الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / محمد المشرفي في أول مشاويره

محمد المشرفي في أول مشاويره

في مجموعته الشعرية الأولى ” مشوار للحب والذكريات ” التي جاءت لتوثق لتجربة قصيرة زمنيا في الكتابة ولكنها تمتلك نضجها وخصوصيتها يحتفي الشاعر محمد المشرفي ، في مشواره الأول هذا ، بالحب وبالذكريات ، الحميمة والأليمة ، الوردية والرمادية .
” مشوار للحب والذكريات ” صدر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2011 م في ست وسبعين صفحة من الحجم المتوسط .
يتمخض المشوار عن خمسة عشر نصا تتوزع بين العمودي والتفعيلة والمزاوجة بينهما في بعض النصوص ، خمسة عشر نصا تتغنى بالحب والذكريات ، وتتنسم شذاه ، وتتأوه من ألمه وعناه، وتخاطب الآخر، وتتنفسه ، وتتوحد معه حد التماهي :
وأنا هناك أتنفسك
أصرخ من الوجد :
اذبحيني ما بقى في جسم محبوبك عمر
اذبحيني دام كلـ / لي صار مستسلم : ( إلك )
اذبحيني ، خلي أحشائي : معابد للصبر
واعبدي هذي الحنايا لي تربت تسألك
المشوار ممتلئ بالحكايات ، ومليئة حكايات المشوار بتدرجات الحب وحيثياته وضيائه وظلاله ، وعواصفه ، وتقلبات فصوله الأربعة ، وربما الخمسة .
فمن نص ” دحرجة ” ، الذي يأتي لعبا حرا ورقصا جريحا على أحرف كلمة ” خيانة ” ، إلى نص ” وخنتيني !! ” المكون من خمسة مقاطع ، الذي تتصدر صرخة الدهشة الحارقة ” وخنتيني ..!! ” ، والعصية على التصديق ، كل مقطع من هذه المقاطع كـ طعنة .
ليتساقط النص وجعا ونزفا مرا :
وخنتيني .. !!
سجد فيني الهلاك
تعب ينفض تفاصيله علي
.. تساقط .. تك .. تك .. تك
إلى نص ” طار/ بي ” ، هذا النص الذي كتبه الشاعر بحس صوفي ، يفيض بصلاة الأولياء والإشراقات .
وهكذا يأخذنا مشوار المشرفي في رحلة من حكايات ومتاهات ” للجنون والحكي والحزن ” ، ويطوف بنا في ” شوارع وغابات ” ويدخلنا ” بيوت وعمارات ” ، لنجده في مشواره الأثير :
ينسكب
قطرة .. قطرة
ينهدم
ركن .. ركن
قلق الشكل :
في هذا المشوار الأول ، والخطوة الأولى مع القصيدة للشاعر محمد المشرفي ، الذي يؤسس لما بعده من مشاوير نتوسم أن تأتي عامرة بالشعر ودهشته ، وتعاطيه المختلف ، لتأخذ بأيدينا إلى ” الغابة العذرية التي لم تطأها أقدام الحطابين “( 1 ) بعد ، أقول .. في هذا المشوار نستشف جدلا من نوع آخر يتعاطاه محمد مع قصيدته ، ثمة هاجس ، ثمة قلق فيما يتعلق بالشكل ، وتساوقه مع المضمون والمتن الشعري ، حيث تطالعنا المجموعة باشتغالات متنوعة على مستوى الشكل .
فكما لا يخفى على قارئ ذو بصيرة أن نصوص من قبيل :( شوق ، جرح ، صورة ، حلم ، غيابك ) تمثل البدايات الأولى ، ليس فقط كونها جاءت عمودية الشكل ، وإنما حتى على صعيد العنوان وعاديته ، وعدم إيلائه الاهتمام الكافي ، بما يمثله العنوان من أهمية من حيث كونه البوابة الأولى التي نلج من خلالها دهاليز النص ، وعلى مستوى تركيب الصورة الشعرية ونمطيته ، والوقوع في المباشرة في أحيان كثيرة :
الشوق ذابحني من أقصاي لأقصاي
ما قادر أتحمل بعادك دقيقة
أحس روحي تشتعل نار جواي
من شوقها كل الحنايا حريقه
بيد أن محمد ، هذا الشاب الذي أغوته حياة المدينة بسحرها ، وفتنتها ، ليولي وجهه قبلها ، تاركا خلف ظهره مرتع الصبا الأول ، وقريته الحالمة ، والتي بما يسودها من هدوء ودعة ، لا تتواءم وجيشان هذا التائق للحركة واجتراح الدوائر في محيطه ، وخوض معترك حياة المدن ، وامتشاق صهوة المغامرة ، والبحث عن مكامن السحر والدهشة ، نجده في نصوصه الأخرى : ( دحرجة ، وخنتيني ..!! ، طار / بي ، صبح ، باقي سواليف ووجع ، ذاكرة فيني تنام ، أغنية حنين ، لحن غجري .. نزف مميت ، حديث مستمر ) يجترح أشكاله بحيث تتساوق واعتماله الداخلي ، بحيث تجد أن كل نص يحمل مغامرته الخاصة على صعيد الشكل .
ففي ” دحرجة ” نجد النص يرسم خارطته على الصفحة من خلال تنويعه ولعبه الحر على أحرف مفردة ” خيانة ” ليتدحرج كحجر نزق ومجنون مرتطما تارة ” بصورة حبيب ” وينهار تارة أخرى ” حد الصداع ” وتارة ” ينتعل كفر الشوارع ” وتارة “يجندل هالحنايا للغرق ” وهو في تدحرجه يقبع ” بآخر زوايا / مقهى صغير ” لكن ياء الحسرة تقذف به في وجه المرايا :
يا حسرتي !! وتساقطت كل المرايا
كل المرايا بينت لي ..من تكون ؟!
ليستقر ، أخيرا ، حجر المشرفي في تاء الخيانة المربوطة .
ونص “وخنتيني .. !! ” ينفث حرقته وكمده على هيئة مقاطع ، تقف كخمس نصال ترتج لها الحنايا .
بينما ” طار/ بي ” نجده في اشتغال جميل يزاوج بين التفعيلة والعمودى مع غلبة جلية ، تصب في مصلحة التفعيلة .
إلا أن ” صبح ” يعزف تراتيله بمفتتح عمودي ، لتندلق التفعيلة متغنية بصبح ، ليصب آخر قطرة من فنجان أرقه بصورة عمودية .
ولـ ” باقي سواليف ووجع ” اشتغاله المختلف على صعيد الشكل وتموضعه على البياض ليأتي “ذاكرة فيني تنام ” تفعيلة متحررة من القافية تفضي بنا إلى العمودي ليفضي بنا العمودي ( مستفعلن / مستفعلن / مستفعلن ) إلى عمودي آخر بوزن (مستفعلن / مستفعلن / فاعلاتن ) وقوافي مختلفة ، ولكن كل هذا يحدث بسلاسة متناهية ، وعذوبة رائقة .
وثمة مزاوجة في ” أغنية حنين ” بين التفعيلة والعمودي ، إلا أن ثمة ” لحن غجري .. لنزف مميت ” يأتي على صورة تفعيلة تشتغل على إيقاعها الداخلي ، بدس شيء من العمودي الصاخب الإيقاع ولكن بتوزيع على البياض ينأى عن الصورة العمودية :
وأتذكرها اللعوب الفاتن
لي لها بصدري
عمر يبكيها
عزفها بصدري يثير الساكن
نزفها يجتاحني وأبكيها
وفي ” حديث مستمر ” بوح ونفثة ألم حارة لها تموضعها ، أيضا ، على الورق ، وشكلها الطباعي ، وثمة تنويعات على مستوى الشكل والقافية ( انسان/ عليه / الجدران / جرحه – أوطان/ يديه / سكران / ذبحه ) ترفد الإيقاع ، وتجْري ماء الموسيقى في أوصال النص :
يا صاحبي ينهار بي انسان / تبكي تفاصيله بكا نفسه عليه / يا ما بكى جرحه على الجدران / يا ما بكت جدران من جرحه
يا صاحبي ماتت هنا أوطان / ماتت وهو واقف يمد لها يديه / فاتح جناحاته عمر سكران / يبغا يبوس الموت مع ذبحه

