا أصبح الدين يقرب ولا يفرق كما في باقي بلادنا العربية .
ولقد عُرف عن الشخص العماني حبَّه للعلمِ فلم يَرَ في إشراقاته إلا وجه الله ولم يتَّخذهُ تزلُّفًا لحاجةٍ وتقرُّبًا لمطمع وإنما كان له ثراء رغم قلَّة ما في اليد يقول العلامة العماني الخليل بن أحمد الفراهيدي: أخبر سليمانَ أني عنه في سعةٍ وفي غنىً رغم أني لستُ ذا مالِ لم يكن العلم لعلماء عمان الأفذاذ الذين سطَّروا بأهداب عيونهم علومًا جليلةَ القيمِ لم يكن العلمُ عندهم لمضاهاة العلماء وللرياء أمام الوجهاءْ وإنَّما كانوا أهلَ رسالةٍ شريفةٍ حملتهم إليها أنفسٌ عفيفةٌ وأعناقٌ بالعزَّةِ منيفة ولا يزالوا هكذا حتى الآن سواء أن كان هذا داخل ربوع السلطنة أو خارجها .
ولقد كان ولا يزال التواضعُ خصلتهم الجامعة والتذلُّل للعلماءِ درَّتهم اللامعة والعلم عندهم وسيلةً لابتغاء وجهِ اللَّهِ ولم يكن للقبٍ أو جاه كان العلم عندهم حجَّةً للحقِ ولم يكن لأجل خلقِ الفرقةِ وإحداثِ الشَّق كان العلمُ لديهم اجتهادًا مضنيًّا ولم يكن استسهالاً مغنيًا كان العلمُ عندهم يزيدهم خشيةً من اللهِ فلا يرون في موضع الحقِّ سواه.
أن هذا الشخص العماني الذي حمل العلم بهذه الروح هو شخص حسُنت أخلاقه وتهذَّبت صفاته وتأدَّبت نفسه وعرف طريقه.
وقد بلغ حبهم لاكتساب العلم وحرصهم على عدم إضاعة الوقت في تحصيله ما يروى أن كثيرًا من علماء السلف «بحسب ما رأينا في تراجمهم أن يأكلوا الطعام الذي لا يحتاج إلى هضم كثير حتى لا تذهب أوقاتهم سدى في مضغ الطعام إن كان يحتاج إلى مضغ كثير فكانوا يعمدون إلى الأطعمة التي تهضم بسرعة ولا يعمدون إلى الأطعمة التي تحتاج إلى هضم أكثر لأن ذلك يؤدي إلى ضياع شيء من أوقاتهم.
ومع أنه لا يعرف العماني في ماضيهِ أو حاضره التقاعس والخمول أو الترفُّع عن أداء الأعمال التي يحتقرها بعض من يميلون إلى الدعةِ والتكاسل وهي نزيهةُ المهنة تغني الإنسان عن سؤال الناس الذي فيه مذلَّة وهوان.
في الماضي سافر العمانيون إلى أفريقيا وبلدانٍ أُخرى طلبًا للعيش وقضوا السنوات بعيدين عن أُسرهم وأوطانهم وهم يعملون بمشقة وضنى أعمالاً مختلفة.
وفي الحاضر لا يترفع العمانيون عن العملِ في مهنٍ مختلفة لأن قيمة العمل عندهم عالية إذ إن أساس ذلك هو مبدأ ديني واجتماعي «أن يكسب الإنسان نزرًا يسيرًا خير له من أن يسأل الناس لقمة عيش». لقد حلت صفة «باحث عن عمل» بديلاً عن صفة «البطالة» أو«العاطلين عن العمل» ذلك لأن البحث عن العمل دليل على المبادرة أما البطالة فهي في جانبٍ منها اتكالية وهذا لا محلَّ لها في قاموس الثقافة العمانية الأصيلة.
إن ما يؤسس له العمانيون هو أن يعتلي أبناء البلاد سدَّة المناصب والإدارات المختلفة في المؤسسات الحكومية والخاصة وعدم الاتكال على عمل الوافد وهذه الغاية التي أُطلق عليها «التعمين» قد حققت نسبًا عالية من أهدافها المرسومة لها خلال الأعوام الماضية.
ولقد ضرب العمانيون أمثلةً رائعة في التعاضد والتعاون انطلاقًا من روح النخوة والشهامة العربية وانتهاجًا بأمره سبحانه وتعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة الآية 2] لذلك فإن البيئة القروية العمانية هي أشبهُ بالبيت الكبير الذي يضم جميع أفراد الأُسرة التي يجمعها مصيرٌ واحد.
