الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: كيف نقرأ أحداث العالم في عيون أبنائنا؟

في العمق: كيف نقرأ أحداث العالم في عيون أبنائنا؟

د. رجب بن علي العويسي

في ظل ما يمر به عالمنا اليوم من أحداث ومآسي الحروب والتشريد والدمار، وما يسوده من لغة التهديد وأزمة عدم الثقة، ومناخات تؤجج للمذهبية والتفرقة، ونمو الشائعات التي تستهدف إجهاض المشروع الحضاري الإنساني المتوازن في سبيل تحقيق مكاسب شخصية وشهرة إعلامية، وسياسة الازدواجية الدولية، وأسلوب الكيل بمكيالين في التعامل مع قضايا الأمتين العربية والاسلامية، وفجوة التقارب وسوء الظن والبحث عن الثغرات والاصطياد في الماء العكر، ودور الاعلام العالمي الفئوي والموجه لتحقيق أغراض الفرقة وبث بذور الطائفية وإقصاء الحقائق وغيرها كثير، وما أنتجته هذه التراكمات من اتساع فجوة الاغتراب القيمي والأخلاقي ونشر ثقافة السلبية، واهتزاز الثقة في الحكومات، واضطرابات فكرية وعقائدية، وبروز للقوى الارهابية في المنظومة العربية خاصة، والاشكاليات الناتجة عن ضعف مساحات الالتقاء بين الشعوب والقيادات، وزيادة مساحات الخلاف على فرص المشاركة السياسية والتكامل التنموي وغيرها، يقابل ذلك سيل الإعلام المروج والقنوات أو الفضائيات التي تستهدف تقويض وحدة الأمة، والإساءة إلى مبادئها وإرهاقها واستنزافها في تراشقات إعلامية لا طائل منها، ومعاداة بين الأصدقاء والأشقاء، تؤخر أولويات العمل وتزيد فجوة التباعد في العمل العربي المشترك، وما تبثه القنوات الاعلامية من أحداث مرعبة وجرائم قتل واغتيال لحياة الانسان، وجرائم إرهابية وتفجيرات طالت المساجد والكنائس والمراكز التجارية والسياحية غيرها.
لقد أنتج هذا الواقع كومة من التراكمات والسلبيات التي يعيشها أطفال العالم، في ظل عالم يتسم بفضاءاته المفتوحة، ودخول التقنية فيه، كعامل مساند للحصول على هذه المعلومات والمشاهد، ونشر الصور والوقائع والأحداث بصورة فورية وبحرية مطلقة ودون أي قيود وضوابط، عبر شبكات التواصل الاجتماعي والواتس أب، وأثر ذلك في تشكيل عقلية الأبناء، ونظرتهم لسلوك الآباء اليوم، وتحليلهم لهذه الممارسات، وما يمكن أن يطبعه ذلك على قناعتهم وثقتهم في العالم من حولهم، ومدى جاهزيته في التعامل مع متطلباتهم، ورسم خريطتهم المستقبلية، لرصد احتياجاتهم، والارتقاء باهتماماتهم، وتلمس طموحاتهم والحدس بتوقعاتهم، والتي لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل عالم تسوده المحبة والوئام، ويعيش بني جنسه حياة الأمن والأمان والسلام الاستقرار، ويتفاعل أفراده على قاعدة المؤتلف الإنساني والمشترك القيمي، عبر لغة الحوار، ومنصات التكامل في البحث عن حلول لمشكلاته والتعامل مع تحدياته، وبالتالي كيف يمكن التعامل مع هذه الرسالة وما تحمله من صورة ذهنية نمطية في نظرتها للإنسان وقراءتها لواقعه وتهديدها لوجوده الآمن، بصورة تخرجها من هذا الواقع ، إلى رسم صورة إيجابية متفائلة طموحة تعزز في الأجيال فرص التكيف، عبر بناء حالة توافقية ايجابية من خلال مراجعة الذات وتصحيح الممارسة، وتعميق الثقة وتعزيز التضامن الإنساني وصناعة التجديد في العلاقات