الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “رحلة حنظلة” استقراء للواقع العربي في ظل الفضاءات المفتوحة

“رحلة حنظلة” استقراء للواقع العربي في ظل الفضاءات المفتوحة

دونما شك، أن مستجدات الواقع المعاصر أثرت على المنتج الثقافي والمسرح العربي، انطلاقا من كون المسرح إحدى مفردات المنظومة الاجتماعية والسياسية. وجاء عرض مسرحية “رحلة حنظلة ” للمخرج القطري حسن إبراهيم، من تأليف عبد المنعم عيسى وحسن إبراهيم، محاولا استقراء الواقع العربي في ظل الفضاءات المفتوحة، عليه فقد أبحرت رحلة “حنظلة” المضنية لتعبر عن واقعه المثقل بالكثير من القضايا التي يود أن يفصح بها للمشاهد .وهذه المسرحية معالجة لمسرحية سعد الله ونوس ” رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة…”، كما أنها إعداد لنصوص عربية أخرى .
وبدت على العرض ملامح المسرح الملحمي عبر لوحات سياسية مقدمة، عبرت عن الواقع العربي السياسي، المتأرجح بين الماضي والحاضر . وتظهر شخصية حنظلة رسام “كاريكاتير الأطفال” عبر لوحات مشحونة بالإحساس بالظلم، والتي ساعدت في الكشف عن أبعاد الشخصيات في توالي وتتابع يستثير المشاهد ويحفزه على المتابعة. وعبر لوحات متصلة ومنفصلة في آن واحد؛ فقد كانت تلك اللوحات متصلة من حيث ارتباطها بالشخصية المحورية، عندما كانت الشخصيات تتمسرح وتتقمص الأدوار، فيما كانت منفصلة من حيث لازمتي الزمان والمكان، اللتين كانتا تتغيران حسب البيئة التي يصنعها المؤلف، فيما كانت الإضاءة والفنيات الأخرى ترسم مداها.
ومنذ الوهلة الأولى، شاهدنا “حنظلة” رسام الكاريكتير قابعا في سجنه وهو يتألم ويصرخ ظلما، لأنه حكم عليه بجرم لم يرتكبه، وحتى عندما كان يطالب بحريته، فإن الحارس يطلب منه ثمنا لتلك الحرية!، ثم تتوالى الأحداث عبر حلقية الحدث، لنشاهد المحامي وقد حضر، ولكنه تفاجأ عندما يطلب مبلغا من المال مقابل خروجه من السجن، وتستمر دائرة الظلم وضياع الحق في الاتساع، عندما يذهب حنظلة إلى مدير التحرير للمجلة التي كان يعمل فيها، فيتنكر له، فهو متهم برسم رسوم كاركاتيرية ضد النظام ، الأمر الذي يتطلب منه التنازل عن حقوقه.
ثم يواصل حنظلة “رسام كاريكاتير الأطفال ” التنقل، فيقرر الذهاب إلى زوجته والتي تنكرت له هي الأخرى كونه أصبح متهما، بعد ذلك، يذهب حنظلة إلى الطبيب النفسي والذي يشخص حالته، فهو مصاب بمرض نفسي “نكبوي” على ضوء خلفيات نكبة 1967، حتى انتهى به المطاف عند “الدجال” الذي طلب منه أيضا مبلغا من المال مقابل الجلسات الروحانية التي سيقدمه له.
هكذا مضى حنظلة رحلته وهو يتلقى صدمات الحياة بمفاجآتها الساخرة ، والتي جعلته موضع اتهام، وشفقة في آن واحد …وهناك عالم صعب فرض نفسه على عالم “حنظلة” رسام كاريكاتير الصغار، والذي اشتبه به على انه رسام كاريكتير ضد السلطة. وتمثل شخصية “حنظلة” نموذجا للشخصية العربية المضطهدة ، والتي أجهضت أحلامها، وبدأت معالم هويتها في الذوبان في معمعمة الأحداث، ونكران الذات، وتأزم الفكر …وهناك إشارات سريعة أخرى، تربطنا بملامح القضية الفلسطينية بصورة كبيرة ومعبرة من خلال ذكر تواريخ بعينها فمثلا عندما طلب حارس السجن رشوة قدرها (1948) ، وكذلك طلب مبلغا آخر قدره (1967) …وهي تواريخ حاسمة في تاريخ الأمة العربية، إلا أنها بدأت في التصالح مع ذاتها الموجوعة في ظل تواتر الأحداث وتكالب القضايا الأخيرة في الشارع العربي.
