الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عبر بوابة مضيق هرمز

عبر بوابة مضيق هرمز

عبر البوابة الجغرافية لمضيق هرمز وفي إطار العلاقات التاريخية المتجذرة منذ القدم المرتبطة بوشائج إجتماعية وثقافية بين عمان وإيران، وضمن إطار هذه الفسيفساء، انطلقت خمس نسوة من مطار مسقط الدولي ليحطن رحالهن في مطار الإمام الخميني في طهران. رحلة ثقافية استغرقت أسبوعا واحدا لكنها اختزلت الكثير من الأحداث والتجارب التي ساعدت على ترميم الصورة الذهنية المشوهة حول إيران بأخرى أكثر نصوعا وجمالا!
صور ناقصة ومشوهة تشكلت في الأذهان بتأثير الإعلام المتنفذ من جهة، ومن جهة أخرى بسبب القصور في تقصي الحقيقة أو النظر الى الصورة الكاملة لإيران كدولة ذات حضارة وتراث وعلم وعمران بعيدا عما تم تشكيله في الأذهان كدولة قاد الملالي ربان سفينتها لتغدو في الأذهان دولة صفوية ورافضية وعنصرية وغيرها من المصطلحات الشبيهة!
لكن.. أمام تلك الصور الباهتة المشكلة بدرجات مختلفة من التشويه، تولدت صورة أكثر جمالا وبياضا في أذهاننا بفعل الواقع المتحرك والعقل المتفتح لتنقيح الحقائق حتى في ذهن من كان قد زار وتعرف على إيران في الماضي القريب. فإيران لم تعد “مشهد المقدسة” أو “قم مدينة علم الملالي”.. إنها مراكز أبحاث وجامعات ومدارس وقنوات علم وثقافة .. إنها تجدد مستمر!.
طهران التي حمَّلتني عددا من “البخاخات” بسبب ما أشيع عنها كمدينة محاطة بغلاف كثيف من التلوث البيئي، استُقبلنا فيها بكل ترحاب لنقضي فيها ثلاثة أيام في شقة لم تكن من البذاخة في شيء، إلا أنها كانت من حيث الدفء والضيافة ما أشعرنا بأننا مازلنا في بلدنا. وفي صباح اليوم التالي من وصولنا بدأت انطلاقتنا لنكتشف عبرها حقيقة إيران الجمهورية الإسلامية. واكتشفت أن البخاخات المحمولة لم تكن سوى عبء وزن إضافي!.
“مدرسة النخبة” عنوان غريب.. لم يمر عليّ من قبل! لهذا كان السؤال: ماذا تعنون بمدرسة النخبة؟
السيد حيدر الإيراني، العراقي المولد، المتحدث باللغة العربية، والسيدة آمنة الإيرانية المتخصصة في اللغة العربية اللذان كانا برفقتنا شرحا لنا معنى النخبة في القاموس الإيراني. ورغم تخصصي في مجال الموهوبين إلا أنني لم أكن على علم ودراية بهذا المصطلح، فلم أربط من قبل كلمة “النخبة” بمصطلح الموهوبين، فكانت إضافة جيدة توضح كيف أن الكلمات العربية التي تتداول باللغة الفارسية تجد لها مسارات تختلف عن الكيفية التي نتداولها. ومن جهة أخرى فإن جهلنا لمفاهيم ومصطلحات تربوية وغيرها يعكس الحالة المتناقضة بين الواقع الجغرافي المتقارب بين البلدين والبعد الواقعي بين ثقافة الشعبين على المستوى العام. لكن ظلت هذه الكلمات العربية المستخدمة باللغة الفارسية واحدة من الأمور التي كنا نحاول مجتمعين على اقتناصها. وكانت أول عبارة وقعت أنظارنا عليها في مطار طهران حينما أخذنا دورنا أمام لائحة كُتب عليها “غير تابع إيراني” أي من غير الجنسية الإيرانية.
في مدرسة “النخبة” أو الموهوبين لم يكن المبنى المدرسي أو أثاثه هما ما استقطب اهتمامنا، فهما من البساطة والقدم ما جعلنا نحاول التوفيق بين المنتج المدرسي والصورة الظاهرية. فخلف تلك الصورة الظاهرية كان هناك تميز في العطاء والأداء والاهتمام بتلك النخب من أبناء الوطن لتنمية قدراتهم في مجال العلوم والرياضيات والأدب. ولم يكن ذلك الاهتمام محصورا على الطلبة من ذوي الإمكانيات المالية وإنما شمل جميع الطلبة، سواء كانوا قادرين على تغطية الرسوم البسيطة التي تتقاضاها المدرسة أم لم يكونوا قادرين، فهم نخب تستحق الاهتمام.
الصورة الكاملة التي تجلت بوضوح بعد يومين وعبرت عنها الدكتورة زوينة الكلبانية بقولها: “الآن فهمنا سبب التقدم العلمي الإيراني”، كانت مقولتها صدى لما يجول في أذهاننا جميعا، وتعبيرا يصدح عن صدق مشاعرنا العميقة أمام إبداعات الأطفال وتخطيطات واستراتيجيات الكبار في مركز التنمية الفكرية للأطفال والناشئين!
