الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المُكبل ، لـ “خلفان الجامودي”

المُكبل ، لـ “خلفان الجامودي”

اليوم سنلج إلى أحد عوالم الإبداع التشكيلي عبر بوابة الخامة ونستلهم معها قوة الأثر الذي يختزن في عُمقها على اعتبار أنها عنصرٌ أساسي من عناصر العمل الفني، وسنشاهد عن قرب الحالة الفنية التي ترسلها الخامة لتحدث حالة من الجمال الطبيعي في التعبير ، وسيكون فارس صحبتنا في هذه الرحلة المُبدع المتألق بتجاربه المتطورة على الخامات المختلفة الفنان التشكيلي خلفان الجامودي الذي رمق الفن بعين ملؤها الجمال، وسبح في محيطه علماً وعملاً حتى نال بجده واجتهاده شرف الفوز بنتاجاته في العديد من المسابقات، وكان لأعماله أثناء عرضها في قاعات الفنون وقفات للمتلقين لما تبعثه من دلالات حيوية ودهشة في الأداء وجمال في فن تركيب جذوع الأشجار على بعضها البعض لخلق حالة فنية رمزية معبرة. ومثل هذه الأعمال دائماً ما تُحفز الكثيرين على التساؤل عن مغزى الفن، فكل جوانبه التعبيرية والمعرفية تتميز فيها الرؤية الفنية عن الرؤية العادية الصادرة عن طريق الحواس، ونجد أن الإبداع الفني وحده يستطيع ترجمة هذه الرؤى المختلفة وإيصالها إلى المتذوق بخفة وألق. ولعبت المادة أو الخامة عبر فترات طويلة من بداية حقبة الفن الحديث 1863م وحتى لحظتنا الآنية موضع بحث الكثير من الفنانين، لانها تحقق فكرتهم مادياً وبأبسط طرق الأداء وتضيف للتعبير بعداً أعمق في المعنى. وأثناء الممارسة الفنية يتجه الفنان إلى الحجارة والخشب والطين والجبس في النحت، وإلى الألوان في التصوير، وإلى الخامات المختلفة في أعماله التركيبية وإلى كل ماتقع عليه عيناه في بيئته ومحيطه لتحقق معه حالة التعبير المطلوبة. لذا تجد الفنان الحقيقي يدرس خصائص وإمكانيات الخامة ليصل إلى فهم أكبر يعينه على تطويعها لفكرته وجعلها أكثر قوة في التعبير، فمن خلال هذه الدراسة يعرف الفنان متى تكون هذه الخامة أو تلك مُحققة لرؤيته ومتى يكون استخدامها أيسر وأسهل وما أقصى عطاء يمكن أن تمنحه فتتحقق بينه وبينها ألفة كبيرة تفصح له المادة فيها عن أسرارها، وتقدمها له بحجم معايشته لها، إلا أن جهد الفنان لا يقتصر على دراسته للخامة فقط في طبيعتها الأولية بل هو يبحث عن تآلفها مع غيرها من المواد الأخرى ومدى نجاحها في إيجاد علاقات صحيحة مع بعضها البعض مما يفتح له مجالاً أوسع وإمكانيات أكبر وبدائل تمكنه من التحرك والتعبير بحرية تامة وشاملة، بما يتفق مع رغباته وإتجاهاته الفنية.
بهذا التقديم نستطلع الأثر الجميل الذي يرسله لنا الجامودي عبر عمله الفني بعنوان (المُكبل) ونلمس فيه اللملمة الجمالية الرائعة لأعواد خشب الأشجار وجذوعها في استطالة معبرة عن الجسد البشري وهو في حالة بين الجلوس والوقوف موضحاً لنا أن هذا المُكبل لا يملك لنفسه حرية الخيار حتى في حركته ، وقد تم ربط أذرعه لإيقاف حركة جسده عنوة من طرف آخر فبات أسيراً في مكانه عاجزاً عن الدب في الأرض والعطاء، حتى القاعدة التي يقف عليها أخذت الشكل الدائري تعبيراً من الفنان على أن حركته مقيدة تدور في مساحة محدودة تخشبت هي الأخرى ولا تسمح أن تأخذه لمكان آخر من محله الذي هو فيه . وبسبب هذا التكبيل تَجَذَعَ هذا الإنسان ووهنت نفسه برغم محاولاته في الخلاص من هذا القيد الملتف حول جسده مرات ومرات لأن هناك فئات تنتمي إلى البشر لا تعرف للإنسانية معنى لها أنماط عدوانية مختلفة ساهمت بطرقها الوحشية في رسم حالات من البؤس والشقاء والقهر والتنكيل في نفوس الكثير من البشر سواء بفكرها المأفون أو بأفعالها الساذجة. وقد تكون الحالة الماثلة أمامنا نافذة يُعبر الفنان من خلالها عن عناوين ومفاهيم عديدة جميعها متشابهة في الفعل وذات صلة بالسلوك والممارسة الوحشية، فالاستبداد والديكتاتورية والإرهاب والقهر والتعسف والقمع، كلها وسائل إكراه شيطانية تُشكل في مجملها سلسلة المظاهر والممارسات العدوانية السائدة قديماً وفي عصرنا الحاضر في الكثير من أنحاء العالم وأوساط المجتمع الإنساني وعلى الصعيدين الفردي والجماعي وقد أثرت عبر عقود من الزمن على حركة العطاء البشري النبيل ودمرت وأبادت بسوء أفعالها الكثير من المفكرين والمبدعين الذين لو عاشوا بصفاء روحي وأمن وسلام لتناثر الخير من أيديهم واستفادت الإنسانية من نور عطائهم ووهج إبداعهم الشيء الكثير.
هكذا الفنانون يجوبون في عالم فسيح يستوعب مضامين الوجود وقضايا الحياة في تفاصيلها وعمومياتها معبرين عنها بمختلف الوسائط بما وهبهم الله من ملكات إبداعية فتسعد قلوبهم بمصافحة صادق المعاني المُحملة بجميل التصوير التشكيلي الذي يكون عادة أبلغ من العبارات الكلامية كتابية كانت أو لفظية . ففي الفنون التشكيلية ما يجتذب الأنظار بسطوة عظيم المعاني، وفيها ما يُحرك الإحساس ببُعده عن التصريح المُتعالي، وآفاق الحرية في العمل التشكيلي تنساب في نفس الفنان لتتخطى إطار العمل الفني في حميمية صادقة لما يتوهج في ذاته من أفراح أو ما يُعكر صفو حياته من آلام ، فتتدفق مضامين بوح لا حدود لها مكتسحة حاجز الصمت الكبير فيما يُرى ويُحس من حوله ليحقق من خلالها صادق التعبير لبناء عالمه وتطوير ثقافته.

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى