الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / قتال الشهر الحرام

قتال الشهر الحرام

د.احمد مصطفى

” بداية، ترسخ مصر حقها في الدفاع عن نفسها في الحرب التي تخوضها ضد الإرهاب بالضرب خارج حدودها، ربما حتى بشكل استباقي ووقائي. صحيح ان أغلب هذا الإرهاب الذي أصاب جسد مصر له جذوره المحلية والتي تتطلب مواجهة أمنية وغير أمنية، إلا أن ما جرى في المنطقة في العقد الأخير جعل سرطان الإرهاب متشابكا ومنسابا…”

لم يتوقف القتال في سوريا أو اليمن أو غيرها من بؤر المنطقة الملتهبة بنار الحروب مع بداية شهر رمضان الفضيل، ولعل الإرهابيين المتسربلين بالدين يجدون ضالتهم في الآية الكريمة عن القتال في الشهر الحرام فهم اختطفوا الدين كله فما بالكم بآية من قرآنه. لكن بداية شهر رمضان شهدت أيضا قصفا مصريا لمواقع الجماعات الإرهابية في ليبيا في أعقاب مجزرة المنيا التي قتل فيها مسيحيون بينهم نساء وأطفال بدم بارد. وابلغت مصر مجلس الأمن بغاراتها على درنة والجفرة وغيرها من المواقع الليبية التي تؤوي مسلحين متطرفين وقالت مصر إنها مراكز تدريب لإرهابيين يقومون بعمليات داخل أراضيها منها مجزرة المنيا. صحيح أن استهداف تلك الجماعات الإرهابية في الأراضي الليبية من جانب مصر ليس بجديد، لكن ما يجري الآن أوسع كثيرا ويعيد للأذهان ما كان متوقعا قبل عامين من ضرورة القضاء على هذا الخطر الذي يهدد مصر اساسا لكنه يهدد ايضا تونس والجزائر.
في البداية، استنتج الكل أن قصف الطائرات المصرية لجماعات إرهابية في درنة سيكون نهاية المطاف لكن العمليات توسعت وتكرر القصف وطال الجفرة جنوبا وغيرها أيضا. وأعلن الجيش الوطني الليبي عن غرفة عمليات مشتركة مع المصريين لاستهداف الجماعات الإرهابية في عملية مستمرة. وفشلت حتى الآن محاولات البعض استجداء موقف دولي (أو غربي تحديدا) يعارض القصف المصري للإرهابيين في ليبيا. وتسود حالة بين المصريين بأن شهر رمضان الفضيل، الذي دخلوا فيه حرب أكتوبر عام 1973 ضد اسرائيل وانتصروا، قد تكون له بركاته في “تحييد” خطر الإرهاب القادم من ليبيا. وإذا كانت العمليات المصرية تساعد، كأثر جانبي، الجيش الوطني الليبي في حربه ضد الجماعات الإرهابية منذ نحو ثلاث سنوات إلا أن لها تبعات على مصر وربما الإقليم كله. وبغض النظر عن بعض التعليقات السطحية هنا وهناك، وأكثرها على السوشيال ميديا، فإن مصر تكسب بتلك العملية لجيشها على أكثر من صعيد.
بداية، ترسخ مصر حقها في الدفاع عن نفسها في الحرب التي تخوضها ضد الإرهاب بالضرب خارج حدودها، ربما حتى بشكل استباقي ووقائي. صحيح ان أغلب هذا الإرهاب الذي أصاب جسد مصر له جذوره المحلية والتي تتطلب مواجهة أمنية وغير أمنية، إلا أن ما جرى في المنطقة في العقد الأخير جعل سرطان الإرهاب متشابكا ومنسابا: بمعنى أنه لا يمكنك الفصل بين ما يجري في العراق وسوريا وما يمكن أن يحدث في أي بلد في المنطقة بل وحتى خارجها. ولنا في عبرة علاقة تفجير مانشستر البريطانية الأخير بالجماعات المتطرفة والإرهابية في ليبيا عبرة. وهنا أيضا تستطيع مصر، فعلا بعد قولا، إنفاذ تصورها لمكافحة الإرهاب ضمن التحالف الدولي الذي تشكل منذ أكثر من عامين وكان كل تركيزه على سوريا لأسباب عدة جعلت استهداف الجماعات الإرهابية ليس الهدف الرئيسي والوحيد. ثم إن مصر أيضا لها موقفها الذي لم يتغير كثيرا من تلك الصراعات، خاصة في سوريا والعراق واليمن، والتي تفصل بوضوح بين مكافحة الإرهاب وتغيير الأنظمة أو تدمير الدول. وهكذا تصرفت مصر بطريقة “ما حك جلدك مثل ظفرك” بعدم رهانها على تحالفات دولية لها أهداف قد تغاير تصوراتها خاصة حين يتعلق الأمر بأمنها القومي.
بالطبع، لن تتدخل مصر في ليبيا بقوات ولا بوجود دائم، لكن عملياتها العسكرية ستمكن الجيش الوطني الليبي والقوى غير المتطرفة من بسط نفوذها بشكل أكبر بما يسهم في تسوية سياسية حتمية للأزمة الليبية لا تتضمن إرهابيين أو متطرفين. وهذا مكسب كبير لمصر، ولدول الجوار الليبي ولدول الإقليم وربما للعالم أجمع. وعلى ذكر العالم، وإضافة إلى بركة الشهر الفضيل وعزم المصريين على مكافحة الإرهاب ودرء خطر الجوار، فإن العالم يمر الآن بمرحلة مهمة سهلت ما اقدمت عليه مصر. فنتيجة اعتدال ميزان الصراع في سوريا قليلا، وجهد العراق في مكافحة داعش إلى جانب تضافر جهود محلية لحصار تنظيم الإخوان بدأ الموقف الغربي يتغير. فلم تعد حجة “المعتدلون”مقابل”المتطرفين” صالحة، وتكاد تخبو ضغوط الغرب لإشراك التيارات والجماعات التي تتبنى الفكر المتشدد والمتطرف في السلطة. وهذا تطور في غاية الأهمية، لا شك أن الجهد العسكري المصري في ليبيا يعززه.
وتلك حسنة اخرى من حسنات قتال الشهر الحرام: أن يحاصر وينبذ كل من يستغل الدين لتبرير التطرف والإرهاب. ويصبح منحى تأكيد سماحة الدين الإسلامي فعلا لا قولا، وربما لا يغالي المرء إذا خلص إلى أن العمليات المصرية في ليبيا ـ إلى جانب غيرها من أطراف أخرى ضد الجماعات الإرهابية والمتطرفة في البؤر الأخرى ـ هي “استعادة للدين من خاطفيه”. والمهم هنا ألا ينسحب من يقومون بهذا الجهد إلى أرضية المتطرفين، وليبق الأفق الإنساني الأرحب والأوسع إطارا لمن يعملون على تخليص المنطقة والعالم من هذا الورم الخبيث الذي أصابها وغذاه آخرون لأغراض مصالح لا تتقاطع مع مصالحنا، بل تضرها في كثير من الأحيان.

إلى الأعلى