الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الرواية اليوم” قوالب أدبية تعبر عن نبض المجتمعات وقضاياها

“الرواية اليوم” قوالب أدبية تعبر عن نبض المجتمعات وقضاياها

عرض ـ حسام محمود
فن كتابة الرواية فن راق يستلزم من صاحبه الإمعان في الزمان والمكان والحبكة والشخصيات والموضوع ، وحتى الابتعاد عن المألوف في السرد الروائي بحثا عن الرؤية الكلية والتراكيب . ولعل ما يشحذ ذهن الكاتب الروائي هو صياغة عمل يتسم بالإثارة مع المضمون الموضوعي المشوق , وإعلاء المبادئ والقيم والمثل فوق المصالح الضيقة ، ومحاولة البحث عن الذات الإنسانية عن طريق الترابط اللغوي والنفسي للعمل من خلال حبكة الأحداث التي تمر بها الروايات .
السرد الروائي
السرد في الرواية يعني العودة إلى نوع من الخيال أكثر حرفية ، أو أكثر خيالية ، ويريد المؤلف مالكوم برادبري في كتابه ” الرواية اليوم” الذي ترجمه الدكتور أحمد عمر شاهين وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة في 200 صفحة ، يريد من خلال معالجته لمفاهيم الرواية التركيز على أن يكون السرد أكثر واقعية وأكثر فنية وتناسقا ومقدرة علي تحريك العواطف من خلال الإهتمام بالأفكار والمثاليات وأقل اهتماما بالأشياء . وليست معاني الألفاظ ثابتة أو جامدة خلال العمل الروائي النابض بالحركة والتأثير والتأثر والمعالجة الفنية والدراسات المتنوعة في فنون الرواية أفرزت عددا كبيرا من الدراسات القديمة والجديدة لعدد كبير من الروائيين ذوي ميول شتى وأعمار مختلفة وبلدان متنوعة ، ولكن بالتدقيق في أعمالهم نجد ملاحم شتى تقدم سجالا نقديا مهما وأسرارا حول ما وصل إليه فن الكتابة. فنحن نعيش في عصر أضحت فيه الرواية بشكل لافت للنظر أكثر تقلبا وقلقا وتساؤلا حول ذاتها مما كانت عليه منذ سنوات قليلة . ولو تفحصنا الرواية المعاصرة لوجدنا أن كثيرا من الأسئلة حول طبيعة السرد ومقوماته الأساسية ودور الحبكة والقصة وطبيعة الشخصية. وكذلك ترسم الرواية العلاقة بين الواقعية والخيال أو الأسطورة, حيث أصبحت تلك العلاقة مثيرة للاهتمام والانتباه بين جمهور النقاد والقراء . فهناك أسلوب جديد قد طرأ على كتابة الرواية المعاصرة يستند علي المعالجة الدرامية والحبكة بحيث يكون تسلسل الأحداث نابعا من كيفية صياغة المضمون الهادف . وقد استمر التيار الروائي في العطاء التدريجي والمتدفق كنوع متميز للعمل الفردي والجماعي , فنجد أعمالا يقوم بها كاتب وأخرى لمجموعة روائيين تتعرض للنقد السلبى والإيجابى والمعالجة الفنية والترجمة إذا ما كانت أعمالا تستحق النقل . والجدل الحالي حول مفاهيم ومضمون الرواية برغم قوته فإنه ليس أصيلا ، فغالبية التساؤلات حول نشأة الرواية كشكل ومضمون تأتى كأنواع فريدة من المعالجة خلال صياغات واعدة .
تجديد دائم
يؤكد الكاتب أن كتابة الرواية قد وصلت إلى وعي ذاتها متأخرة ، ولكنها بذلت كل ما في جهدها عن طريق الكتاب منذ ذلك الحين لتعويض الفرص الضائعة ، وقد حدثت بالفعل خلال العقود الأخيرة تغيرات شتى في الوظائف الفنية للرواية أحدثت انقلابا في عالم الكتابة من حيث الرؤية والصياغة والمضمون والمعالجة والنقد لأن دخول الرواية في مجال الفنون التمثيلية والمسرحية وعرضها علي الشاشة الفضية جعل من الرواية نموذجا يحتذى به في كيفية تجسيد الشخصيات التاريخية والاجتماعية والإنسانية . وحتى أشكال الشعر تجددت بنبرات الرواية التي حملت معها أشعارا وأطروحات وثائقية خمدت بها لهيب الأفئدة المشتاقة للتعبير عن مكوناتها ومشاعرها. ولعل الروائي الحديث قد فقد شيئا من إيمان القرن التاسع