الدولية، ورسم صورة متجددة لهذه المواقف والممارسات، كونها لا تتصف بالديمومة ولا تقبل التعميم، وأن عملية تحقيق عالم متسامح ممكنة، عندما تنطلق من الإنسان نفسه، والتزامه بالثوابت القائمة على مبادئ الحق والعدل، والحقوق والواجبات، والتعايش والوئام والاعتراف بالآخر، وفي المقابل أيضا تعميق دور الأسرة والوالدين ومؤسسات التعليم والمجتمع المدني، في بناء مناخ نوعي، يتعامل بوعي ومهنية مع الصورة السلبية القاتمة التي تبثها القنوات الفضائية والاعلام، وإعادة انتاجها بطريقة أخرى في ذهن الأجيال، عبر ربط الأجيال بقيم الحياة والجمال والصدق والثقة والأمن والتعاون والتكامل والحوار والحب والتآلف والتعاطف، وتعميق وشائج القربى وروح الفريق الواحد، على أنّهذا الأمر، لا يعني الهروب بالأجيال عن الواقع أو غمض أعينهم عن مشاهدة الحالة، أو تكتيم أفواههم عن السؤال والنقاش، بل منطلق يمكن خلاله طرح مشروعهم الحضاري، في إعادة صياغة جديدة لحال الأمة، وبناء منظومة فكرية قادرة على توجيه الإنسان نحو مسارات التسامي فوق الخلاق، وقراءة المشترك والتكامل في ظل مفهوم الاختلاف، وصناعة نماذج إنسانية راقية تحمل رسالة السلام والأمان، بما يعني تمكينهم من قراءة العالم وأحداثه من زوايا أخرى، وعبر مسارات تبعث التفاؤل، وتعزز منطق البحث والتأمل والتفكير والتحليل والدراسة والقراءة الصحيحة لهذا الواقع وفهم أسباب حدوثه، ودراسة التحولات التي يجب أن تصاحبه كمرحلة متقدمة، لتغيير اتجاهه وبناء مسارات أفضل تضمن له التميز والتفوق، وتعميق أهمية البحث في بدائل متجددة، وأساليب عمل متنوعة في إدارة الواقع بطريقة تضمن الاستفادة من كل النجاحات والوقوف عند الاخفاقات، وفتح المجال الأوسع لمزيد من فهم متطلباته واحتوائه.
وتبقى مسؤوليتنا جميعا في إعادة صياغة إنتاج هذه الأحداث بطريقة مبتكرة، تأخذ الأجيال منها ما يعزز كيانها ويثبت وجودها ويحمي هويتها ويصون خصوصيتها، ويمنحها القوة في التعامل مع هذا الواقع بروح متجددة ونفس مطمئنة بعيدة عن كل اسباب القلق والصراخ والعويل والبكاء على الأطلال أو الخوف من القادم المجهول، لتضع الأجيال بصمتها في صياغة هذا المنتج بطريقة أخرى، تضمن لعالمهم الحب ولحياتهم السعادة، وأن تعزز العلاقات الاستراتيجية الأسرية والأبوية والاجتماعية بناء جو عاطفي اجتماعي أسري قائم على المحبة والوئام والحنان والثقة والاحترام والشفقة والاحتواء، بالشكل الذي يجعل من عالمهم الأسري الجميل صورة مصغرة لبناء الحياة الصحيحة، وأنها تلك التي يراد منهم تحقيقها مستقبلا، لا أن تكون المآسي سببا في رسم صورة سلبية لمستقبلهم، أو قراءة عدم الثقة في واقعهم عندما يجدون بأن هذه الاشكاليات تقع بصورة متكررة بين الأشقاء والاصدقاء والاخوة، وعليه فإننا مطالبون اليوم بمراجعة آليتنا في قراءة أحداث العالم لأبنائنا، وقراءتنا له في أعينهم، واحترام عالمهم الطفولي البريء، وعدم الزج بهم في ما كسبت أيدينا من حماقات ومهاترات، ليختار أبناؤنا طريقتهم المثلى للعيش في عالمهم الجديد، الذي يضمن لهم الاستدامة في استثمار الموارد، والقوة في بناء اقتصاديات التنمية، ليعيشوا في سلام وحب ووئام .

إلى الأعلى