الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ثقافة أم جهل؟!

ثقافة أم جهل؟!

زاد مؤخرا الحديث عن قضية “التعالم” أو “ادعاء المعرفة”، كما يحلو للبعض أن يسميه، حتى أصبح حديث برامج الإعلام المقروءة منها والمسموعة والمرئية!.
ورغم أن القضية ليست بالجديدة إطلاقًا؛ فقد شهد التاريخ على مر العصور أشخاصًا ادعوا المعرفة وخاضوا في أمور لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولكن ما يحدث اليوم أنه في ظل التطورات المتسارعة في شتى المجالات، وبعد الثورة التكنولوجية الهائجة، ورواج مواقع التواصل الاجتماعي زادت حدة هذه الظاهرة، فظهر لنا أُناس يتكلمون في كل شيء وعن كل شيء، للحد الذي لا تستطيع معه أن تصنفهم، فقد جعلوا من أنفسهم مفتين وأطبّاء واقتصاديين ومفكرين وشعراء وأدباء وقانونيين، وهم لا يعدُون كونهم مجرد أشخاص سطحيين لا يعرفون من كل تلك العلوم إلا القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
والمؤسف في الأمر أنه لا غاية لهم من كل ذلك إلا إثارة الناس أحيانا، والتطفّل وحبّ الشهرة وطلب الرياسة والثناء والاقتدار الزائف أحيانًا أخرى! ليصدق فيهم قول الحافظَ ابنَ حجَر حين قال “مَن تكلَّم في غيرِ فنِّه أتى بالعجائب” فلقد رأينا منهم العجب العجاب” يأتي الواحد منهم اليوم بقضية فقهية ويدافع عن رأيه فيها ليثير مئات الناس معه، ويقسمهم إلى مؤيد ومعارض، ثم يختفي ليأتي في الغد ليتحدث عن القانون، فينتقد القانون في البلد ويقدح في الدستور، وغيره من الأمثلة الكثير! أشباه المثقفين هؤلاء في الحقيقة لا يدركون طبيعة المعرفة ولا قيمة الثقافة، وليس لديهم أي جدية في التعامل معها، تركوا الاشتغال بتطوير تخصصاتهم ومجالاتهم العلمية وشغلوا أنفسهم بكل ما حولهم، الأمر الذي أدى إلى نشر الفوضى في مجتمعاتنا العربية، وانتشر الخلاف بين الناس، حتى لم نعد نعلم الصادق من الكاذب، وحتى بتنا نشكك في كل معلومة نقرؤها، ولو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف، ولكن أولئك ومختلف وسائل الاتصال ” فيسبوك ” و ” تويتر ” الذين يروجون لمثل هذه الأمور في والتواصل لا يعلمون أن التحدث في كل شيء والخوض في كل أمر إنما يوحي بالجهل في كل شيء، وهو أساس كل مفسدة.
فمن تتبع تاريخ الأمم سيجد أن أصل كل الخلافات والنزاعات عبر التاريخ كان بسبب التعالم وادعاء المعرفة، وتدخل بعض الناس في كافة أمور العامة وانعدام التخصصية، ولا حل لكل ذلك إلا بالتخصص، فالإسلام ينادي بالتخصصية بكل صراحة ووضوح، فيقول الله في محكم آياته ” وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” التوبة الآية 122، ويقول أيضا ” وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا” النساء” الآية ٨٣.
وهذا دليل عميق وجلي على أن الاختصاص ينبغي أن يرد إلى أهله، وأنه لا يمكن أن يكون الناس كلهم مجاهدين، ولا أن يكونوا كلهم علماء أو مهندسين أو فلاحين أو غير ذلك من الأعمال. والمقصود بالتخصص هنا اقتصار كل فرد من أفراد المجتمع على جانب معين من جوانب العلم، كل حسب قدراته ومواهبه، وهذا بطبيعة الحال يلغي الفوضى الناتجة عن الثقافة العامة السائدة في المجتمعات العربية، ويؤدي إلى زيادة الجودة، فكما قال ابن حزم “لا آفة على العلوم وأهلها، أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها؛ فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويُقدِرون أنهم يصلحون، إضافة إلى أن اهتمام الفرد بعلم أو فن بعينه يجعله بعد مدة من الزمن خبيرًا به مما يعزز مستوى المعرفة في المجتمع، وبالتالي يزيد من كمية الاكتشافات والاختراعات التي تزيد من رصيد الأمة العلمي والمعرفي. ولا يعني ذلك أن لا يستزيد الإنسان من العلوم، ويقتصر على مجال واحد فقط، بل بالعكس هنالك الكثير من المهندسين ممن أبدعوا في الشعر مثلًا، والكثير من الأطباء ممن أتقنوا فن الرسم والتصوير، بل من الجميل أن يوسع المرء ثقافته فيقرأ ويبحث في أكثر من مجال، فالتخصصية ليست مناقضة للتنوع إطلاقًا، وإنما المراد أنه حين يركز الإنسان على مجال واحد فإن فرص الإبداع تكون أكثر، وكذلك الهدف من التخصصية أن لا يفتي أو يدلي بمسألة في أي علم إلا إذا كان متخصصًا فيه ، وأن يقول “لا أعرف” إن لم يكن ملمًا بالقضية وحيثياتها، عالمًا بأصولها وجذورها، فالثقافة البسيطة والسطحية لا تؤهل الفرد بالطريقة الصحيحة والعميقة، بينما التخصص يمنحه الثقة والقدرة للمناقشة والرد على أي تساؤل يصله. على الشباب أن يعي مدى خطورة أن يتحدث الشخص فيما لا يعرف، أو أن يقدم فتوى أو ما شابه في مجال لا يعرف عنه إلا القليل اليسير، وعليهم أن يستقوا المعرفة من مصادرها الحقيقية الموثقة وهي الكتب والعلماء، وأن لا يبنوا أفكارهم وآراءهم على ما يصلهم من معلومات عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة، فهذه الأفكار وتلك المعلومات هي التي تبني فكر الشباب، وهذا الفكر يجب أن يكون غير متأثر بالعاطفة والأهواء والتعصب والعنصرية.
فالشباب هم دعائم الوطن وعلى سواعدهم تبنى الحضارات، فإن كانت القاعدة هشة وضعيفة فعلى المجتمع السلام.

رحمة بنت حارث الحراصية

إلى الأعلى