عشر بالواقعية والتسلسل وفقد أيضا التتابع المنطقي للعمل من التطور الطبيعي للعلاقة بين الأفراد وبين تقدمهم الاجتماعي والأخلاقي ، في عالم أصبحت فيه هذه العلاقة الإنسانية وقتية فقد اتجهت الرواية لداخلها لتتفحص ليس فقط المنابع الرمزية والأسطورية للخيال الروائي ، ولكن تعقيدات وقلق الوعي الإبداعي ، وزاوية الرؤية ووجهة النظر وقواعد تقديم العمل الروائي ، وغاصت عميقا في فيضان الوعي الفردي والجماعي ، ببناء المتغير للعلاقات ، وزمنه المتبدل ، فالتاريخ قد يحمل بعض القصص الفوضوية التي تستلزم معالجة من حيث كيفية فض تلك الأشكال الفوضوية وربما الصدفة قد تحمل روايات رائعة وملاحم للكتابة لم يكن للجمهور الإطلاع عليها مكتوبة أو كأعمال سينمائية ومسرحية سوى بمحض صدفة بحتة حملت معها معاني سامية غارقة فى التجديد والتغيير رغم أنها قامت علي تناقض بين الواقع المرجو والفوضى المجتمعية خاصة في البلدان الغربية وحتى العربية والنامية والدول كثيفة السكان أو حتى القليلة ، فالعبرة بكيفية تغيير المؤلف لدفة التاريخ من حيث صياغة واضحة المفاهيم قائمة علي مضمون صحيح ووعي ناقد للأحداث الزمنية . إن الرواية تصبح بهذا المعني المتشابك الأركان بالنسبة لهنري جيمس ولكثير من الروائيين الشكل الرئيسي الحديث ، فكلما اهتمت رؤية الرواية بعالم كهذا كثر إنتاجها وكان وفيرا وغزيرا . وكأن صناعة الرواية ما أن تموت حتى تولد من جديد ، وما كانت تحتاجه من صياغة أصبح يتفجر من خلال تجارب القلم والكتاب . فالخيال الشعري صنع روايات تفيض بالمعاني من خلال قدرة فائقة على محاكاة الزمان والمكان , حيث تلعب الأحداث والشخصيات دورا محوريا في المضمون المحوري للعمل الروائي .
روايات الإصلاح
يفرد المؤلف مساحات للحديث عن رسالة الكتاب من الروائيين فى خوضهم غمار قضايا الإصلاح للمجتمعات النابعة من رفض السلبيات وكذلك حسم صراعات التيارات الفكرية المختلفة بمحاولة الوصول لحلول لمشكلات الشعوب خاصة التى تمس أوطانهم وكيانهم ومصيرهم من خلال تجسيد لشخصيات أسطورية وأبطال عاديين ومغمورين يشكلون محور الروايات وقد شهدت سنوات فيما بعد الحروب الكبرى والعالمية بكوكب الأرض زخما ما بين الروايات الواقعية والليبرالية ، وبالتالي تطورها كان علي يد أساتذة كبار من فحول الكتابة في عالم متعدد الثقافات واللغات وحتى اللهجات ، فأضحت الترجمة جسر التواصل بين ثقافات الروايات المختلفة علي مر الزمان حملت معها مشاعل التغيير نحو صياغة حقيقية لمفاهيم الرواية المتطورة والكتابة الحديثة استوعبت دروس ومؤلفات كبار الروائيين أمثال ديتويفسكي وتوماس مان وجيمس جويس ومارسيل بروست وروبرت موزيل وكافكا وفرجينيا ودلف وغيرهم ولكنها استوعبت أيضا المعاني النبيلة للأخلاق والقيم وهي رسالة سامية حرص عليها كبار الروائيين علي تقديمها للنهوض بمجتمعاتهم وحل مشكلاتها من خلال أطروحات لحبكة درامية تجمع بين الإصرار على الفن السامي والدفاع عن الإنسانية المعذبة وغوث الملهوف والوقوف بجانب الضعفاء والمستضعفين والفقراء والتصدي للظلم والفساد ، وتكريس قيم العطاء والحب والخير والجمال . وفي الواقع فإن المرء يلاحظ في هذه الفترة افتتانا متزايدا بفكرة الرواية عند الكتاب والنقاد علي السواء ، وهذا أثار الجدل حولها في ضوء تحول الرواية من مادة مكتوبة إلى وثيقة تاريخية وأعمال درامية وأحيانا روائع تاريخية تعكس الرغبة الملحة في إصلاح المجتمعات من داخلها ورفض تسييس القضايا الفكرية لأن لها حلولا بديهية لا تحتمل مزايدات بجانب تغيير المعتقدات الخاطئة للشعوب والمجتمعات.

إلى الأعلى