الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / بوت يا إكسبريس

بوت يا إكسبريس

كنت في القارة الأفريقية عندما قررت السفر عبر القوارب السريعة والتي تعرف بقوارب الإكسبريس حيث تنقلت من خلالها في رحلاتي الداخلية ، في هذه الرحلة كان سفري طيبا ، ولا يوجد ما يستحق الذكر عدا عندما قررت ركوب البحر حيث كان في هدوء وسكون ، ولم نكد نشعر بحركته قبل أن تصاحبنا تلك الاهتزازات والارتجاجات البحرية والتي ما لبثت أن أدخلت الرعب في نفوس البعض ، أما بعد ذلك لم نكد نشعر بأي شيء خارج المألوف بعد ما عادت الأمور إلى نصابها. كل ذلك ما أذكره في ذلك اليوم الرهيب من نهار شهر سبتمبر عندما قررت ركوب قارب الإكسبريس البحري من أحد الموانيء الإفريقية ، وهم من يطلقون على الميناء ( بندريني ) وهو مصطلح عربي بمعنى ( بندر ) ، أما كلمة ( بوت يا إكسبريس ) فهي في اللهجة السواحلية بمعنى القارب السريع. كلمة ( بوت ) هي في الأساس كلمة إنجليزية بمعنى قارب ، فاللهجة السواحلية هي خليط من عدة لغات بما فيها العربية ، أما الياء فهي آل التعريف للكلمة الآتية بعد ( الإكسبريس )، كانت هذه الرحلة باتجاه جزيرة ( زنجبار ) حيث يمكن الوصول إليها عن طريق الجو أو البحر، كما لا يوجد طريق بري يصلها ( بدار السلام )، لذلك اخترت السفر البحري عن طريق هذه القوارب، كما أن من مسببات سفري عن طريق البحر التفرج على الجزر التي سوف أمر عليها وهي منفصلة عن البحر بلسان من اليابسة ، وكذلك رؤية واجهة ( دار السلام ) و ( زنجبار ) من جهة البحر.
إن هذا القارب بات يحمل في جعبته معرضا بشريا من الأنفس في درجاته الثلاث وهم من مختلف الأطياف والأجناس بأزيائهم وعاداتهم ، كما أنه يمكن رؤية بعض من الركاب وهم يحتسون فنجانا من الشاي والقهوة في إحدى ردهاته، وذلك بعد ما عملوا مقهى ثابتا في إحدى قاعاته ، وما على الراكب سوى أن يستغني عن بعض الأكلات والأطعمة قبل الإنطلاقة ، إذا كان ممن يصاحبهم التقيؤ عند اضطراب البحر . كنت مع الركاب حيث وجهت العناية الإلهية رجاء السلامة في هذه الرحلة ، كان العدد لا بأس به ، كما إن بعضهم وقفوا حيارى بين المقاعد المحدودة حيث رأيت سيدة ثائرة وهي تتشاجر بعد ما علا صوتها في أرجاء المكان ، كان سبب شجارها عدم حصولها على مقعد بعد ما دفعت ثمن تذكرته حتى حضرت إحدى الموظفات تدل ملامحها على الحكمة واللطف فأخذت تهدىء روع السيدة ونحن ملتفون حولها حتى اكتشفنا أن المقاعد التي وضعنا فيها خاصة بركاب الدرجة الثالثة فتم نقلنا في الحال إلى الدرجة المخصصة لنا ، كل ذلك بفضل تلك السيدة. كما أنه بعد ما استكان الركاب في أماكنهم يجوب عدد من موظفي الميناء برفقة شرطي بحثا عمن صعدوا خلسة وسط زحمة الركاب أثناء الصعود حيث تعلوهم صفرة الوجه والهلع ليس لشيء فقط لأنهم تسللوا إلى الداخل بطريقة غير مشروعة وهم لا يدرون إذا كانوا سوف يفلتون من يدي َموظفي الميناء أو لا . أما من هم بعيدون عن هذه العقبات وطائلة القانون فأمرهم جيد حيث رأيتهم قد أنزلوا رجلا وحجز آخرون وأطفال ليس لديهم خطابات من ذويهم ممن تعهدوا بالمحافظة عليهم حتى ساقوهم وهم يسيرون وراء الموظفين وسط حراسة الشرطي متنقلين من ممر إلى سلّم مرورا بردهة هذا القارب وأنظار بقية الركاب عليهم. كان مبنى ( بندريني ) قبل المغادرة مكتظا بجموع من البشر منهم من آتى لاستقبال صديق ومنهم من آتى كي يودع حبيبا له ، عندها غادرنا ( دار السلام ) وهي جميلة متسعة الأرجاء كثيرة العمائر الواقعة على شاطئ البحر ، كانت المغادرة