هذه الحقيقة كانت وراء قدرات إيران النووية والعلمية والثقافية والإبداعية. فالحقيقة تجلت في الاهتمام الذي قل نظيره في العلم والثقافة والإبداع بمختلف صوره. فدولة الملالي لم تَحُلْ دون التقدم الفني الذي ظهر واضحا وجليا عبر المراكز المتقدمة التي أحرزتها السينما الإيرانية أو في الرسم أو في الموسيقى، ولم تقف (دولة الملالي) عقبة أمام الانطلاقة العلمية والثقافية التي شهدتها إيران سواء عبر التقدم العلمي والتكنولوجي المتحقق أو عبر اهتمامهم الذي قل نظيره في إعداد المراكز التعليمية سواء أثناء الساعات المدرسية أو ما بعد الساعات المدرسية. مركز التنمية الفكرية للأطفال والناشئين واحدٌ من تلك المراكز المتميزة. فالمركز اشعاع يسلط ضوءه على قدرات الأطفال لينميها ضمن بيئة تعليمية فنية وتربوية يشارك فيها معلمون مقتدرون ومختصون واستشاريون تربويون. فقد تحولت تلك المساحات الواسعة من أرض المركز المخصص لاستقبال الأطفال من سن الرابعة الى السادسة عشرة بعد الدوام المدرسي الى ساحات عمل في مجالات مختلفة فنية وعلمية ومسرحية ولغوية لتفجر طاقات مبدعة تنافس أقرانها في الدول الغربية والشرقية المتقدمة في مسابقات عالمية. ويتواصل الاهتمام بطاقات الأطفال عبر مختلف القنوات التعليمية لتشق طريقها نحو التعليم العالي عبر جامعات متميزة كجامعة شريف وبهشتي وطهران وغيرها.
جامعة الأديان والمذاهب التي هي تحت استشارة الدكتور محمد مسجدي جامعي كانت إحدى المحطات التي توقفنا عندها. لقد قام الأستاذ عبدالله سعيد المعمري بتدريس المذهب الإباضي في كلية الأديان والمذاهب لمدة أسبوعين. وكانت هذه المبادرة العمانية في تعليم المذهب الإباضي وراء ولادة بحث متميز باللغة الفارسية بعنوان “تاريخ واعتقادات إباضية” للشيخ علي أكبر ضيائي.
مراكز البحوث المختلفة لم تقتصر على البحوث في المجالات العلمية أو التربوية التي تقوم بها مؤسسات عديدة منها مركز الفارابي للبحوث بل ما استوقفنا هو “مركز التنمية والبحث في مجال المرأة والأسرة” الذي تنحصر اهتماماته على عملية التمحيص والفحص في الأحاديث النبوية والأقوال الواردة في شؤون المرأة والأسرة. وعلى ضوء النتائج التي يتم التوصل إليها يتم إقرار بعض الأسس والتشريعات في الأمور المتعلقة بالمرأة.
لم تكن إنجازات السلطنة أو دور المرأة العمانية معروفا لدى الجميع بل تفاوتت بين النخب المتعلمة. فشخص مثل السيد محمد حسين الهاشمي نائب رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية التي استضافنا كان ذا معرفة واسعة بالسلطنة، فقد زارها وأسهب في وصف العلاقات العمانية الإيرانية المتميزة ، إلا أن نخبا جامعية وتربوية وإعلامية أخرى لم تكن تعرف سوى اليسير عن السلطنة. أما العامة كسائق التاكسي كان يحمل انطباعات إيجابية عن السلطنة وسلطانها والذي بمجرد أن عرف أننا من سلطنة عمان حتى بدأ بتبجيل صاحب الجلالة.
لكن مازالت هناك فجوة معرفية تكشف عن عدم وضوح أو اكتمال الصورة العمانية في أذهان بعض النخب أو الكثير من العامة والتي تدعونا الى العمل لتوضيحها حول عمان كحضارة وثقافة وحول دور المرأة العمانية ووضعها المتميز.
قد يكون اختيار خمس نساء لزيارة الجمهورية الإسلامية وراء بعض اكتشافات التأثير العماني على المطبخ الإيراني. فالحلوى العمانية يكاد لا يخلو بيت إيراني منها خصوصا بعد الولادة أي أثناء فترة نفاس المرأة. فتُقدم الحلوى العمانية للمرأة الوالدة وتسمى بـ “حلوه مسقطي” لتمدها بالطاقة. وتلك الحلوى المسقطية تحتوى على نفس مكونات الحلوى العمانية، إلا أن الحلوى التي قدمناها كهدية للمراكز التي زرناها بدت ألذ طعما وأشهى من “المسقطية” الإيرانية الصنع كما عبر لنا بعض من تذوقها. أما “ليمو عمان” أو “الليمون العماني” فتكاد لا تخلو مكونات وجبة من الوجبات الإيرانية منه. الحلوى “حلوه مسقطي” بمكوناتها من النشا والزعفران وماء الورد والسكر.. كانت من أشهى الحلويات التي رُصت على أرفف محلات الأغذية إلا أن ارتباطها بعمان لم يكن بارزا في الأذهان رغم مسماها.
إن المبادرة الإيرانية في استضافة النسوة الخمس والتي كنت إحداهن، فتحت آفاقنا في فهم ومعرفة إيران الجمهورية الإسلامية بعيدا عن الإعلام المشوه، إلا أنها جعلتنا ندرك أن “حلوه مسقطي” ما زالت تنتظر من يكشف تاريخها وجذورها بين الإيرانيين!

د. فاطمة بنت أنور اللواتية
umjannah@gmail.com

إلى الأعلى