للعناوين مشوارها هي الأخرى :
وللعنوان مشواره في نص محمد المشرفي …
تطالعنا عناوين النصوص الأولى ( شوق ، جرح ، صورة ، حلم ، غيابك ) والتي جاءت جميعها كلاسيكية الشكل ( عمودية ) ، والتي ، كما يبدو ، لم يوليها الشاعر كبير اهتمامه ، أو لم يكن لديه الوعي الكافي بالفاعلية الدلالية التي يمكن للعنوان أن يجترحها في القصيدة ، بيد أنه في نصوصه الجديدة ( دحرجة ، وخنتيني ..!! ، طار / بي ، صبح ، باقي سواليف ووجع ، ذاكرة فيني تنام ، أغنية حنين ، لحن غجري .. نزف مميت ، حديث مستمر ) أصبح يولي العنوان عنايته كونه المفتاح الأول للنص ، والمعبر الذي نلج من خلاله إلى داخل النص وتفاصيله . يوجد هناك اختلاف بين عناوين المجموعة الأولى وعناوين المجموعة الثانية ، على المستوى التركيبي والدلالي .
تركيبيا ، نبصر بجلاء شساعة الفارق ، ولسنا بحاجة إلى كبير جهد ، وعظيم عناء ، من أجل الوقوف على التحول الكبير لدى الشاعر في اختياره لعناوين نصوصه اللاحقة ، وتطور وعيه .
ففي المجموعة الأولى نجد أن هذا الاختيار يتم بعفوية تامة ، والعناوين جميعها جاءت في صورة تركيبية واحدة ( صيغة المفرد ) ، بينما في المجموعة الثانية تختلف التراكيب وتتنوع ، فهناك المفرد ( صبح ) ، وهناك المضاف والمضاف إليه ( حديث مستمر – أغنية حنين ) والجملة الاسمية ( ذاكرة فيني تنام ) والجملة الفعلية ( طار / بي ) والتساؤل المعجون بالدهشة ( وخنتيني .. !! ) .
أما دلاليا ، فإن قارئ المجموعة لن تعوزه بصيرته ، وذخيرته ، في معرفة مدى تماس العنوان مع المتن الشعري وفاعليته في كونه الإيماءة الأولى للمعنى ، ونقطة الانطلاق الأولى في مشوارنا إلى عالم النص كـ : دحرجة ، وخنتيني ، وطار / بي ، وصبح ، وأغنية حنين ، و…
يبقى أن ” مشوار للحب والذكريات ” للشاعر محمد المشرفي هو المشوار الأول في مدينة الشعر ، وهو ينم عن شاعر يمتلك رؤيته وثقافته وأدواته ، شاعر مسكون بهاجس الاختلاف ، ويبحث عن قصيدته الحلم .

الهوامش :

(1) حسن مدن ، ترميم الذاكرة ، 2008 م

حمود الحجري
hadakeh44@hotmail.com

إلى الأعلى