عند الساعة المحددة حيث زعق القارب زعقتين بعد ما تبعثرت الأفكار والخواطر بداخلي حيث رفعت يدي مودعا الجمع على الرصيف فيما تحرك القارب بادي ذي بدء ببطء وكأنه يتمزق أثناء انسلاخه وانفصاله من على المكان الرابض به وأنظار من على الرصيف تشيعنا بمناديلهم فيما كان الهواء خفيفا بعض الشيء والموج في محله حيث كان البحر هادئا مرحبا بجماله والهواء منعشا بخفيف نسيمه فيستمع له صوت لطيف حتى يتعود الركاب على ذلك ويتدرجون في الأمر. ومنذ مغادرتنا إلى ما وصلنا إليه من إبحار قد فارق عنا مشهد الميناء حيث عفا عن أنظارنا كل شيء ، وأثناء إبحاره يمكن سماع دوي محركات القارب وضجيج مولداته وهو يترنح بين الأمواج العاتية حيث تقوم محركاته بدفعه للأمام من خلال مروحة تدور بسرعة فائقة وهي تغوص داخل الماء ، كما إن في القارب جهازا يقوم بتنقية مياه البحر في حالة إنعدام مياه الشرب الصالحة لأي سبب كان. كان القارب في ثورة نشاطه منذ انطلاقه وهو يمخر مياه البحر بمحمله لكن سرعة الحالة التي كان بها قبل انطلاقته إلى حركة الانطلاق وارتجاج البحر عمل ما لم يكن في الحسبان حيث اضطرب واشتد علينا البحر نحن الركاب ووقع فيه بعضهم ما لبث إن بدأ عند البعض في التقيؤ حيث وزعت الأكياس لمن أراد ذلك ، عندها كان ما زال القارب يلج في مياه البحر في غير سكون وأخذا يتكفأ أثناء سيره تارة ذات اليمين وتارة ذات الشمال حيث استمر ذلك زهاء الساعتين إلى إن خفت علينا حركات الارتجاف والانخفاض وبفضل الله ورحمته هدأ البحر بعد ما سكنت أمواجه فارتاحت النفوس ودارت الرؤوس وصار النائمون أكثر من القاعدين بعد ما استكان الركاب في أمكنتهم ، كل ذلك بعدما اعتراهم من رعب وخوف من ذلك الإرتجاج البحري ، وذلك بعد ما تلاعبت أمواجه بنا حيث كان ذلك محزنا وأنا أرى ذلك يبكي وآخر ينوح وأطفالا يصيحون بعد ما تعالت تلك الأمواج وهي التي عاقت الأنفس عن الأكل والشراب والنوم حتى أتت الساعة التي سكنت فيها أمواج البحر. هذا الإبحار استمر حيث كنا نبحر ولا نكاد نخرج من اضطراب البحر حتى دخل الجزع ركاب القارب مرة آخرى حينها كنت وثلة من عرفتهم في هذه الرحلة قاعدين في إحدى الردهات وأيدينا على قلوبنا ، وذلك بعد ما دخلنا في منطقة في وسط البحر تسمى (نونجوي) وهي معروفة عندهم بعمقها حيث لونها شديد الزرقة ويقال بإنه سبق إن التهمت عددا من السفن ، وفي هذه المنطقة تتلاطم مياه البحر بعضها ببعض بعد ما تعالت الأمواج وكأن هذا البحر غير سواه قد قرر ابتلاع قارب الإكسبريس حيث وقفت في المقدمة كي أرى كيف يتلهى هذا عند هياجه بالقارب وبالأرواح التي يحملها ، فكان منظرا مخيفا ومهيبا وهي النفس التي تخشي الموت فلا تتمالك ، ولكن ثقتنا بالله تحيي فيها موات الرجاء حيث إستمررنا على هذا الحال زهاء ساعة آخرى حتى رجع الحال على ما كان عليه عند مغادرتنا ( بندريني ) في دار السلام ، وذلك بعد ما صفا الجو واعتدل هواؤه وهدأت أمواج البحر فيه ، كان منظر الشمس مهيبا والبحر هادئا تلمع زرقته فتسحر العيون، عندها تركت مكاني وبت أجوب القارب ما بين ممراته وبين طابقه الأسفل والأعلى حيث رأيت بعض الركاب منعزلين على مقاعدهم الوثيرة منهم مستند على طاولة الطعام التي أمامه كي يسطر إلى أحبابه ما يجيش في صدره من الخواطر ، ومنهم من سقط في جب النوم ، وكلما كان قارب الإكسبريس يمخر عباب البحر وجدته يكسر الأمواج التي تتلاطم بين جوانبه حيث يرتسم خط أبيض ويسمى زبد البحر ، كانت تمرق علينا أثناء سيرنا جملة من المراكب محملة بالبضائع باتجاه