الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / استغفال

استغفال

أ.د. محمد الدعمي

لم يحدث شهر عسل بين أهم سلطتين في الولايات المتحدة، مؤسسة الرئاسة (البيت الأبيض) ومؤسسة البرلمان (الكابيتول: الكونجرس) منذ تسنم الرئيس أوباما الرئاسة قبل أعوام عدة: فالرئيس ديمقراطي، بينما تهيمن أغلبية جمهورية على الكونجرس. وهكذا كان الشد والجذب هو ديدن الصلة بين السلطتين. وقد لاحظ المراقبون هذا السلوك التنافري منعكسًا في جميع القرارات التي تم اتخاذها طوال ولاية الرئيس الحالي. بيد أن على المرء أن يلاحظ أن التجاذب بين السلطتين قد أخذ مداه الآن بسبب قضية الجندي الأسير “بيرغدال”.
وأصل المشكلة يقبع في تصرف إدارة الرئيس أوباما في معالجة هذه القضية دون استشارة الكونجرس، بمعنى أنها اتخذت قرار مبادلة الجندي الأميركي الأسير بخمسة من أخطر قادة طالبان، دون الحاجة لمشورة من أعضاء الكونجرس، بل دون إعلامهم على الإطلاق، بدعوى أن الجندي إياه كان مريضًا، وأن أي تأخير في عقد وتنفيذ الصفقة يمكن أن يقود إلى نتائج سلبية. لذا شعر أفراد الكونجرس بأن الإدارة لم تأبه برأيهم.
تمت الصفقة على كل حال، وقد أراد الرئيس أوباما تصويرها “كمنجز تاريخي” لإدارته عبر إعلانها في تجمع صحفي بحديقة الورود في البيت الأبيض، أمام الصحفيين وبمعية والدي الجندي المحرر. بيد أن الرياح لم تجرِ كما تشتهي السفن، إذ انبرى عدد لا بأس به من الجنود لهذه الصفقة بالاستهجان مدعين أن “بيرغدال” لم يؤسر قط، وبأنه قد فر من الخدمة وسلم نفسه لقوات طالبان بعد أن نزع درعه وترك سلاحه، وبعد الاتصال بوالده هاتفيًّا الذي نصحه بأن “يفعل ما يمليه عليه ضميره”. وقد فعل الشاب ذلك: فذهب متمشيًّا لجانب “العدو” وكله ثقة بأن يحقق “الحب” بين الأعداء ما لا يحققه الرصاص بينهم قط. وقد كان الطريق التي سلكها إلى مواقع طالبان هي “درب الصد ما رد”، فبقي هناك خمس سنوات يتناول الرز وأنواع الكاري الحار، بدون قدح واحد من الجعة المثلجة التي كان يحتسيها يوميًّا مع رفاق السلاح خلف الخطوط الأميركية.
النقطة المهمة في هذا النص الإخباري، كما أرى، تتلخص في الشعور الأميركي السائد بأن إدارة الرئيس أوباما اتخذت القرار الخطأ، ليس فقط عندما لم تبلغ الكونجرس، وإنما كذلك عندما لم تتحقق من حقيقة الكيفية التي وقع “بيرغدال” بموجبها في أيدي طالبان. وهكذا راحت فرضية “استغفال طالبان” للإدارة الأميركية تصدر بسرعة فائقة وتأسيسًا على حساب بسيط للقيم الحقيقية لعملية المقايضة غير المتوازنة أعلاه: فبمقابل خمسة من “أخطر قادة طالبان”، كما وصفهم السيناتور ماكين، لم تحصل الإدارة الأميركية إلا على جندي هارب لا صلة له بالبسالة أو بـ”الأشوسية”، بل إنه اتهم بالتسبب بقتل عدد من “رفاق” السلاح الذين اندفعوا لإنقاذه أو للبحث عنه بعد غيابه المفاجئ بين صفوفهم. وهكذا استدرج البيت الأبيض إلى فخ نصبته له حركة طالبان: إذ سيستمع زعماؤها المحررون بأرقى سكن وشبكة اتصالات في الدوحة حتى يحين موعد إطلاقهم للعودة إلى “قواعدهم سالمين” في أفغانستان!

إلى الأعلى