هذه القيمة الجليلة ساكنة في الوجدان العماني يؤكِّد عليها قول جلالته حفظه الله ورعاه: «علينا أن نستمد من تجاربنا الماضية عزمًا جديدًا وتصميمًا أكيدًا على العمل متعاونين متكاتفين بكل ما لدينا من طاقات البذل والعطاء والتفاني في أداء الواجب لنكون دائمًا في مستوى القدرة على تذليل الصعاب وقهر التحديات وبلوغ الأهداف التي رسمناها لأنفسنا من أجل خير بلادنا وخير أجيالنا الحاضرة والقادمة..»
ولا غرابة أن تتجسد هذه الصورة في كل لازمة من اللوازم وضرورةٍ من الضرورات ولعل مشهد الأنواء المناخية «جونو» في 2007م هي خير مثال على تآزر العمانيين بين بعضهم البعض بل وتجشُّمِ بعضهم الصعوبات والمحن وتضحياتهم التي بذلوها من أجل أبناء وطنهم حتى إنهم استغنوا عن مساعدة الدول الأخرى لأنهم وقفوا مع بعضهم وقفةً أغنتهم عن الاستنجاد بالآخرين.
ويعرف أنه يتمتع العماني بشخصية ذات قدرة على استيعاب المحن واجتياز الصعوبات فقليلاً ما يبدي التذمر من عيشةٍ أو التضجر من أزمة وهو في هذا يستمدُّ طاقته من روحه الإيمانية السامية إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ‏(‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏) ‏[‏الطلاق‏:‏ 2- 3‏]‏ هذه الروح المتفائلة هي الوقود الذي يدفع الشخص العماني للعمل بكل جد وكفاح من أجل مستقبل مزهر مشرق تتحقق فيه الطموحات وتنجز فيه الآمال.
هذا التفاؤل هو الذي دفع عمان منذ أولى سنوات نهضتها إلى التقدُّم بخطى ثابتة نحو التطور يقول جلالته حفظه الله ورعاه: «..أهلا بالغد.. ووعدا بمضاعفة الجهد ومواصلة العمل والإنجاز.. بذلاً وعطاء.. مواكبة للتطور. أجل غد جديد.. يشرق مع كل صباح.. في كل يوم من أيام مسيرتنا الجادة التي لا تعرف من الأمس إلا ماضيًا تليدًا ومن اليوم.. إلا مجدًا جديدًا.. ومن الغد إلا مستقبلا سعيدًا.
إن كل هذه القيم الرفيعة يحملها الشخص العماني الوفيِّ لجذورهِ ولتاريخه في أعماقِ نفسه تظهرُ كلَّما غلبت طباعه الأصيلة طباعٌ تمتدُّ من البعيد من شخصيات مؤثِّرةٍ كالجلندى بن مسعود والذي كان «مثلاً يضرب لقومه ومن جاء بعده من الأجيال فلقد عرف رحمه الله بالعدل والإحسان والصدق والفقه والبصيرة والمعرفة والورع والزهد، والتعفف والعبادة والسمت الحسن الجميل وكان صاحبَ إخلاصٍ وعلمٍ وحلم وتودِّدٍ ووقارٍ وسكينة وعقلٍ وبرٍّ ومرحمةٍ ووفاء ونزاهةٍ وعبادةٍ وصلةٍ ونصيحة ظاهرةٍ مقبولة فانعكست تلك الأخلاق الفاضلة على أبناء عصره في جميع آدابهم وتمسُّكهم فصاروا يكرهون العيوب ويهجرون أخلاق أهل الفجور والمعاصي»تمتدُّ هذه القيم الرفيعة من شخصيةٍ عاشت في فجر الإسلامِ إلى هذا الحاضر المشرق لتبرهن على وجودها في أمثلةٍ كريمةٍ على رأسها جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي يعدُّ نموذجًا فريدًا من نماذج القيادة في زمنٍ تهاوت فيه الثقةُ في القيادات وحكمتها وموضوعيتها وعقلانيتها وتسامحها وصدقها مع الذات وفي عمان نماذج من علماءَ أجلاء وأصحابُ حكمةٍ ومنطقٍ لا ينقصهم التواضع ولا تظنُّ عليهم الحكمة.
وللحديث بقية إن كان في العمر بقية .


تاريخ النشر: 30 مايو,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/196784

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014