وتبدأ رحلة حنظلة المظلوم من السجن بعد اتهامه بالرسوم الكاريكاتيرية ضد النظام، الذي عاش ازدواجية القيم والمبادئ من خلال تقديم الشيء الذي يناقضه …وهذا جعل حنظلة يعيش في عالم الأضداد ، والأحلام …فهو يحلم بالحرية داخل السجن …وتدفعه رغبته تلك في التحرر منه، إلا أن يغامر بماله من أجل نيل الحرية … الأمر الآخر الذي جعله يعيش في حالة صعبة بعد الافراج لواقعه فهو شخصية غير مقبولة من النظام الحاكم .
هكذا يستطرد عرض مسرحية “حنظلة ” رحلته عبر لوحات مسيسة بواقع ونوس ، والتي تحمل كما من المعاناة والألم ازاء واقعه، المكبل بكم هائل من المعاناة والألم ، حتى أصبحت الحرية لا طعم لها ، في ظل واقع لا يرحم.
كما اتسم هذا العرض بقدرته على استغلال الفضاء المسرحي في اظهار جمالياته الفنية والبصرية، وهناك تركيز على الشخصية المحورية”حنظلة” الذي كان يتقمص الدور على غرار الكوميديا السوداء ، والتي تضحكنا وتبكينا في آن واحد…فهنالك سخرية عالية ازاء واقع حنظلة …وربما الذي ساعد على التركيز على الشخصية المحورية ، هو تجريد خشبة المسرح من خلال تركيز البقعة الضوئية على الممثل، بينما كان الديكور بسيطا متغيرا من حسب البعد الحدثي ؛ السجن أو السرير أو المكتب أو العيادة. وهذا جعل مسألة تغيير المشاهد والانتقال من مشهد إلى آخر ليس بالأمر الهين ، إضافة إلى استخدام السلاسل التي تدلت من أعلى المسرح، لدلالة على القمع الذي يعانيه الكثير من المظلومين، الذين تكبل حرياتهم وتصادر أفكارهم.
ولقد اتسم العرض بميله نحو الرمزية في الكثير من مقاطع الحوار السردي على لسان الشخصيات، والتي كانت تقدم مفردات متناقضة ومتضادة في نفس الوقت …وهذا بدوره ساعد على تنويع الرؤية البصرية والانتقال من لوحة إلى أخرى، و تكثيف الجرعة السياسية التي سعى العرض إلى تقديمها للجمهور .
ولقد تكاملت المؤثرات الصوتية والبصرية في تكثيف الحدث، مع الحرص على تكشف الشخصيات، وهذا بدوره ساعد في رفع إيقاع العمل، واستطاع أن يقضي على الممل لدى المشاهد …إضافة إلى تداخل ” الصوت” الذي يمثل ضمير حنظلة، والذي ظل شاهدا على الأحداث المقترنة بحياته ، والذي هو بمثابة “الراوي” في المسرح الملحمي …جميع ذلك عزز رسالة العرض، وزاد من حدة الخطاب الموجه للمتلقي الذي بدا مركزا ، وواضحا، ومحفوفا برسالة قوية صدمته بحقيقة واقعه ، وسعت للنبش في ذاكرته التي بدت مشتتة بين أحداث التاريخ في الماضي وبين فوضى الثورات العربية في الحاضر، الذي بدا طويلا مترهلا يحمل ويلات وتوابع تلك الفوضى الربيعية.
هناك تنوع هائل وتميز على مستوى الاداء التمثيلي، والذي بدأ مع الشخصية المحورية “حنظلة” ، وانتهى مع باقي الشخصيات التي تمردت على النص، وشاكسته بطريقة عبرت عن قدراته الهائلة على مستوى التمثيل والاداء …كذلك برزت قدرة المخرج في نحت أجساد الممثلين ، واستخراج طاقاتهم التي انفتحت على عوالم النص الخفية، المتضمنة الكثير من الاستعارات التي قادت الشخصيات للصراع ، وتحايلت على مفردات الخشبة التي بدت عبارة عن فضاء مفتوح، اتاح للممثلين سرعة الأداء والانتقال من لوحة إلى أخرى، جعلت عين المشاهد لا تمل من متابعة أحداث العرض الاستثنائية على مستوى الشكل والمضمون .

عزة القصابية

إلى الأعلى