الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م - ٨ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / جوعوا ترتقوا.. وَرَشِّدُّوا تصحوا

جوعوا ترتقوا.. وَرَشِّدُّوا تصحوا

فوزي رمضان
صحفي مصري

” لقد أدرك الغرب فلسفة الجوع فتولدت الحاجة لديه إلى عمل وإلى إبداع وإلى اجتهاد، أصبح الجوع وسيلة للاجتهاد والابتكار وتحقيق الأهداف، سعي دائم للارتقاء بالحياة، وتحسين معيشة البشر فأصبح الآن بلا جوع ولاعوز بل أمم تصنع وتتحكم وتسيطر وتقود .. سلة غذائها في أيديها، وسيادة القرار فى إرادتها، على عكس أمم أخرى استخدمت الجوع كأداة أمنية للسيطرة على شعوبها، حيث جعلت الرعية تفكر دوما وبلاانقطاع فيما يملأ بطونها ، ”

إذا كان الألم هو المؤشر لوجود المرض .. فإن الجوع هو المحرك الأول لارتقاء الكائنات الحية ..الجوع هو الدافع الاقوى إلى الحركة وإلى العمل فلولا الجوع ماكان هناك طلب للغذاء ولاصراع عليه ولا وجدت آلاف الوظائف التي تتكسب من سد الجوع ، وماكانت الثورات التي تبحث عن رغيف الخبز، ولاالحروب التي تسعى للسيطرة على موارد الثروة..
إن الجوع أعظم دافع لحركة الأحياء… تتصارع جذور النباتات في الأرض وتتمدد في سعيها لامتصاص الغذاء من التربة .. ويتعاظم صراع البقاء بين الأحياء البحرية لسد الجوع والظفر بفرصة الحياة. ويتقاتل الإنسان ويناضل لملء معدته الخاوية .. ولولا الجوع لسادت الأرض حالة الخمول والترهل والكسل، إن فعل الجوع في الأحياء أشد من كل قوى الطبيعة وهو السر الكامن في ارتقاء السلالات والبقاء للأصلح والأنقى والأقوى .
لولا الجوع ماتأججت نيران الثورة الفرنسية، فقد تحركت جموع النساء الجائعات حاملات أطفالهن الجياع إلى قصر فرساي وطالبن من الملك لويس السادس عشر خبزا لأطفالهن وأمام غضب الجوعى وقف الجنود الفرنسيون حيارى لايتجسرون على شهر سيوفهم في وجه هؤلاء، لتسري شرارة الثورة في هشيم المفسدين وتزج بهم إلى المقصلة .. لنعلم ونتعلم أن فلسفة الجوع تفوقت على فلسفة فولتير وجان جاك روسو لأنها فلسفة قاهرة تؤثر في النفوس ، لاتجادل ولاتصبر ولاترحم لأن العضو المفكر هو المعدة.
لقد أدرك الغرب فلسفة الجوع فتولدت الحاجة لديه إلى عمل وإلى إبداع وإلى اجتهاد، أصبح الجوع وسيلة للاجتهاد والابتكار وتحقيق الأهداف، سعي دائم للارتقاء بالحياة، وتحسين معيشة البشر فأصبح الآن بلا جوع ولاعوز بل أمم تصنع وتتحكم وتسيطر وتقود .. سلة غذائها في أيديها، وسيادة القرار فى إرادتها، على عكس أمم أخرى استخدمت الجوع كأداة أمنية للسيطرة على شعوبها، حيث جعلت الرعية تفكر دوما وبلاانقطاع فيما يملأ بطونها ، وأن لايتعدى تفكيرها مسافة أنفها، يخال لهم أن شبع رعيتهم سيجعلهم يفكرون في المنصب ويتطلعون للحكم.ولم يغفل ديننا الإسلامي السمح في تأصيل وتنظير فلسفة الجوع ويكتب المولى عز وجل على أمة الإسلام صيام شهر رمضان، ليكون بمثابة دورة تدريبية مدتها30 يوما، يتعلم خلالها المسلم فلسفة الجوع ويقتنع أن الجوع كافر، وكيف يتعلم وهو يشعر بالجوع أن يحاربه ويقضي عليه، ويتعلم كيف يخطط وينفذ المشاريع التي تفسح طرق العمل لأفراد الأمة كي يسد منافذ الجوع ويعلمهم كيف يدفعون من ذكاتهم الأموال التي تهزم الفقر وتقطع دابره ، يعلمنا كيف نعمل ونكد ونحن جوعى، كيف نصبح أصحاء ليعلمنا أن الجوع لساعات ليس نقمة بل نعمة، كي نشعر بالصحة ونتخلص من سموم الجسد وجشع النفس ،وفي حديث رسولنا الكريم وصفة العلاج (ماملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن به صلبه، فإن كان لامحال فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).( نحن قوم لانأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لانشبع).
ونرى قدرة الله فى الصوم وفلسفة الجوع عند الحيوانات والحشرات والطيور أيضا كتعبير عن الألم والحزن ،فالحصان المريض يمتنع عن الطعام والكلاب إذا ما أصيبت بكسر في عظامها تصوم فترة قد تمتد إلى عشرين يوماً. كما أنها تصوم حزنا على فقد صاحبها أما عصافير الدوري والطيور التي لم تدجن والحيوانات البرية فإنها تصوم حال وقوعها في الأسر ربما كتعبير عن الأسى والحزن أيضاً الأسد… يصوم يوما في الأسبوع كي يتخلص من حمض البوليك السام المضر على جسمه ويأتي هذا الحمض من أكل اللحوم الذي لايأكل غيرها كذلك أسماك السلمون وأيضا صوم الضفادع في الشتاء، حيث تختزن طعاما هائلا في معدتها لكي يكون مخزونها الوافر في هدا الفصل وتكون في حالة من السبات لدرجة التجمد مثلها مثل الجليد حتى ينتهي فصل الشتاء وتخرج من السبات
إن فلسفة الجوع والصوم والترشبد أسلوب حياة لكافة الكائنات الحية من الإنسان إلى الحيوان إلى الطيور، قد تتعجب عندما تجد أناسا من البشر تسوقهم من الطعام عبارة عن إصبع من الموز أو سمكة واحدة أو شريحة لحم صغيرة ، ليس شحا ولابخلا بل ترشيد لأموالهم وحفظا لصحتهم ..جوعوا ورشدوا…..ترتقوا وتصحوا .

إلى الأعلى