الوجهتين ، كما إنه لا يمكن للمرء أن يرى البر وما يمكن رؤيته الماء والسماء بزرقتها بعد ما شابتها غيوم متقطعة والتي ما لبثت تلازمنا أثناء الإبحار ، كنا نمرق على سفن بأفرادها العديدين وهم من يخوضون غمار هذه البحار تحت رحمة الخالق عز وجل، كما إن هذا القارب عند إبحاره يصطدم بألوف مؤلفة من صغار الأسماك وكأن سهما يخترق في أحشاء هذه المياه فيرغى حولها ويزبد متعاليا ويرجع بها مدحورا ، ولما حان قرب وقت وصولنا علوت سطح القارب حيث هبت علينا نسمات خفيفة باردة كان ذلك نحو تذوقنا من نسيم ( زنجبار ) ونحن نقترب منها حيث هلل الركاب بعد ما شاهدوا البر بعد غياب عدة ساعات ، استمر الإبحار ومن على بعد ثلاثة أميال تهدأ العبارات والبواخر التي تمخر البحار وهي في طريقها باتجاه رصيف الميناء إلى أن أطلت علينا عدة مبان وبجانبها خمائل خضراء بعد ما أرسلت الشمس ضياءها مما انعكست الصورة فوق صفيحة البحر فزادته زرقة وزادت الطبيعة جمالا فأبطأنا لرؤية هذا المنظر ، كانت تلك المباني لقصور تاريخية والتي لم تتداع على مر الزمان، إن ذلك المشهد وعيناي تجولان ما بينه وما بين زرقة البحر والسماء بعد انقطاع تلك الغيوم لهو كفيل أن يعطي للمرء أبدع صور للإنسان ، كما إن ذلك بات داعيا لسروري نحو رؤيتي لأعظم هذه المباني وهو قصر ( بيت العجائب ) فيما قارب الإكسبريس مستمر في إبحاره ونحن نقترب شيئا فشيئا من جزيرة ( زنجبار ) والتي زانها العرب قديما بمآثرهم وكذلك كي نقف على محاسنها .وعندما إقتربنا ودنا قارب الإكسبريس من ميناء ( ماليندي ) في زنجبار ، وقف بعيدا عن الميناء ولا يجوز له الدخول دون رخصة ثم سمعنا طلقا إيذانا له بالإبحار إلى رصيف الميناء وهو ينوء تحت حمل هذه الأرواح ، كانت الشمس تستعد للغروب ، لكن ذلك لم يلهنى عن مراقبة البحر عند المغيب حيث يترك الغروب بصمته ككرات من البلور تكاد تجمد من حرارة نورها ، في الميناء كان بانتظارنا جمع من الأنفس شيبا وشبانا وهم مبتهجون بوصولنا ، هذا الوصول كيوم عيد لما أظهروه من فرح ومسرة وابتهاج رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير وبجانبهم كثير من الشيالين بصياحهم وهم من يقومون بخدمة نقل الأمتعة وتفريغها من عنابر القارب ، وهم من هذه البلاد ولا ينافسهم فيها أحد ، هؤلاء الشيالون كانوا يصيحون ويتغنون حيث لاحظت إنهم يتمتعون بقوة بدنية لتمرسهم في عملهم حيث تظهر نفسيتهم في العمل كلما أفرغوا جزءا من الحقائب وهم ينشدون فرحا في ذلك ، أما تلك الأنفس التي عنيتها بانتظارنا باتوا أناسا من مختلف الأطياف من إنجليز وعرب وهنود وأفارقة حيث كنت أرى علامات البشر بحسن الوصول وهم يردون التحية بابتسامة ، وعند خروجنا من قارب الإكسبريس باتجاه الرصيف رأيت بعض النساء كن يرسلن القبلات لأقاربهن ، ولا أنسى جند الجمرك من البوليس وهم نحفاء لا يتعدى عددهم عدد أصابع الكف بعد ما اتشحوا بملابسهم العسكرية عارضين تفتيش حقائبي ، وعندما لم يجدوا شيئا تركوني أخرج مواصلا سيري حتى خروجي من بوابة ميناء ماليندي.كانت هذه الرحلة جميلة لولا تلك المنغصات التي لازمتنا بعد ما مرقنا على جزر وأرخبيلات لا يضارع جمالها جزر آسيا بعدما كنا نجوس في هذه البحار الشاسعة من قارة أفريقيا فيما غالبا لا يعلم الذين يبحرون في هذه البحار إن كانت لهم عوده إلى ذويهم أم لا بعد ما قرروا الإبحار ، فأحمد الله على نعمة الوصول بعد ما واجهتنا تلك الظروف البحرية.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com كاتب ورحال عماني

إلى الأعلى