الأربعاء 23 سبتمبر 2020 م - ٥ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: تاريخ لا شبيه له

باختصار: تاريخ لا شبيه له

زهير ماجد

خمسون عاما اذن على هزيمة يونيو 1967 لم تكن الالة العسكرية العربية قد تحطمت فقط، بل بلغ الحطام النفوس والاحلام والثقافة والتفكير الجماعي .. الخ .. بل دفع شاعرا مثل صلاح جاهين وهو الذي كتب اجمل الاغنيات الوطنية واكثرها تأثيرا في نفوس تلك المرحلة، إلى الاحباط الشديد والانزواء والاصابة بمرض القلب ثم الانقلاب على نفسه بشكل كامل، راح بعدها الى كتابة كلمات غريبة لافلام سينمائية مثل ” الدنيا ربيع والجو بديع ” و ” خلي بالك من زوزو ” وغيره من الاغنيات المماثلة الهابطة. ثم ان ام كلثوم اصابها الصمت الغنائي فأرسل وراءها عبد الناصر وطلب منها العودة إلى الغناء وخصوصا العاطفي لاننا بحاجة اليه اكثر من اي وقت مضى كما احبرها.
ما حصل من آثار الهزيمة تلك كان عميقا، لكن صدقوني، مايحصل اليوم في عالمنا العربي كارثي الى ابعد الحدود ويتجاوز كل مراحل الامة السوداء. هزيمة يونيو نفذت بسرعة ، خلال ايام انهت اسرائيل عملياتها العسكرية، اما اليوم فالسنة تأكل السنة، والعنف يزداد، ومئات الاف البيوت تدمرت، ومثلها الشهداء من الشعوب ، والاجيال الطالعة تفقد صمام امانها المستقبلي ، فإذا هي امام مجهول كالغول الآكل، ومن يتأمل الطفولة العربية بعين ناقدة يرثي لحالها وعلى ماذا تربت ونشأت وترعرعت، واي المشاهد رأت، وماذا سمعت غير البكاء والعويل والخوف ، وبالتالي ما هو مستقبلها القادم ان لم تتأمن لها المدرسة او المهنة الملائمة.
نحن امام تاريخ ليس له شبيه، ثمة جروح عميقة تحتاج لاجيال متعددة كي تشفى مع ان آثارها لا تمحى اطلاقا. ما زلنا الى اليوم نقرأ في تاريخنا احداثا داهمة لها بصمات خطيرة على ما تلاها. الذين خططوا لهذا الواقع الضخم في مأساته، وضعوا في رأس اهتمامهم ما يظل مؤثرا الى امد بعيد، الى سنوات لا تعد وان تقتحم دائما ذاكرة الناس بكل متغيراتهم. لكن المؤسف ان كل جيل هو شعب جديد، لا يروقه الماضي، فيعمد الى التجربة كي يكتشف بنفسه خطأه وصوابه، ولهذا لا تتعلم الاجيال مما سبق من آلم وخراب وموت وعبث.
بعد خمسين سنة على هزيمة يونيو تلك، لا ينتبه احد انها عالقة في الوجدان، بل ما أدت اليه من افرازات وصلت الى حد الاقتناع بان اسرائيل كيان لا يقهر، فجاء التسليم بالأمر الواقع ، لولا بروز حركة المقاومة الفلسطينية التي غيرت نسبيا من هذا الاعتقاد واعادت بعض الثقة. ثم جاءت تجربة المقاومة اللبنانية التي نعيش هذه الايام ذكرى انتصارها في العام 2000 حين انسحب الاسرايلي لأول مرة من ارض عربية دون قيد او شرط وهو في غاية الهزيمة النفسية والعسكرية، ثم تلتها حرب العام 2006 بين اسرائيل وحزب الله التي ادت الى نتائج كارثية على اسرائيل لم تزل تعيشها حتى اليوم، فانقلبت امور شعبها النفسي من منتصر دائم الى مهزوم يبحث عن وسيلة تعيده إلى ما كان عليه من انتصارات.
علينا ان نتقبل ما يجري بعقل بارد كي لا تصيبنا الاحباطات الكبرى .. لكن ذلك مفهوم افراد، اما السواد الأعظم من الشعوب انها تتلقى الصدمات بأعصابها فتنهار، او تعيش مأزومة بانتظار البديل الذي قد لا يأتي .
تاريخنا اليوم لا شبيه له، صعب ومعقد ومخيف في نتائجه، ويجب ان نعترف بالحقيقة، هي الرافعة النفسية التي تجعلنا مستعدين دائما لتقبل الأبشع.

إلى الأعلى