الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : واين هو الشرق الأوسط !؟!

باختصار : واين هو الشرق الأوسط !؟!

زهير ماجد

عام 1972 كنت في زغرب عاصمة كرواتيا التي كانت جزءا من يوغوسلافيا يومها، حين التقيت بشلة من اليوغوسلاف والأميركيين الذين يدرسون اللغة السلافية لاسباب لاأعرفها. جرى حديث عن الشرق الاوسط عندما عرّفت عن نفسي، ولشدة مفاجأتي حين سألتني إحدى الأميركيات، هل عندكم طرق معبدة، لتكمل يوغوسلافية السؤال عما اذا كنا مازلنا نستعمل الجمل في تجوالنا. لكن الأمر لم يبق طي المفاجأة لولا انني اكتشفت أنهم لايعرفون أين لبنان ولا الشرق الاوسط سوى بالاسم.
هؤلاء كبروا اليوم صاروا اجدادا، ربما ، ولا بد انهم علموا اطفالهم ثم احفادهم ماعرفوه، وبالتالي ظل العرب في حكاياتهم قصص الف ليلة وليلة وصورة الجمل المطبوع في الذاكرة والثياب الفضفاضة التي تشبه مايلبسه الداعشيون اليوم ، وان لا وجود للشرق الاوسط كقيمة حضارية اقلها أنه منبع الاديان السماوية، بقدر ماهي منطقة حرام مزروع فيها انسان بدائي لم تصله اشكال العمران والتحضر .
أليس ساسة الغرب اليوم هم ابناء هذه الفكرة مهما حاولوا التمثيل علينا عند مجيئهم الى بلادنا .. في عقل كل منهم فكرة واحدة ، اننا بحاجة اليهم، من ” البابوج حتى الطربوش ” كما يقول السوريون، فلاسيارة تمشي في شوارعنا الا من صنعهم، ولا ننتقل بطائرة الا اذا كانت من صنعهم ، ويمكن ان يموت العرب بالجملة اذا لم يرسلوا هم الدواء لنا، واذا تمنعوا عن ارسال السلاح فلا نملك الدفاع عن بلادنا .. كان الصحافي المخضروم غسان تويني يردد ان العرب لم يساهموا اطلاقا في اي اختراع او صناعة مهمة باسثتناء صناعة الاحذية.
وحين تصل المسألة الى السياسة، يعاملوننا بعقل بارد، فيما يعاملون اسرائيل بكل الحنان الدافق في العيون والكلام والاحساس .. اريد فقط استثناء روسيا من كلامي، الروسي ابن حضارة عريقة شرقي الهوى، ومن يقرأ دوستويفسكي وتولستوي ومكسيم غوركي وبوشكين وغيرهم، يشعر بتلك الترجمة الانسانية الشبيهة باحاسيسنا وتقاليدنا وباعماق تشبهنا احيانا. لذلك نميل اليهم كما يميلون الينا، اكتشف عبد الناصر بعد شراء السلاح من الكتلة السوفياتية آنذاك، ان المسألة تتجاوز السلاح لتصل الى ماهو اعمق.
لايمكن تغيير هذه النظرة الغربية الا اذا غيرنا نحن تهافتنا عليهم وانشدادنا اليهم كخطوة اولى، تتبعها خطوات لاحقة مهمة وهو التصنيع، بمعنى انشاء صناعات عربية في شتى مجالات الحياة، على ان يتخصص علماؤنا في بلادنا كي لانخسرهم، فاذا درسوا في الغرب فلن نستفيد بعدها من وجودهم، حيث ان ابدعوا سيتعرضون لاغراءات البقاء عندهم، او يتم اغتيالهم بطرق مختلفة، عندما بنى صدام حسين جيشا من المخترعين المبدعين تم اغتيال اكثرهم لاحقا، ومن قبل الهجرة يعيش اليوم متناسيا كل علاقة له ببلاده.
لاشك اننا مساكين في كل الاحوال، فلقد سبقتنا قدرتهم على اثبات الذات فتقدموا هم علينا، وفيما نملك اليوم الاموال فنحن ايضا لانملكه ، ونملك العقول لكنها ستصب عندهم، حتى ان هناك مؤامرة على اللغة العربية بعدما تراجعت كثيرا عن جيلنا الحالي المهتم بلغاتهم ، ونحن نعرف ان اللغة وطن.
ثم نسأل كما سأل من صادفناهم منذ عشرات السنين في مدينة زغرب عن اين يقع الشرق الاوسط وعما اذا كانت لدينا طرق معبدة ، وان الجمل هو سيارتنا المفضلة .

إلى الأعلى